العنوان حقائق في ظل سيادة ثقافة «المقاومة»
الكاتب عبد الرحمن فرحانة
تاريخ النشر السبت 13-أبريل-2002
مشاهدات 74
نشر في العدد 1496
نشر في الصفحة 30
السبت 13-أبريل-2002
المشهد الميداني والسياسي في فلسطين في هذه اللحظة التاريخية يكرس جملة حقائق عملت أطراف إقليمية ودولية على طمسها بأدوات مختلفة وعلى الصعيد السياسي خاصة بتعويذات سياسية على نسق أوسلو، وهي لحظة تعبر بمضامينها الاستراتيجية والسياسية عن تعقيد الملف الفلسطيني وصعوبة تزييف شيفرة الصراع غير القابلة لأنصاف الحلول ولا تستجيب حتى لإبر التخدير السياسي المرحلي التي يحلم بها شارون.
وتنبع متانة هذه الشيفرة الممتنعة عن التزييف إلى أن مكوناتها التي تحتضن مفردات حضارية ثابتة كالمقدس وعناصر الهوية الأخرى، ومما يزيدها تعقيدًا أن الطرف الآخر يقف على قاعدة المقدس في رؤياه للصراع، وبالتالي فالمعادلة مختزلة لكلا الطرفين ما بين الكينونة أو الإلغاء وبكلمات أخرى نكون أو لا نكون، والمعادلة السابقة تنطبق تمامًا على الطرفين في الإطار الجغرافي الفلسطيني، ويؤكد هذه الرؤيا من الجانب الصهيوني أحد أكبر كتابهم وهو «يها شوارع» الذي يصور الصراع بين الفلسطينيين واليهود على أنه صراع بين غريقين في عرض البحر على خشبة إنقاذ واحدة وفي نهاية الصراع تكون الخشبة لأحدهما، والآخر مصيره الغرق لا محالة.
الحقيقة الأولى تبرزها فاعليات الميدان على الساحة الفلسطينية التي أثبتت بشكل عملي وبعيدًا عن الجدلية أن إمكانية مقاومة المشروع الصهيوني متاحة رغم اختلال ميزان القوى وبرغم عدم وجود المناخ الدولي الملائم، فالمتعمق في دراسة إنجازات المقاومة يلحظ أن الفعل المقاوم في الميدان الفلسطيني تمكن من اختراق الكيان لم تحققها الجيوش العربية، وفي هذا الإطار تتحدث المصادر العبرية عن المعادلة الجديدة للمواجهة التي أنتجتها المقاومة ولم يستطع الجيش الصهيوني أن يخترع حلًا للتغلب عليها، وتفسيرًا لهذه المعادلة يرى أحد الكتاب الصهاينة أن الاستشهادي الواحد يحتاج ما يعادل عشرة أشخاص فقط لإطلاقه كصاروخ مدمر في تأثيره بينما يحتاج من الطرف الآخر لآلاف الأفراد لمواجهته من أجهزة أمنية مختلفة وغيرها، مع العلم بأن الأجهزة الأمنية وسواها في الوقت الراهن تضطر أن تتعامل مع ٦٠ إنذارًا بهذا الخصوص في وقت واحد، ويعني هذا الإنجاز تحييدًا لخاصية التفوق النوعي العسكري للعدو وهي لب نظرية الجدار الحديدي، وكذلك فهي تحد سافر للقدرات الاستخبارية بخاصة أن أحد استشهادي كتائب القسام -فؤاد الحوراني- وصل إلى منطقة تبعد بضعة أمتار من منزل شارون وفجر نفسه بالمقهى الذي يرتاده أحيانًا كل من شارون ونتنياهو وباراك، وهي دائرة تقع تحت أعلى درجات الحماية الاستخبارية.
والاختراق الثاني: إبطال مفعول نظرية بيريز- الحزمة الواحدة والداعية إلى إدراج قوة الردع النووية مع خيار التسوية في حزمة واحدة بحيث تستخدم قوة الردع النووية في فرض التسوية السياسية وفق الأجندة والشروط الصهيونية.
والإنجاز الثالث الذي حققته المقاومة على هذا الصعيد هو تحييد فاعلية نظرية الاختراق التي وضعها الخبير الأمني هاركابي وتولى تطبيقها على الأرض كل من بيريز ورابين مجسدة في اتفاقية أوسلو، ومفاد نظرية ماركابي أن العقل العربي والإسلامي صعب في حالة المواجهة المباشرة وفي العادة تتضخم إمكانياته عند الاستفزاز، ولكن لديه قابلية كبيرة للاختراق، وبطبيعة الحال فالمقاومة ألغت -ولو بشكل مؤقت وربما دائم- اتفاقية أوسلو، وكذلك أدت إلى انحسار موجة التطبيع الذي يمثل أجلى صور الاختراق.
في السياق ذاته -ولكن في اتجاه أكثر تخصصًا يمكن ملاحظة مقدرة المقاومة على إلغاء فاعلية الكثير من مكونات النظرية الأمنية العملياتية وكذلك العقيدة العسكرية، فهي فككت مفردات مهمة مثل: نقل المعركة لأرض العدو.
الضربة الاستباقية.
الردع المسبق والردع العقابي.
التفوق النوعي العسكري.
وأخيرًا خلقت حالة من الاستنزاف، وهو العدو اللدود الذي يخشاه الصهاينة بسبب
هشاشة العمق الاستراتيجي لمجتمع الهجرة الصهيوني بمضامينه الجغرافية والاقتصادية والديمجرافية.
الحقيقة الثانية كشفت المقاومة عن أبرز مكونين في الشخصية اليهودية وأسقطت طبقة المكياج الرقيقة التي يحاول الصهاينة من خلالها إخفاء الحقيقة:
أولهما: اليهودي التائه.
ثانيهما: اليهودي القاتل والكاره لسواه.
فقد أرغمت ضربات المقاومة الموجعة في العمق الصهيوني، اليهودي على أرض فلسطين على مواجهة لحظة الحقيقة لتتزاحم الأسئلة المصيرية في ذهنه في ظل القلق الوجودي -الغائب الحاضر- الذي يعتريه دومًا لماذا أنا هنا في هذه الأرض التي تأكل أهلها وينتشر الموت في كل أرجائها؟ كما يقول أكبر شعرائهم إيلي رندان، وهل حقًا أن الحلم الصهيوني قد تحقق على أرض الواقع أم مازال في إطار الحلم؟ وفي مجتمع يشكل المهاجرون ثلاثة أخماسه تضغط المقاومة لكي يفكر المستوطن اليهودي في العودة للمهجر وبشكل جدي، والمصادر الصحفية العبرية تشير إلى تعاظم ظاهرة الراغبين في استرجاع جنسياتهم الأصلية.
واللافت في هذا الخصوص أن أكثر الكتب مبيعًا في الكيان حاليًا هو كيف تحصل على جواز سفر أجنبي؟ ويختزل المسألة أحد المستوطنين الذين غادروا فلسطين دون عودة قائلًا: «إسرائيل ليست سوى ظاهرة عابرة».
وفي سياق متصل تشير الإحصاءات العبرية إلى أن أكثر من مليون «إسرائيلي» موجودون خارج فلسطين الآن، منهم أكثر من ۲۰۰ ألف فقدوا جنسياتهم، وفتتهم العمرية تتراوح بين ۲۰- ٢٤ عامًا منهم أبناء وأحفاد الوزراء وأعضاء کنیست ومن سائر النخب السياسية كما صرح بذلك يوسي بيلين وزير العدل السابق، ويصل عدد المغادرين في إطار الهجرة العكسية إلى ٢٠ ألفًا لا يعود منهم سوى 7 آلاف فقط، وفي دراسة أجراها معهد أبحاث موتاجيم لحساب صحيفة هارتس أكدت الإحصاءات أن ٢٧٪ من اليهود في فلسطين الذين تتراوح أعمارهم بين ٢٥- ٤٤ عامًا يفكرن بالهجرة هربًا من العمليات الاستشهادية.
ويعلق د. جاد برزيلاي الأستاذ في كلية العلوم السياسية بتل أبيب على ظاهرة الهجرة هذه قائلًا: «إنها جزء من هجرة أدمغة وهي خروج احتجاجي اجتماعي وتغيير نخبوي يتضمن شعورًا بالاغتراب وعدم الثقة بالقيادة السياسية وهي ظاهرة تثير القلق».
وبتعبير رمزي عن حدة القلق الوجودي المتفشي في المجتمع الصهيوني انتشرت في الصحف العبرية صور الكاريكاتير التي ترسم آخر طوافة أمريكية نقلت آخر الدبلوماسيين الأمريكيين من على سطح السفارة الأمريكية في فيتنام، في إشارة لتشابه المصير بين الوجود الأمريكي في فيتنام والوجود اليهودي في فلسطين، وبتصوير كاريكاتوري معبر أبرزت الصورة يهودًا مكتظين داخل الطوافة والعملاء يتشبثون بعجلاتها وهي تحلق في الجو، مغادرة فلسطين.
الوجه الآخر للشخصية اليهودية الذي جلته المقاومة هو وجه اليهودي القاتل الذي يكره من سواه ويتمادى في سحقه لمجرد أنه يقف في مربع الأغيار، والصور المتلفزة التي تنقلها الفضائيات فضحت مكنونات هذه الشخصية وأفسدت طعم النكهة الديمقراطية التي يحرص الصهاينة على أن يمزجوها بأنظمتهم وقوانينهم العنصرية لتزيينها أمام العالم، فحقيقة اليهودي الحاقد أكدتها المقابر الجماعية في رام الله، وكذلك مشاهد الدبابات وهي تحطم السيارات المدنية في الشوارع الفلسطينية كعلب الكبريت، والقصف المركز على المخيمات والعمائر السكنية في المدن وهدم البيوت على ساكنيها مما أسقط مئات الشهداء وآلاف الجرحى، وفي الحملة الأخيرة تمادى الصهاينة في قسوتهم فمنعوا حتى دفن الموتى وأوقفوا حركة سيارات الإسعاف وحطموا ٥٠٪ منها، وتركوا الجرحى ينزفون حتى الموت بالإضافة إلى الإفساد اليهودي في البنية التحتية الفلسطينية، وتمثل في تجريف آلاف الدونمات الزراعية والأشجار المثمرة وإغلاق أبار وشبكات المياه وقصف محطات الكهرباء ومحاصرة المستشفيات وقطع الماء والكهرباء عنها.
الحقيقة الثالثة: أسلمة الصراع: يلمس المراقب الفاعليات انتفاضة الأقصى مظاهر الأسلمة في الفعل المقاوم، إذ تم إحياء مصطلح الجهاد بإيحاءاته وبشكل كبير حتى في أوساط الفصائل المقاومة التي لا تتبنى البرنامج الإسلامي، ويمكن استشعار التعبيرات الجادية في الكثير من المقابلات والمداخلات التي تجري مع رموز المقاومة في محطات التلفزة العربية والظاهرة الجهادية التي تعززت بشكل واسع هي نمط الاستشهاديين التي انتقلت بالمحاكاة من حماس والجهاد الإسلامي لبقية الفصائل الأخرى، وأصبحت الصورة النمطية للاستشهادي وهو يحمل المصحف بيد والرشاش باليد الأخرى هي الصورة السائدة.
ويعلق على هذه الظاهرة مردخاي كيرنشباوم مدير سلطة البث الصهيوني السابق بالقول: «في الوقت الذي سعى فيه العالم إلى تجفيف مصادر المد البشري للحركات الإسلامية، تقوم إسرائيل بتوصيل الإسلاميين بعناصر فتح عبر إقناعهم باقتفاء أثر حركتي حماس والجهاد الإسلامي».
ويؤكد الجنرال داني روتشيلد المدير السابق لمركز الأبحاث في الاستخبارات العسكرية أن تداعيات الانتفاضة الحالية ستعزز أسلمة الأساليب النضالية لحركة فتح وحتى الفصائل اليسارية.
الحقيقة الرابعة: هشاشة النظام الإقليمي العربي:
العنف الشاروني غير المسبوق تجاه الشعب الفلسطيني والمذابح الشارونية والمقابر الجماعية في رام الله زاد في تعرية الموقف العربي الرسمي وبشكل صارخ، وكذلك الأداء العربي في القمم العربية التي عقدت لأجل الانتفاضة، أبرز ضعف وهشاسة بنية النظام الإقليمي العربي وسيادة الرؤية القطرية برغم ضغط الشارع العربي الذي بدا متقدمًا كثيرًا على الأنظمة وهو موقف بين حدة الشقة بين القاعدة ورأس الهرم في الوطن العربي بل إن سخونة الساحة الفلسطينية أضعفت في أوساط النخب الثقافية الشعار القائل بأن للنظم ضروراتها والشعوب خياراتها، وارتفعت أصوات كثيرة تطالب النظم بالتحرر من قيود هذه الضرورات لكي تفي بمتطلبات الواقع الذي أفرزته انتفاضة الأقصى ولتتناغم مع أحلام وطموحات الشعوب في هذه المرحلة، ولعل حساسية الموقف في هذا الشأن تعبر عنها بوضوح الثورة البركانية للشارع العربي وتقارير السفارات الأمريكية بالمنطقة التي تحذر وزارة الخارجية الأمريكية من خطورة الموقف مما دفع الأخيرة بإرسال رسالة تحذير لمكتب رئيس الوزراء الصهيوني شارون تنذره بالمخاطر التي تتهدد المصالح الأمريكية في المنطقة، لكنه رفض هذا التحذير. وذكرت مصادر صحفية أن شارون لا يرى أن هذا التحذير يمثل الموقف الأمريكي الحقيقي، مؤكدًا أن موقف البيت الأبيض مغاير لهذا الاتجاه وبالتالي فالرئيس الأمريكي بوش مساند للنهج الشاروني.
اخترقت ثلاث نظريات استراتيجية للأمن الصهيوني، فككت نظرية الجدار الحديدي، أبطلت نظرية الحزمة الواحدة، وحيدت نظرية «الاختراق»
كشفت أبرز مكونين في الشخصية اليهودية، اليهودي التائه واليهودي القاتل، ورسمت سؤالًا على وجه كل يهودي: لماذا أنا في هذه الأرض التي ينتشر الموت في كل أرجائها؟
ماذا يعني:
تعاظم ظاهرة الراغبين في استرجاع جنسياتهم؟
أكثر الكتب مبيعًا في الكيان هو كتاب كيف تحصل على جواز سفر أجنبي؟
مليون صهيوني خرجوا من الكيان، منهم ۲۰۰ ألف فقدوا جنسياتهم؟
| الإفساد اليهودي في انتفاضة الأقصى |
|
| نماذج إحصائية من الخسائر |
|
الخسائر | العدد | البيان |
أشجار مثمرة | 500 ألف | اقتلعت |
أراض مزروعة | 3266٦ دومنمًا | جرافت |
أراض مجهزة للزراعة | 30 ألف دونم | تم تجريفها |
طيور داجنة | 136١٩٣ | نفقت |
مخازن زراعية | 150 | دمرت |
مزارع دواجن بمعداتها | 70 | دمرت |
حظائر حيوانات | 19 | دمرت |
أغنام وأبقار | 1500 | نفقت |
خلايا نحل | 53٠٠ | أتلفت |
برك وآبار | 620 | دمرت |
مزارعون | 5213 | تضرروا |
شبكه المياه | 192592 | مترًا من تمديدات مياه تم تدميرها |
| تأثيرات الانتفاضة على الكيان الصهيوني |
|
مجال التاثير | الرقم أو النسبة | البيان |
النمو الاقتصادي | 6.7% | نسبه تراجع النمو الاقتصادي |
الانتاج القومي | 8 مليارات دولار | قيمة تراجع الانتاج القومي |
العمالة | 11% 270 ألف | نسبة وعدد الأيدي العاملة العاطلة عن العمل |
كلفة العمالة العاطلة | 450 دولار | المعونة التي تدفع للفرد الواحد من العاطلين |
الصناعة | 4١٪ | نسبة المصانع التي قللت إنتاجها |
الصناعة | 3٥٪ | نسبة المصانع التي قلصت عدد عمالها |
الصناعة | ٤٠٠ | عدد المصانع التي أغلقت أو توقفت |
سوق الأوراق المالية | 59 | عدد الشركات التي شطبت من فوق الأوراق المالية وقيمتها السوقية 12 مليار دولار |
الاستثمارات | 60% | نسبة انخفاض الاستثمارات الأجنبية من 11,٢ إلى ٤,٥ مليار دولار |
العملة المحلية | 10% | نسبة انخفاض الشيكل |
الميزانية | 5 مليارات دولار | قيمة عجز الميزانية عام 2001م |
قطاع السياحة | 70 ألفًا | عدد العمال الذين سرحوا |
الهجرة | 20 ألفًا | عدد اليهود الذين غادروا فلسطين منذ الانتفاضة لم يرجع منهم سوى 7000 |
الهجرة | مليون | عدد اليهود الذين غادروا فلسطين منذ بداية الانتفاضة منهم 200 ألف فقدوا جنسيتهم |
الهجرة | 50% | نسبة تراجع أعداد المهاجرين اليهود القادمين لفلسطين |
الهجرة | 27% | نسبة اليهود في فلسطين الذين يفكرون في الهجرة وفئتهم العمرية من ٢٥- ٤٤ عامًا |
الاستيطان | 26% | نسبة المستوطنات التي فرغت |
الاستيطان | 40٪ | نسبة المستوطنين الذين تركوا مستوطناتهم بالضفة وغزة |
الاستيطان | 8100 | عدد المستوطنين الذين يغادرون القدس شهريًا دون عودة |
الاحتياط | 15٠ دولارًا | كلفة الجندي الاحتياطي الواحد يوميًا |
الاحتياط | 20 ألفًا | عدد جنود الاحتياط الذين تم استدعاؤهم وكلفتهم اليومية ٣ ملايين دولار |
الأمن | 60 | عدد التحذيرات الأمنية التي تضطر الأجهزة الأمنية للتعامل معها في آن واحد |
الأمن | ١٠٠٠ | عدد العمليات الجهادية في الشهر الواحد |
الجيش | 11200 | عدد الجنود والضباط الذين تمت محاكمتهم بسبب تهربهم من الخدمة |
الجيش | 40% | نسبة الضباط الذين يتهربون من الخدمة |
خسائر بشرية | 450 | عدد القتلة الصهاينة |
خسائر بشرية | 3200 | عدد الجرحى منهم أكثر من 1000 إعاقة |
خسائر بشرية | ١_ ٢,٦ | ميزان الخسائر البشرية بين الفلسطينيين واليهود |
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل