العنوان حروف على رقعة الشطرنج: قُصَّاص الصحافة!
الكاتب الأستاذ أنور الجندي
تاريخ النشر الثلاثاء 03-مايو-1988
مشاهدات 96
نشر في العدد 865
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 03-مايو-1988
▪
متابعات
الطابع الواضح
الآن أن القصة التي يكتبها من اسمهم قُصَّاص الصحافة - أصحاب الحواديت والفضائح
والغراميات، والسنوات الأولى في الحب والجنس - لا تعبر عن شيء ما، وهي عبارة عن
مؤامرة لقتل وقت الناس والقضاء على الثقافة الأصيلة، ذلك أن الوقت الذي يقضيه
القارئ في قراءة قصة خيالية قدمها كاتب ما، وجرى بها وراء الخيال، وصنع منها في
أربعمائة صفحة حكاية طويلة، لا تخرج منها بشيء ما. هذا الوقت لو أنفقه القارئ في
قراءة كتاب من كتب المقالات الأدبية لخرج بأكثر من خمسين فكرة في مجالات مختلفة عن
المجتمع، والفن، والرحلة، والتراجم، والحكمة، تضيف إليه خبرة واسعة، وتفتح له آفاق
فهم الحياة فهمًا صحيحًا.
▪ التيارات
الخطرة
وقد أخضع كتاب
القصة أنفسهم لتيارات ثلاث خطيرة:
أحدهما تيار
ماركس، والآخر تيار فرويد، والثالث تيار سارتر؛ فالأول تفسير اقتصادي يسيطر على
أمثال نجيب محفوظ، الذي تقول قصصه: إن سبب انحراف المرأة هو خضوعها للظروف
المادية. والأول تفسير جنسي يسيطر على إحسان عبد القدوس ويوسف إدريس وغيرهما، وهما
يدفعان الفتاة إلى حمأة الإباحية تحت اسم الحرية.
ولقد سيطر كلا
المذهبين على كتاب القصة في الغرب، وعنهما نقل قصاصونا، وقد سيطر مفهوم الوجودية
على الروايات والكتب التي يكتبها سارتر إلى كهوف باريس الضيقة ومغانيها الفاجرة،
كما سيطر مفهوم الجنس الفرويدي على القصص والشعر.
وقد تمثلت في
المذهبين صور الضياع واليأس، والعدم والتمزق والغثيان الدائم، ومنه أخذ كتاب القصة
العرب، ولا ريب أن ماركس اليهودي وفرويد اليهودي وسارتر نصف اليهودي هم علامة على
سيطرة الصهيونية على الأدب الحديث.
وفي ميدان
المسرح ثبت أن معظم الفنانين البارزين كانوا في المحافل الماسونية، وهؤلاء هم
الذين حملوا المسرحية والقصة والرواية إلى الناس، وحققوا رسالة الماسونية في
الأداء بعد أن حققها الأولون في كتابة النص.
إن كتاب القصة
يدعون أنهم يمثلون واقعية الأدب، ونحن نتساءل: ماذا يفيد المجتمع من إعادة تصوير
ملامح فساده على نحو أكثر «فنية» وصناعة وإبرازًا تحت أضواء المسرح؟ ماذا يفيد
المجتمع من تصوير الواقع المرير أو السيء أو القبيح؟ ولماذا تعاد صياغته بصورة
فنية براقة إذا كان كريهًا؟ إن كل دعاة الأدب الحر يتحدثون عن تصوير الواقع:
يقول مورافيا:
نحن بعد الحرب تمزقنا وتهدمنا، وكان لا بد للأدب أن يصور ما أصاب الأرض والعلاقات
الاجتماعية.
واليوم يدافع
كتاب القصة عن إثمهم، وعن تكبيرهم للجريمة، وبراعتهم في وضعها في إطار براق يخطف
الأبصار؛ ليزداد المغرورون بها إعجابًا، وكان أولى بهم أن يقدموا علاجًا على نحو
لا يغري قارئ القصة بصور الفساد. والواقع أن مفهوم الفن - كما رسمه اليهود لهم -
يحول دون أن تكون القصة هي الحقيقة، فالفن قائم على الكذب والخداع والتمويه،
وإدخال أهواء النفس في نفس الكاتب حتى يصور شيئًا آخر غير الحقيقة.
▪ الدعوى
والثقافة
ومع هذه الدعوى
الباطلة في حرية كاتب القصة في مخالفة الواقع، ومخالفة حقائق التاريخ، فإن كتاب
القصة ليسوا على قدر وافر من الخبرة الثقافية الأصيلة، وسذاجتهم واضحة في ما
يقدمونه من مفاهيم لتجارب الأمم وفلسفة الحياة، ومن هنا فإن هذه القصة مضادة
للفطرة وللعلم، وللصدق ولواقع الحياة؛ ولذلك فهي لا بد أن تسقط؛ لأنها تخالف روح
الأدب العربي وأصالته، وفطرته التي تقوم على الحقيقة الخالصة، وستحيا فنون أخرى
مثل المذكرات والرسائل والرحلات.
وقد سجل
الباحثون أن جيل الستينات شهد وباءً اسمه القصة القصيرة، حتى وصل عدد كتابها إلى
المئات، وقال أحدهم: «إنه وصل الأمر أني كنت أخاف أن أزيح حجرًا من الطريق، خشية
أن أجد تحته من يصرخ في وجهي بأنه قصاص»، ولكن هذه المحافل سرعان ما تناقصت إما
لضعف الموهبة، أو بفعل اليأس.
وقد تبين الآن
بما لا يدع مجالًا للشك أن القصة بدأت تسقط، وأن المذكرات الخاصة واليوميات قد
اكتسحتها؛ لأنها من الواقع، بينما القصة من الصناعة الخيالية، التي مهما قيل في
أنها تستمد من المجتمع فإنها لا تستطيع إلا أن تكون هوى فرديًا لصاحبها، وإفرازًا
لرغبات مكبوتة، وأهدافًا صالحة إلى الظهور. ومع ذلك فهي تعجز عن أن تقدم صورة
الحياة الحقيقية؛ لأنها محصورة في حيز ضيق من مجتمع وعصر.
▪ العمل الموقوت
وما تزال القصة
عملًا موقوتًا، وليس أصيلًا أو ثابتًا؛ لأنها ترتبط بأهواء الناشرين والإذاعات
والمسارح؛ ولأنها لا تمثل مفهومًا أصيلًا ولا عميقًا للمجتمع، أو تستهدف حل مشكلة
من مشاكل الناس. ويقال: إن هناك 30 ألف قصاص تستهلكهم الأجهزة الحديثة هم تجار
الكلمة بكل معناها، والتابعين لأهواء المنتجين الذين يدفعون، والمخرجين الذين
يصنعون ما يريده السوق، أو تحتويه أهداف أبعد، وليست الرواية أكثر من وسيلة
للتسلية وإزجاء الفراغ، قد استخدمت استخدامًا سيئًا في تدمير القيم الأخلاقية
والدينية والاجتماعية بما حملت من صور الجنس والإباحة والكشف.
وإذا كان الشعر
- في عهود أصالته - قد استطاع أن يؤرخ الأحداث؛ فإن القصة لن تستطيع؛ لأنها ليست
لها الأصالة القادرة على ذلك؛ ولأنها من صنع الأقلام التي تستمد مادتها من أهواء
الحياة ومطامعها، وليست من الواقع الأصيل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل