; الانتخابات الرئاسية الفرنسية.. مسلمو فرنسا ما زالوا يدفعون ضريبة الحسابات الضيقة! | مجلة المجتمع

العنوان الانتخابات الرئاسية الفرنسية.. مسلمو فرنسا ما زالوا يدفعون ضريبة الحسابات الضيقة!

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الجمعة 11-مايو-2012

مشاهدات 70

نشر في العدد 2001

نشر في الصفحة 38

الجمعة 11-مايو-2012

أصبح من المعتاد في فرنسا أن يتحول المسلمون إلى كبش المحرقة في كل معركة انتخابية حاسمة، ولعل المحطة الانتخابية الرئاسية الحالية لسنة ٢٠١٢م كانت الأشد وقعًا على هذه الأقلية الكبرى في المجتمع الفرنسي، التي يتراوح تعداد أفرادها من ٥ إلى 6 ملايين، حسب الإحصاءات الرسمية، إلى ضعف ذلك، حسب المراكز والمؤسسات الإسلامية، ما بين وافد ومواطن أصيل في هذا البلد.

الجديد في الرئاسيات الحالية هو شدة التنافس بين قطبي الخارطة السياسية التقليديين في فرنسا وهما اليمين واليسار والتقارب الكبير في موازين القوى بينهما، لذلك فإن كل طرف عمل على كسب أكثر ما يمكن من الأصوات كل حسب إستراتيجيته.. لكن المتأمل في المشهد السياسي في المرحلة الأخيرة يلاحظ اختلافًا بينًا بين الهامش المفتوح في اللعبة السياسية لكل من الرئيس «ساركوزي» المرشح الرئيس لليمين وخصمه «فرانسوا هولاند»، المرشح الرئيس لليسار، فالأول يتحرك في أرض كلها ألغام بفعل سياساته على رأس السلطة، وبفعل ظروف خارجية إقليمية ودولية أهمها الأزمة المالية والاقتصادية العالمية.. والثاني يتحرك بأكثر أريحية؛ لسبب بسيط هو أنه في موقع المعارضة في الضفة المقابلة بعيدًا عن تقلبات القرار السياسي في ظل الممارسة الفعلية للحكم، علاوة على كون «ساركوزي» تلاحقه قضايا وفضائح فساد سياسي ورشوة لم يتمكن القضاء من فك رموزها إلى اليوم.

وقد وجد في مسلمي فرنسا الحلقة الأضعف من حيث الوزن الانتخابي، فدخل في مزايدات مع تصريحات «مارين لوبان» زعيمة حزب الجبهة الوطنية، المعادية لمظاهر الالتزام الإسلامي، وكانت «لوبان» قد أثارت بطريقة استفزازية مسائل تتعلق بالشعائر التعبدية الإسلامية للتخويف من انتشار الإسلام بما يهدد هوية المجتمع المسيحية في نظرها، فتحدثت منتقدة انتشار استهلاك اللحم الحلال إلى حد أصبح الفرنسيون غير المسلمين يستهلكونه وتحدثت عن انتشار الحجاب والمساجد إلى حد اضطرار المصلين للصلاة على قارعة الطريق يوم الجمعة خارج المساجد، واعتبرت ذلك احتلالا أجنبيا شبهته بالاحتلال النازي لفرنسا.

وجاء «ساركوزي» لينتقد من يطالبون بتقديم وجبات اللحم الحلال في مطاعم المدارس التي يدرس بها أبناء المسلمين، وقام بصورة مفاجئة بمنع حضور بعض العلماء المسلمين وعلى رأسهم الشيخ يوسف القرضاوي، من المشاركة في الملتقى السنوي التاسع والعشرين لمسلمي فرنسا «حضره ١٦٠ ألف شخص في بداية أبريل الماضي»، الذي تنظمه أكبر منظمة إسلامية في فرنسا «اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا - ٣٠٠ جمعية».

وقد استغرب الرأي العام المسلم، بل الفرنسي، موقف «ساركوزي» المفاجئ، والكل يعلم أنه تقرّب كثيرًا من هذه المنظمة الإسلامية عندما كان وزيرا للداخلية، ودافع بنفسه عنها، وأبعد عنها كل شبهة تطرف وإرهاب.

أمام هذه التقلبات السياسية، زاد وعي المسلمين بأهمية المشاركة بالصوت الانتخابي؛ للتصدي لحالة التوظيف السياسي للإسلام في كل مناسبة انتخابية.

وتزيد حيرة المسلمين الملتزمين في الاختيار بسبب الشعور بوجود مواطن التقاء واختلاف مع كل من اليمين واليسار، فهناك تقارب مع اليمين في مسائل القيم الاجتماعية والأسرية، يقابله اختلاف مع طرح «ساركوزي» في المرحلة الأخيرة من الحملة الانتخابية المجامل لأقصى اليمين والمتهجم على الرموز الإسلامية، والمشجع للأطروحات العنصرية.. في المقابل، هناك التقاء مع اليسار في توجهاته وأطروحاته نحو إقامة عدالة اجتماعية، ومعاملة باحترام لكل مكونات المجتمع، يقابله اختلاف على مستوى القيم الدينية؛ حيث لا يعتبرها اليسار من أولوياته، بل توجد شرائح داخله تشجع وتدافع عن الشذوذ وغيرها من المظاهر التي تتناقض مع الفطرة، الأمر الذي يجعل العديد من المسلمين الملتزمين في موقف حرج عند التصويت لحزب يساري.

وأمام هذا الوضع، يبدو بحسب المراقبين والمطلعين على شأن الأقلية العربية المسلمة في فرنسا، أن نسبة كبرى من المنتمين لهذه الأقلية مالت للتصويت لـ«جون ليك ميلانشون»، رئيس حزب جبهة اليسار، و«فرانسوا بايرو»، رئيس حزب الوسط؛ لأن الأول اتخذ مواقف ذات خلفية أيديولوجية يسارية داعية للتصدي لمشاعر الكراهية ضد المسلمين واليهود واعتمد الثاني ذو الاتجاهات المسيحية خطابا يقوم على التجميع بدل التفريق، لكن انطلاقاً من خلفية أيديولوجية يمينية، كما يبدو أن الكفة رجحت أكثر للمرشح اليساري لوجود شعور عام بالغين والتهميش والتوظيف لمصالح انتخابية سياسية ضيقة من اليمين الحاكم.

 وفي انتظار الجولة الثانية الحاسمة للانتخابات الرئاسية الفرنسية «يوم ٦ مايو الجاري»، فإن المرشحين الرئيسين «ساركوزي» و«هولاند» يتنافسان أشد المنافسة على كسب أكثر الأصوات.

الرابط المختصر :