الثلاثاء 30-مايو-1972
أحسست في الأيام الأخيرة برغبة ملحة في أن أعود إلى أخطر كتاب -في رأيي- ظهر في التاريخ الحديث..
لم تكن هذه أول مرة التقي فيها معه فمن قبل كنت التقي به كثيرًا بل كنت أحرص على صحبته لأني من خلاله كنت أعرف ما يدور حولي عن طريق معرفه الشيء بضده - كما يقول المنطقيون -.
وكنت كلما تجددت موجات الصخب من حولي أعود إليه... أعود إليه لأرى بعين البصر، نعم البصر المجرد -ما هو كانن اليوم وما سيكون -تقديرًا- بعد شهر أو سنة كنت اعتقد أن البرنامج الذي يطرحه هذا الكتاب هو برنامج عمل لابد من تنفيذه ولو أبيد العالم كله، وكنت أعتقد أن المنطقة التي اختارها البرنامج لتنفيذ أكبر خطواته، منطقة فراغ لن تحاول أية مقاومة أو رد فعل بإيقاف هذا البرنامج عند نقطة معينة، فضلًا عن أن هذا البرنامـج نفسه يحتاج إلى مهارة شديدة وذكاء غير عادي من مقاوميه وإلا فأنهم سيتوهون في ضباب الضياع الذي ترسم كل خيوطه كلمات البرنامج والبرنامج نفسه يتحدى مقاوميه، وبصوت قوي يرجوهم أن يريحوا أنفسهم، وأن يلجئوا إلى اليأس، يقول: «من ذا وماذا يستطيع أن يخلع قوة خفية عن عرشها، أن المحفل الماسوني المنتشر في كل أنحاء العالم ليعمل في غفلة كقناع لأغراضنا. ولكن الفائدة التي نحن دائبون على تحقيقها من هذه القوة في خطة عملنا، وفي مركز قيادتنا، ما تزال على الدوام غير معروفة للعالم كثيرًا» (ص 131)، وكنت كلما سمعت الخطب الرنانة المدوية، والكلمات الثورية العملاقة، والشعارات القوية الملتهبة، ابتسم.. ابتسم بمرارة، لأني أعرف مصدر هذه الغوغائية، وأعود إلى صفحات الكتاب وكلمات دوت في إرجاء العالم الإسلامي انقلابات، وظهرت أحزاب وجماعات، ومجدت الأصنام، وسيق العلماء والمفكرون والجهابذة والمخلصون إلى المصائر التعسة وإلى التهديد في أبسط قواعد الحياة، كنت ابتسم.. ابتسم بمرارة، وأعود إلى صفحات الكتاب!
وفي عمري القصير المحدود عاصرت على مستوى هذا العالم العربي الذي أنتمي إليه، عشرات من الرايات وعشرات من المنقذين السذج الذين لا يعرفون أنهم مجرد دمي تتحرك على خشبة مسرح، لم يعرفوه، ولم يعرفوا إدارته من مخرجين وممولين وملقنين.. أن عليهم أن يلعبوا دورهم وأن يهبطوا فورًا وإلا فستسحقهم لعنة الحكومة الخفية، هكذا سحق ستالين، وهكذا سحق بريا وهكذا ستحق عشرات غير هؤلاء أرادوا لدورهم أن يمتد على خشبة المسرح!
والبرنامج صريح واضح لا يحتاج إلى ذكاء في فهمه... لكن ما الحيلة وقد واجه عالما لا يحاول أن يفهم.
في الصفحة الأولى من البرنامج، يحدد أسلوب العمل دون مواربة: «خير النتائج في حكم العالم ما ينتزع بالعنف فليتكلم الحمقى كيف شاءوا وليدبجوا المقالات العريضة، وسوف يساعدهم البرنامج على الكلام، وسيغذيهم بالكلمات المطاطة غير المحددة التي تشبه أن تكون سبابًا.. سيروج بينهم كلمات الثورية والرجعية والتقدمية والفوضوية والشيوعية والفاشية والسامية والاشتراكية والمساواة، وسيقود أبطال البرنامج بعض هذه المناقشات لضمان تصديرها، وستعمل صحف البرنامج المنتشرة في العالم كله وتليفزيوناتها وإذاعاتها على نشر هذه الفوضى الفكرية أما أصحاب البرنامج فسيعملون فقط.
يقول البرنامج:
«بين ايدينا خطة عليها خط استراتيجي موضح.. وما كنا لننحرف عن هذا الخط إلا كنا ماضين في تحطيم عمل قرون» «ص ١١٦».
ويقول:
«إن الجمهور الغر الغبي، ومن ارتفعوا من بينه لينغمسوا في خلافات حزبية تعوق كل إمكان للاتفاق ولو على المناقشات الصحيحة» (ص 113)
أعرفنا إذن لماذا نحن في عالمنا العربي والإسلامي أشتات متنابذون فكرًا ومنهج حياة؟
وأعرفنا لماذا يعج هذا الجزء من العالم بكل التيارات الصاخبة المستوردة؟ بمن يسمون أنفسهم اليمين، ومن يسمون أنفسهم اليىسار، ويمين اليمين ويسار اليسار، ووسط اليمين، ووسط اليسار. وهناك الاشتراكيون، والليبراليون، والفوضويون، والقوميون... وهلم جرًا.
وباسم اللعبة البراقة تتعایش هذه الأجناس، باسم ما يدعى بالحرية، أو بالديموقراطية، والبرنامج يقول في هذا الصدد:
«أن كلمة الحرية «1» تزج بالمجتمع في نزاع مع كل القوى حتى قوة الطبيعة وقوة الله» (ص ۱۳۰) وهو يوضح المعنى الحقيقي الذي يجب أن توضع في إطاره كلمة الحرية، وهو الإطار الذي ستضع فيه دولة البرنامج المنتظرة كلمة الحرية.
يوضح البرنامج هذا الإطار اللائق بالحرية، فيقول:
«يمكن ألا يكون للحرية ضرر، وأن تقوم في الحكومات والبلدان من غير أن تكون ضارة بسعادة الناس، لو أن الحرية كانت مؤسسة على العقيدة وخشية الله وعلى الأخوة والإنسانية» «ص131»... وهذه الطوائف التي ستلوك هذه الشعارات الببغائية وتصل عن طريقها إلى الحكم، لن تكون بالطبع طوائف متعلمة خبيرة بحركة التاريخ وسنن الله في الكون، بل هي مجرد أدوات غبية تقول ما لا تعي، وتتجه اتجاهًا غريزيًا مدفوعة بالقوى الخفية التي يسميها البرنامج «لغة السياسة التي تقبع خلف الأحداث والسطور» لكي تصل إلى الحكم بأي ثمن ولكي ترتفع عقائرها بالصرخات الفوضوية... والبرنامج الذي يساعد هؤلاء في الوصول إلى الحكم... يتجه هو إلى تحقيق غاية خطيرة « إذا قاد الأعمى أعمى مثله فسيسقطان معًا في الهاوية»... وأفراد الجمهور الذين امتازوا من بين الهيئات -ولو كانوا عباقرة- لا يستطيعون أن يقودوا هيئاتهم كزعماء دون أن يحطموا الأمة» «ص ١١٦»
وبين كل هذه الفوضويات سينشر البرنامج فوضويات أخرى ضمانًا لاستلاب كل الطاقات الإيجابية والحية في الأمة بحيث يتقدم البرنامج وأصحابه في فراغ.
فإلى جانب الفوضى السياسية التي ذكرناها، ثمة فوضى اجتماعية واقتصادية وأخلاقية.
«سنختار من بين العامة رؤساء إداريين ممن لهم ميول العبيد، ولن يكونوا مدربين على فن الحكم، ولذلك سيكون من اليسير أن يمسخوا قطع شطرنج ضمن لعبتنا في أيدي مستشارينا العلماء الحكماء الذين دربوا خصيصًا على حكم العالم» «ص ١٢٣».
والبرنامج يقول:
«لا تتصوروا أن تصريحاتنا كلمات جوفاء، ولاحظوا هنا أن نجاح دارون وماركس ونيتشه قد رتبناه من قبل، والأثر غير الأخلاقي لاتجاهات هذه العلوم في الفكر سيكون واضحًا» «ص ١٢٤»
«أننا نقصد أن نظهر كما لو كنا المحررين للعمال، جئنا لنحررهم من هذا الظلم، حينما ننصحهم بأن يلتحقوا بطبقات جيوشنا من الاشتراكيين والفوضويين والشيوعيين».
ونحن على الدوام نتبنى الشيوعية ونحتضنها متظاهرين بأننا نساعد العمال طوعًا لمبدأ الإخوة والمصلحة العامة للإنسانية، وهذا ما تبشر به الماسونية الاجتماعية» «ص ۱۲۷»
سأكتفي بعرض هذه الصفحات التي لا تزيد عن سدس صفحات البرنامج الذي وصل
أصحابه إلى مياه قناة السويس وأزعجوا أسوار دمشق وسطوا علي الضفة الغربية وأحرقوا المسجد الأقصى، وبـنوا مستعمرات حديثة في الصحاري التي كانت قفراء بعقولنا الخاوية ونفوسنا المريضة وعقائدنا المتناحرة.
وربما يكون لي لقاء آخر مع هذا البرنامج، لكن لا تفوتني كلمة قبل أن أترك القلم...
إن برنامج هؤلاء الناس، قوبل بلا شيء، قوبل بالذين جعلوا من لغتهـم سخرية، ومن دينهم هدفًا لكل مشبوه أو ملوث أو خائن وهذا البرنامج، هو أخر طبعة من طبعات التوراة، ولن يقضي على التوراة المحرفة إلا القرآن ولا على العبرية إلا العربية، وحين أقول هذا سوف يرميني البعض بالعنصرية والتعصب، فالبرنامج اليهودي توعد بهذا، توعد برمي كل من يقامونه بالشعارات والعزلة، لكي ينساح وحده في الأرض بلا حواجز، فاليهودي المتعصب تقدمي وسيد للعالم جدير بالسيادة، أما المسلم المتمسك بدينه الواعي بحقائق التاريخ فهو رجعي متخلف جدير بالعزلة والمقاومة، هكذا قالت سطور البرنامج.
وبعد ذلك تأتي كلمات القرآن لتحل المشكلة، يأتي القرآن المعجز، ليطرح هذه القضية كلها قضية اليهود والإسلام ليحكي ما سيكون وليضع الحل الوحيد، ليقول عن اليهود ﴿وَقَضَيْنَا إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ (سورة الإسراء: 4)
ويتحدث عن المرة الثانية، الإفساد اليهودي العالمي الثاني فيقول:
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أولَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ (سورة الإسراء: 7)
ثم يضع الحقيقة التي تؤكد أنه كلما عاد اليهود إلى الإفساد بعث الله من عباده من ينهـي فسادهم ويرفع راية العدل والحق.
﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أن يَرْحَمَكُمْ ۚ وَأن عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ (سورة الإسراء: 8)
﴿إن هَٰذَا الْقُرْآن يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (سورة الإسراء: 9)
فهل تعقلون؟!
أعنى هل تريدون مقاومة اليهود حقًا؟!
«1» إن الحرية المستغلة للتخريب والهدم والتي تنزع من الإنسان حرية ضميره وعقله لتعوضه بحرية الغرائز ونشاط الفساد، أما الحرية الحقيقية فلا خطر منها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل