العنوان حزب الرفاه يحتفل بذكر فتح إسطنبول
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1995
مشاهدات 75
نشر في العدد 1153
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 13-يونيو-1995
العلمانيون يحاولون الرقص في أيا صوفيا وأربكان يتوعدهم
إسطنبول: محمد العباسي
احتفل الشعب التركي يوم ۲۸ مايو الماضي بالذكرى الـ ٥٤٢ لفتح إسطنبول والذي كان بمثابة انهيار الإمبراطورية البيزنطية المسيحية، مما كان له من تأثيرات سياسية واجتماعية واقتصادية آنذاك عادت بإيجابيات لا يمكن عدها للدولة الإسلامية.
وعلى الرغم من عدم تنظيم احتفالات رسمية من قبل الدولة بتلك الذكرى الخالدة؛ إلا أن حزب الرفاه الإسلامي وبعض الجمعيات ذات التوجه الإسلامي والقومي، وكذلك بعض محطات التلفاز علاوة على البلدية العامة لإسطنبول أحيت تلك الذكرى العطرة في محاولة من جانبها لشحن الجماهير بطاقة تاريخية مهملة، في محاولة لإعادة الثقة إليها بهدف العودة إلى الذات وبداية طريق الرقي من جديد.
وبالطبع حاولت العناصر العلمانية تلويث تلك الذكرى من خلال الضغط لإجراء مسرحيات راقصة وغنائية ماجنة تحت اسم «نرسيس» داخل جامع «أيا صوفيا» الذي تحول في عهد عصمت إينونو إلى متحف، إلا أن تصميم الإسلاميين على منع حدوث ذلك؛ أدى إلى تراجع أرجان قره قاش - وزير الثقافة من جناح حزب الشعب الجمهوري عن قراره بالسماح بعمل المسرحية داخل الجامع، وسمح بعملها في حديقته، وتم تأجيل ذلك القرار إلى أسبوع لاحق، إلا أن المسلمين تجمعوا في مظاهرة غاضبة يوم 27/5/1995م ومنعوا عرض المسرحية، وطالبوا بفتح الجامع للصلاة، إلا أن قوات الأمن رفضت ذلك رغم أن الصلاة كانت تجرى في أيا صوفيا منذ عام الفتح ١٤٥٣م إلى عام ١٩٣٥م، والذي تم إغلاقه بصفة مؤقتة لعمل ترميمات لم تنته منذ ٥٠ عامًا، وإن كانت هناك بنود سرية في معاهدة لوزان عام ١٩٢٤ حول إغلاق الجامع الذي تصر اليونان على تحويله إلى كنيسة مرة أخرى وإقامة فاتيكان أرثوذوكس فيها، وهو الأمر الذي تسعى أثينا إليه بشكل جدي منذ أكثر من 5 سنوات، ولولا خشية الأمن من تطورات الموقف لتم عرض المسرحية في أيا صوفيا من الداخل أو في حديقتها ..
التوظيف السياسي
وعمومًا فإن إسطنبول تمثل أهمية سياسية مثل أهميتها التاريخية، ولذلك لا تترك الأحزاب التركية أية فرصة دون استغلالها، فعندما أعلن نجم الدين أربكان - زعيم حزب الرفاه الإسلامي - قبل انتخابات مارس ١٩٩٤م المحلية أن الرفاه سيعيد فتح إسطنبول، وهو ما حدث عندما فاز الرفاه برئاسة بلديتها الكبرى أعلنت تانسو تشيللر - رئيسة الوزراء- قائلة: إسطنبول لنا، وحاولت بشتى الطرق الفوز بها، وعندما فشلت في ذلك انتزعت بعض من سلطات رئيس بلديتها.. وتردد حاليًا قائلة: نحن مسلمون قبل حزب الرفاه وسنظل كذلك.
ولم ينس أربكان التذكير بارتباط الرفاه بمحمد الفاتح، فقال يوم 20/5/1995م: إن الفاتح كان من الرفاه ومن أنصار النظام العادل، مشيرًا إلى أن الرفاه أسس وأقام مدينة عظمى منذ أكثر من ألف سنة، وأنه سيعيد الكرة من جديد، وهو الذي سيؤسس النظام العالمي الجديد، وهو ما لم تستطع تشيللر قوله.
وفي يوم 28/5/1995م قال أربكان أمام مجلس إدارة حزب الرفاه: نحن نعود حاليًا لأصلنا؛ لأننا كنا في الأصل «رفاهيين»، نسبة إلى حزب الرفاه وتساءل قائلًا: هل كان محمد الفاتح يساري أو ماسوني؟ بالطبع لا، لم يكن ذلك أو ذاك كان رفاهيًّا، بالأمس أقمنا تمثالًا للسلطان الفاتح في سينجان، ها هو الرفاه يعيد أنقرة لذاتها، وأكد أن الـ ٦٥ مليون تركي سيتجمعون تحت علم الرفاه مشيرًا إلى أنه سيفوز في الانتخابات المقبلة، وأضاف بأنهم لن يدخلوا الوحدة الجمركية، مؤكدًا بأنهم سيقيمون عالمًا جديدًا، وسيعيدون إقامة الوحدة الإسلامية من جديد.
مهرجان الفتح
وفي يوم 29/5/1995م نظم الرفاه مهرجانًا ضخمًا في إستاد «إينونو» بإسطنبول حضره أكثر من مائة ألف مواطن رغم أن سعة الإستاد ٣٥ ألفًا، وحضر ضيوف من العديد من الدول الإسلامية في تظاهرة أعادت لإسطنبول البعض من هيبتها القديمة، وأعادت وهج الحلم للجماهير التي كانت تبكي فرحة، وهي تشاهد العرض الذي مثل عملية فتح إسطنبول وسط أعلام ورايات خضراء مكتوب عليها بالعربية الشهادة.
وأعلن أربكان في كلمته أمام المهرجان «أن من يحاول استعمال أيا صوفيا غير كونه جامعًا طبقًا لوصية محمد الفاتح سينال لعنة الله»، وأنه لن يسمح للنساء العاريات بالرقص في الجامع، وذلك في رده على محاولة حزب الشعب الجمهوري اليساري العلماني ممثلًا في وزير الثقافة عمل مسرحيات راقصة في أيا صوفيا من خلال مهرجان المسرح، والذي يصادف ذكرى فتح إسطنبول في محاولة لاستثارة مشاعر الشعب التركي الذي تصدى لذلك الأمر بقوة وسط صمت حكومي، ومعارضة بعض أحزاب المعارضة مثل حزب الوحدة الكبير الذى هاجم ذلك التصرف، وتم ترك الأمر لتقدير الأمن، ولم يسمح صوت تشيللر في تلك المحاولة.
موقف الوطن الأم
أما حزب الوطن الأم الذي أيد مشروع قانون إعطاء إذن لصلاة الجمعة، واقترح أحد نوابه بدء أعمال مجلس الشعب التركي بالدعاء، وهو ما تم رفضه، فلم يستطع سماع اقتراح بأن تكون إسطنبول عاصمة لتركيا، ففي البرنامج التلفزيوني مجلس الشعب الذي يقدمه كل يوم «أحد» الدكتور «ميم كمال أوكه» على الهواء مباشرة، وكان يوافق 27/5 وتمت دعوتي فيه مع مجموعة من أساتذة التاريخ وممثلي البلديات ونائب من حزب الوطن الأم وعدد من الكتاب وكذلك وإلى إسطنبول، لم يستطع نائب الوطن الأم الاستماع إلى اقتراحي الخاص بأن أفضل عمل لإعادة فتح إسطنبول سيكون في إعادتها عاصمة لتركيا. فانتفض قائلًا: بأن ذلك مخالف للدستور، فقلت له، إن الدستور ليس قرآنًا، كما أنه يتم حاليًا تغيير بعض المواد الدستورية، فقال: إن ذلك الأمر مستحيل.
وبالطبع الاستحالة ترجع إلى أن أنقرة كانت العاصمة التي اختارها مصطفى كمال أتاتورك عاصمة لتركيا العلمانية، كما أن الدستور التركي ينص على أن أنقرة عاصمة أبدية لتركيا، وأنه لا يمكن تغييرها مثلها مثل النظام العلماني.
ولا يمكن إنكار مخاطر بقاء إسطنبول كمدينة تركية فقط؛ خاصة في ظل المحاولات الغربية لإقامة فاتيكان أرثوذوكس فيها، ودعوة القوميين اليونانيين بجعل إسطنبول أو القسطنطينية على حد قولهم عاصمة لليونان من جديد، فإعادة إسطنبول عاصمة لتركيا سيحميها من المؤامرات الخارجية، وسيعيد إلى تركيا هيبتها التاريخية الإسلامية، ويسقط كذلك المبررات الغربية في رفض دخول تركيا الوحدة الأوروبية؛ إذ إنها تربض في آسيا وعاصمتها هناك، ولا يوجد جزء منها في أوروبا سوى إسطنبول وأدرنة، ولكن كل ذلك يصطدم بمخاوف العلمانيين بسقوط العلمانية الأتاتوركية إذا تم ذلك، ولذلك فإن كل الساسة الأتراك يوظفون إسطنبول في الدعايات السياسية التي لا تمس الأتاتوركية فقط .