; حقيقة الموقف البريطاني من الأزمة الشيشانية | مجلة المجتمع

العنوان حقيقة الموقف البريطاني من الأزمة الشيشانية

الكاتب هشام العوضي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يناير-1995

مشاهدات 67

نشر في العدد 1132

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 03-يناير-1995

الموقف البريطاني تجاه أزمة الشيشان: صمت رسمي وانحياز إعلامي

عندما زاد الصمت البريطاني- على مستواه الرسمي- إزاء ما يحدث للمسلمين في الشيشان، وانشغلت السياسة اللندنية بالشؤون الداخلية أو الأوروبية بالمقابل، اتصلت بوزارة الخارجية البريطانية لمعرفة حقيقة موقفها من الأزمة الحالية. وبعد فترة جاءني بالفاكس ورقة طويلة، أكثرها فارغ، إلا من ثلاثة أسطر فقط جاء فيها:

  • لم تعترف أي حكومة باستقلال الشيشان.
  • نحن (أي الحكومة البريطانية) مهتمون بالتقارير الواردة عن مآسي المدنيين في الشيشان، والروس على اطلاع باهتمامنا هذا.
  • نأمل في التوصل إلى حل بأسرع وقت وبشكل يمنع المزيد من نزيف الدماء، ويسمح لأهالي المنطقة بممارسة كافة حقوقهم الإنسانية.

الغريب أن الورقة التي وصلتني بالفاكس، لم تكن معنونة باسم الخارجية كعادة الأوراق أو التصاريح الرسمية، كما لم تكن موقعة باسم جهة أو هيئة، وكأن الذي أرسلها شخص نكرة عوضًا عن الوزارة ذاتها!

وحقيقة الأمر لم تكن واضحة -حتى هذه اللحظة- من القضية وغياب التعليق المناسب على ما يحدث، وقد ينبئ فعلاً عن أن الإدارة البريطانية تعتبر الشيشان جزءًا واحدًا من الأراضي الروسية، والتدخل الروسي في 11 / 12 لا يعدو ممارسة لنشاط (عدواني) ضمن إطار "الشؤون الداخلية" وهذا الموقف المعتاد، يجعل بريطانيا تنظر بعينها اليمنى إلى مقتل مسلمي الشيشان، كمراقب وإلى الولايات المتحدة بعينها اليسرى كمتربص لأي موقف سياسي سلبي أيضًا كي تتم محاكاته لو أمكن، وقد قال الرئيس الأمريكي "بيل كلينتون" كلمته في الساعات الأولى للغزو عندما وصفه: بأنه شأن داخلي تمامًا كما كان ينظر العالم الغربي في بداية تمزق الدولة اليوغوسلافية إلى قضية مسلمي البوسنة غير أنه الآن، وفي أعقاب تغير موقف الولايات المتحدة النسبي تجاه الصرب للبوسنة، فإن الموقف البريطاني استمر على تصلبه القديم ولا يزال، من هنا فإن امتدادات هذه السياسة المتصلبة تظهر بجلاء أكثر في موقفها الحالي من الأزمة الشيشانية فالأمر إذًا لا ينفي أن يدعو إلى العجب، فإضافة إلى تمتع بريطانيا بعلاقات حسنة مع روسيا حيث قامت الملكة "إليزابيث الثانية" بزيارة مؤخرة إلى (موسكو) التقت خلالها الرئيس "يلتسين"، وممثلين عن بعض الكنائس البروتستانتية، فإن بريطانيا لا تود إشغال نفسها كثيرًا بالقضايا الخارجية- خاصة إذا تعلقت بالمسلمين- على حساب قضاياها الداخلية، والاقتصادية على وجه الخصوص، ولكن السؤال الحقيقي لا يكمن هنا، ولكنه يكمن في حالة تطور الأزمة من واقعها السيئ إلى مستقبلها الأسوأ، وعندما يتكلم العالم الغربي أولًا، ثم يتحرك في أروقة الأمم المتحدة على الأقل ويبلور مواقفه بصورة أوضح، عندها كيف يكون الموقف البريطاني؟ هل سيكون كقرينه من البوسنة؟ أم أن الأزمة الشيشانية ستخلق فرصة جديدة لمراجعة السياسات، وتعديل المواقف؟

الموقف الإعلامي

تقف معظم الصحف البريطانية اليوم في ذات مربع موقف الحكومة السلبي من القضية، بل وتتخندق بشكل متطرف إلى جانب الإدارة الروسية نفسها محاولة تبرير الغزو على أنه إعادة "الفرع إلى الأصل" فقد كتبت صحيفة "التايمز" في افتتاحيتها مقالاً مطولاً تحت عنوان «يلتسين يستحق دعمًا أكبر ضد الشيطان» جاء فيه تحريض على ضرورة استخدام القوة ضد المتمردين على الشريعة الروسية، وبأن يلتسين معذور في استخدام أسلحته المدمرة ضد مدنيي الشيشان، وذلك بعد فشل كل المحاولات السلمية التي أجراها لإرجاع (المستعمرة) إلى أصل ممتلكاته، كما أشارت "التايمز" إلى أنه ليس لمسلمي الشيشان حق قانوني أو أخلاقي للاستقلال، ولو كان لها ما يبررها من مرجعيات تاريخية، أو عقدية، وأوضحت أن الجرائم التي قام بها "ستالين" لاستعمار الأرض، وقتل ما يزيد عن (200) ألف إنسان مسلم كانت مريرة، ولكن مقبولة وهاجمت الافتتاحية الرئيس "جوهر دوداييف" ووصمته وأتباعه بأنهم ضد الديمقراطية وبالتالي لا ينبغي أن يتمتع بأي منصب من الشرعية، كما استطردت المقالة في شرح الاستراتيجية الروسية بوضوح تجاه غزو الشيشان، فقالت: بأن الهدف الروسي من السيطرة على الحدود الطاجيكستانية هو منع انتشار موجة الجهاد في الأراضي الروسية، مع الأخذ في الاعتبار أعداد المسلمين الضخمة في داخل روسيا نفسها، وأشارت الافتتاحية كذلك إلى أن "يلتسين" يلقى دعمًا من كلتا السلطتين الكازاخستانية والأوزبكستانية، لمعاناتهما هما الأخريان من "مشاكل التطرف الإسلامي"، والرغبة الشعبية للحصول على الاستقلال والشهادة، وتنظر الافتتاحية إلى مسلمي الشيشان على أنهم متمردون يستحقون القمع والعودة بهم إلى حظيرة العبودية. "التايمز 21 ديسمبر 94"

موقف الجالية الإسلامية في بريطانيا

على مستوى المشاعر المتعاطفة، لا يختلف موقف الجالية الإسلامية في بريطانيا تجاه الأزمة الشيشانية عن موقف المسلمين في بقية أنحاء العالم وإن كانت هذه المشاعر تتعرض لحالات من المد والجزر بحسب التناول الإعلامي البريطاني، ولكن من جانب آخر، قامت قيادات من المؤسسات الإسلامية المعروفة في بريطانيا بتقديم رسالة اعتراض للرئيس "يلتسين" وذلك عن طريق السفارة الروسية في بريطانيا، حيث التقت بعض القيادات بالمسؤولين الروس في السفارة، والذين وعدوا بنقل مجمل مضمون الرسالة إلى يلتسين، وفي تصريح خاص لـ "المجتمع" قال رئيس المجلس الإسلامي في بريطانيا "سالم عزام": بأن الزيارة كانت ناجحة، حيث استهدفت التعبير عن مشاعر المسلمين التنديدية لما جرى لإخواننا الشيشان، وعن المجهودات التي قام بها المجلس الإسلامي تجاه السياسة البريطانية، أشار سالم عزام "بأن هدفنا الأساسي هو إبلاغ الجهة المعتدية أي: روسيا أكثر من بريطانيا، ولكننا قمنا على أي حال بإرسال نص رسالتنا هذه إلى الخارجية البريطانية"، وقد نقوم بزيارات مشابهة إلى بعض الرموز السياسية المعروفة مستقبلاً.

كما قامت جماعة الـ (YM)، وهي إحدى الجماعات الإسلامية الناشطة في بريطانيا، بإرسال عدة رسائل تنديدية إلى كل من رئيس الوزراء البريطاني "جون ميجور" ووزير الخارجية "دوجلاس هيرد" تعرب عن مشاعر الأسى التي تعاني منها الحالة الإسلامية في بريطانيا تجاه ما يحدث في الشيشان وتطلب الرسالة من الحكومة البريطانية تقديم كافة وسائل الدعم للشعب الشيشاني، في تحقيق حقه الديمقراطي في تقرير مصيره واختيار سلطته.

 

الرابط المختصر :