; حكم الإسلام في الصلح مع اليهود.. | مجلة المجتمع

العنوان حكم الإسلام في الصلح مع اليهود..

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-1979

مشاهدات 86

نشر في العدد 427

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 09-يناير-1979

التخلف عن الجهاد فرار من الزحف..  وخيانة لله ورسوله.. 

إن الشعوب العربية والإسلامية في هذه الفترة تتخبط في الحديث حول اليهود، والصلح، والمبادرة، وكامب ديفيد، وإلى ما هنالك من أمور تتعلق حول هذا الموضوع. ومن هنا وهناك تنطلق الأجوبة، وتتلاحق الآراء، وتنهال التعليقات وتتساقط الملاحظات، بل وترسم التوقعات..  كل ذلك من الرجل والمرأة، والكبير والصغير، والعالم والجاهل، والمثقف والأمي، على السواء ودون استثناء. 

ولكن.. هل فكرنا يومًا..  ما هو حكم الله في ذلك..؟

إن المسلم..  والمسلم الحق أعني.. لا يتفوه بأي حكم، ولا ينطق بأي رأي، إلا من وراء حكم الله ورسوله، وبعد معرفة حكم الإسلام ورأيه، متمثلا قول الله عز وجل:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: 36) ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (سورة النساء: 65).

ومن هذا المنطلق..  منطلق حكم الإسلام ورأيه..  سنبتدئ في بحث الموضوع، ومن نقاط بعيدة قليلا، لأنها نقاط أساسية لا بد لها أن تتأكد وتلاحظ قبل الدخول في الموضوع. 

لقد اختار الله -عز وجل- أن تكون رسالة الإسلام آخر الرسالات، وأن يكون نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم آخر الأنبياء.. ومن أجل ذلك كانت لرسالة الإسلام ميزات لم تكن لغيرها من الرسالات، قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (الأحزاب: 40).

﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: 29).
ومن هذه الميزات:-

1- أنها شاملة لجميع نواحي الحياة على الإطلاق.

2- أنها باقية إلى قيام الساعة. وقد تكفل الله -عز وجل- بحفظها في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر: 9).

3- أن رسالة الإسلام عامة لجميع البشر، فليست خاصة لقوم من الأقوام، أو أمة من الأمم، ولكنها عامة لجميع البشرية وفقا لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (سورة آل عمران: 85).

ومن أجل هذا شرع الجهاد في الإسلام، من أجل إبلاغ الدعوة، وتعريف الناس بالإسلام، وتحويل العالم كله من شرقه إلى غربه من ديار كفر إلى ديار إسلام. والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً(سورة التوبة: 123). 

لذلك شرع الله الجهاد وكتب عليهم القتال حماية عن العقيدة الدينية ودفاعا عن الدعوة الإسلامية التي يحاول الكفار القضاء عليها في كل وقت وحين أو أن التخلف عن الجهاد قرار من الزحف وخيانة لله ورسوله وللوطن. لقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنفال: 27).

ولذلك نص العلماء على وجوب الجهاد وجوبا كفائيا على المسلمين جميعا، وعلى ألا يقل عن مرة واحدة كل عام.

وكل أرض يفتحها المسلمون، سواء فتحت سلمًا أم حربًا، أصبحت ديار إسلام، ووجب على المسلمين جميعًا المحافظة عليها وصيانتها عن أن تمس بسوء من سلب أو نهب أو غير ذلك.

وعلى هذا نقول: بأن الديار أو البلاد الإسلامية تعتريها ثلاثة أحوال من حيث الحكم فيها والسلطان عليها:

الحالة الأولى:

أن يكون السلطان فيها للمسلمين، والحكم فيها بما أنزل الله، وهذه هي الحالة المثلى، والتي يجب على المسلمين جميعا إقامتها في الدولة الإسلامية.

الحالة الثانية:

أن يكون السلطان للمسلمين، ولكن الحكم فيها بغير ما أنزل الله، أي بغير القانون والشرع الإسلامي. وهنا يجب أن يغير الحكم ليصبح بما أنزل الله، ولا يشترط تغيير الحكام إن قدروا على الحكم بما أنزل الله، وتنفيذ تعاليمه وتطبيق مبادئه.

فإن لم يصبح الحكم قائما على الإسلام، بما أنزل الله فجميع المسلمين آثمون لتقصيرهم في ذلك، ولتقصيرهم في نصيحة الحكام وتذكيرهم، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «الدين النصيحة»، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال «لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».

الحالة الثالثة:

أن يكون السلطان لغير المسلمين ويكون الحكم فيها بغير ما أنزل الله وفي هذه الحالة يجب على المسلمين جميعا، وجوبا عينيا، نزع السلطان من غير المسلمين، وجعله في يد المسلمين، ولا فرق في ذلك بين أن يسيطر غير المسلمين على الحكم فقط، كما هو حادث في لبنان وقبرص والسنغال، ونيجيريا وغيرها، أو أن يسيطروا على الحكم والبلاد معا، فتكون خاصة لهم «كما هو الحال في فلسطين والأندلس وصقلية ومالطة واليونان وفي كثير من الولايات السوفيتية والصينية». فكل ذلك حرام شرعا، ويجب على المسلمين جميعا استرداده فورا، واستعادته وإرجاعه إلى أيدي المسلمين. وكلهم آثمون إن لم يفعلوا ذلك أو قصروا. 

فإذا كانت أوضاع المسلمين لا تسمح بالجهاد، أو لا تستطيع استعادة هذه البلاد المستعمرة، والتي فرض عليها الكفار سلطانهم، فيجب عليهم فورا ودون تأخير البدء في إعداد العدة، وتهيئة القوة لاستعادة هذه البلاد، وردها إلى سلطان المسلمين قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم.. (الأنفال: 60) الآية..  

بعد تبيان هذه الأحكام، تعال معي، أخي المسلم لنستمع إلى نصوص فقهاء المسلمين في ذلك، أوردها لك بتصرف يسير لإيضاح المعنى وسبك العبارة فقط.

يقول الإمام الرملي وهو من كبار أئمة الفتوى المتأخرين من الشافعية في كتابه: نهاية المحتاج شرح المنهاج للإمام النووي في الجزء الثامن، الصفحة الخامسة والخمسون: 

«.. الثاني من حال الكفار..  دخولهم عمران الإسلام، ولو جباله أو خرابه فإن دخلوا بلدة لنا، أو صار بينهم وبينها دون مسافة القصر «مسافة القصر قدرها معظم الفقهاء بحوالي 83 كم». كان أمرا عظيما، فيلزم أهلها الدفع بالممكن، أي من أي شيء أطاقوه، فإن أمكن تأهب لقتال، بأن لم يهجم الكفار بغتة، وجب الممكن في دفعهم على كل منهم، حتى على من لا جهاد عليه من فقير، وولد، ومدين، وعبد، وامرأة فيها قوة.

وإن لم يمكن التأهب، لهجومهم بغتة، فمن قصد منا دفع عن نفسه بالممكن حتما.. وإن كان ممن لا جهاد عليه، إذ لا يجوز الاستسلام لكافر..«

ثم يبين تعميم الحكم على المسلمين قدر الحاجة، الأقرب فالأقرب، فيقول:

«..  ومن هو دون مسافة القصر من البلدة كأهلها، ومن هم على المسافة المذكورة فما فوقها يلزمهم الموافقة لأهل ذلك المحل في الدفع بقدر الكفاية إن لم يكف أهلها ومن يليهم، دفعًا عنهم، وإنقاذًا لهم». 

ويقول الإمام الخرقي، وهو من فقهاء الحنابلة، في مختصره:

«..  وواجب على الناس، إذا جاء العدو، أن ينفروا، المقل منهم والمكثر..» 

«المغني 10/389» 

ويقول الإمام ابن الهمام، وهو من فقهاء الأحناف، في كتابه «الهداية»:

«..  وقتال الكفار واجب، وإن لم يبدؤوا.. ولا يجب الجهاد على صبي، ولا امرأة، ولا أعمى، ولا مقعد..  لعجزهم، فإن هجم العدو على بلد وجب على جميع الناس الدفع، تخرج المرأة بغير إذن زوجها، لأنه صار فرض عين..» «فتح القدير شرح الهداية 4/283».  

بل لقد نص الفقهاء على ما هو أكثر من ذلك، فقالوا: إن استولى الكفار على أموال لأهل الذمة أي اليهود والنصارى الذين يعيشون في الدولة الإسلامية، ويؤدون الجزية- وجب استعادتها كما تستعاد أموال المسلمين «النهاية 8/ 102«.

أما من قال بجواز الصلح مع اليهود الآن مستدلا بقوله تعالى في سورة الأنفال، الآية 61: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

فنقول له:

1- الصلح لا يكون إلا مع الكفار وهم في ديارهم التي ما زالت ديار كفر، ولم يفتحها المسلمون بعد، أما الكفار الذين احتلوا ديار المسلمين فقد بينا حكمهم في كل ما سبق، وهو وضعهم الآن.

2- اختلف العلماء أصلا في هذه الآية، هل هي منسوخة أم لا؟ فقال بعضهم إنها منسوخة بآيات القتال، كقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ (سورة التوبة: 5)، وكقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً..﴾ (التوبة: 36).

وقال بعضهم: نسخت براءة أي سورة التوبة كل موادعة. 

أما ابن عباس فقال إنها منسوخة، وإن الناسخ لها هو قوله تعالى:- 

﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ (محمد: 35) «1» . 

3- إن من قال من العلماء بأن هذه الآية غير منسوخة جعلوا للهدنة والصلح شروطًا منها:

«1» راجع في ذلك تفسير ابن كثير3 /341، والرازي 15/187، والقرطبي 8/39. 

أ- أن يكون الصلح أفضل للمسلمين من القتال، في أي وجه من الوجوه. 

ب- أن لا تتجاوز مدة الصلح عشر سنين في أية حال من الأحوال. 

جـ - إذا كانت المدة أكثر من عشر سنين انعقدت الهدنة لعشر فقط.

د- إذا أطلقت الهدنة أو الصلح لغير مدة معينة فالعقد باطل. 

والآن ، إليك، أخي المسلم، أقوال علماء المسلمين في ذلك:- قال ابن العربي وهو من فقهاء المالكية:

«.. فإذا كان المسلمون على عزة وقوة ومنعة، وجماعة عديدة، وشدة شديدة، فلا صلح..  
وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح لنفع يجتلبونه ، أو ضرر. يدفعونه، فلا بأس..». 

وقال الإمام القشيري: 

«إذا كانت القوة للمسلمين، فينبغي ألا تبلغ الهدنة سنة، وإذا كانت القوة للكفار جاز مهادنتهم عشر سنين ولا تجوز الزيادة».

وقال الشافعي- رضي الله تعالى عنه:

«لا تجوز مهادنة المشركين أكثر من عشر سنين، على ما فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عام الحديبية، فإن هودن المشركون أكثر من ذلك فهي منتقضة». 

ثم تعال نستمع أخيرًا إلى قول الإمام النووي في بحث الهدنة، من كتابه «المنهاج».. يقول رضي الله تعالى عنه:

«..  وإنما تعقد لمصلحة، كضعفنا بقلة عدد، وأهبة، فإن لم يكن «أي إن لم يكن بنا ضعف» جازت أربعة أشهر لا سنة.. ولضعف تجوز عشر سنين فقط».

ثم يقول رضي الله عنه:

«..  وإطلاق العقد يفسده، وكذا شرط فاسد.. بأن شرط منع فك أسرانا، أو ترك ما لنا لهم.. ».

والآن، يا أخي المسلم، ما رأيك فيما يجري حولك الآن..  وبعد أن تبين لك فيه حكم الله وحكم رسوله؟ إنني أترك لك الإجابة عن هذا السؤال، لأنه أصبح بينا واضحًا..  ولكن..  لا تنس حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: 

«من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده..  فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع..  فبقلبه..  وذلك أضعف الإيمان».

نسأل الله -عز وجل- أن يوفقنا لنصرة دينه، والدفاع عن شريعته، وأن يقوينا، ويجمعنا تحت راية الإسلام، لاسترداد بلادنا ومقدساتنا..  والحمد لله رب العالمين.. 

27/ 12/ 1398هـ

27/ 11/1978م

الرابط المختصر :