; «مرايا» نجيب محفوظ.. في مرآة النقد والتقويم ! | مجلة المجتمع

العنوان «مرايا» نجيب محفوظ.. في مرآة النقد والتقويم !

الكاتب محمد عبد الفتاح

تاريخ النشر الثلاثاء 22-مايو-1973

مشاهدات 121

نشر في العدد 151

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 22-مايو-1973

* هذا الشباب الذي تسخر منه.. حصاد ما زرعتم.. أليس كذلك؟

المرايا من الأعمال الأخيرة للروائي المعروف نجيب محفوظ.. كتبت عام 1972م، بعد خمس سنوات من النكسة، وهي ليست قصة أو رواية ولكنها انطباعات الكاتب عن مجموعة من الشخصيات هم زملاء عمل أو أصدقاء طفولة أو رفقاء فكر.. والكاتب جعل نفسه مرايا لـ54 شخصية مختلفة ومتباينة، منهم من أدركه الموت، وآخرون ما زالوا يمارسون حياتهم.. وبالطبع تعرض لمجموعة قريبة من الشخصيات من رجال فكر وقانون وسلطة وفنون.. رجل وسبط فاحشة، وآخر حشاش وبلطجي وشاذ وزانية.. ومستهترة.. ومخبول.. ونهاز للفرص ولص ووصولي وشيوعي ساذج ووفدي مُتلون، وشباب ضائع فارغ، ورجل «إخوان» يتحول إلى درويش..

ومن خلال هذه المجموعة من الشخصيات غير السوية أراد نجيب أن يقول هذه هي مصر وأجيال مصر في الماضي والحاضر.. أراد أن يضع القارئ أمام علامة استفهام كبيرة وحالة مروعة من الاستخفاف والنفور تنتهي بحالة أكيدة من اليأس وفقد الأمل..

هذه هي مصر وأبناؤها من خلال مرايا نجيب.. جيل قديم نهاز للفرص وجيل حاضر يطوقه الخواء والتيه.

ولتأكيد هذا المعنى كان الكاتب حريصًا على أن يتعرض لآراء كل شخصياته في نكسة مصر عام 67.. فهذا في عينه الشماتة.. وذاك يملأه الفرح.. وآخر يتمتم بحكم وآراء زعماء الوفد.. ومنهم من أصيب بالجنون أو الدروشة أو التصوف أو الخبل، ومنهم من قال (شخصية عباس فوزي) هل ثمة فارق حقًا بين أن يحكمك الإنجليز أو اليهود أو المصريون؟

وربما حاول نجيب محفوظ أن يقول ما يدور في نفسه ولكن من خلال شخصياته المختلفة طبعًا، من الرمز أو التستر وراء بعض الصفات.. والأمثلة على ذلك كثيرة.

ففي شخصية «رضا حمادة» الرجل الوفدي الكبير (كان نجيب من الوفد) الذي كان يجالس مصطفى النحاس زعيم الوفد يعبر نجيب عن خيبة أمل هذا الوفدي: «ولما سارت الثورة في طريقها المرسوم أمل (رضا حمادة) أن تتخذ من جماهير الوفد قاعدة لها حتى إذا صدر قرار حل الأحزاب تقوضت آماله، وقال لي: نحن مقبلون على حكم عسكري لن يعرف مداه إلا الله..».

وعلى لسان شخصية أخرى هي عيد منصور يكتب نجيب: «فقال عيد منصور: لا يوجد إنسان شريف.. وتساءلت: ماذا عن دور الدين؟! ويجيب عيد منصور: لن نتمسك بالأخلاق ما دامت تقود إلى الفشل.. وعاشت تلك المشكلة معي أعوامًا وأعوامًا».

وباسم «زهير كامل» الأستاذ الجامعي الذي بهر الكاتب من أول لقاء والذي فاز بأغلبية ساحقة كعضو للوفد في إحدى دوائر القاهرة.. يكتب نجيب: «ولما أعلنت ثورة يوليو من سياستها الاشتراكية نتوثب بهمته المعروفة لدراسة الاشتراكية ليؤيدها عن علم، وفي أعوام قلائل متتابعة ترجم أربعة كتب عن الاشتراكية، ثم أصدر في النهاية مؤلفه المعروف «اشتراكية هذا الوطن»، وقد سألته -متضاحكًا: كيف انقلبت اشتراكيًا بهذه السرعة الجنونية؟ فأجابني -ضاحكًا أيضًا: الناس على دين أوطانهم.. أتعتقد أنهم يصدقونك؟! لم يعد أحد يصدق أحدًا.. ثم اجتاحته موجة من الضحك وقال: يتساءلون كثيرًا عن سر ازدهار المسرح، أتدري ما سر ذلك؟ السر أننا صرنا جميعًا ممثلين».

ويجري الكاتب كلامًا على لسان «سالم جبر» عن إلغاء النظام الملكي في مصر فيقول: «ذهب الملك وحل محله عدد غير محدود من الملوك»!

إن مرايا نجيب محفوظ لم تكن صادقة معبرة عن مصر ومجتمع مصر وإن كان ثمة جهد واضح في محاولة الصدق والتعبير عن الشخصيات.. وربما كان فشل الكاتب ناتجًا عن أحد احتمالين أولهما: أن فاقد الشيء لا يعطيه.. والآخر: أن زجاج المرايا كان رديئًا أو أنه من المرايا المضحكة التي تشوه واقع صاحبها.. وللاستدلال على ذلك نقول: إن نجيب محفوظ يحتاج هو إلى مرايا صادقة جيدة المادة والصنع يرى فيها نفسه أولًا..

فنجيب بدأ حياته مترجمًا لبعض الكتب مثل «مصر القديمة» ثم بدأ بتأليف القصص التاريخية مثل «رادوبيس» و«كفاح طيبة» وذلك في الأربعينيات حيث كان وطنيًا يبحث في التاريخ وفي التراث.. ثم بعد ذلك اشترك في كثير من سيناريو أفلام حسن الإمام ومساعدًا للسيناريست محمد مصطفى سامي.. وأفلام حسن الإمام ليست في حاجة إلى شرح فهي أفلام جمهور «الترسو والشباك».. جنس.. وخمر.. وابتذال.. ثم أخرج قمم أعماله وهي الثلاثية «بين القصرين» و«قصر الشوق» و«السكرية»، ولا يستطيع أحد أن ينكر كيف عبر نجيب محفوظ عن مفهوم النضال والوطنية لدى الشعب المصري وفيما يكاد يكون المؤرخ الروائي لهذه الفترة من تاريخ مصر.. وبعد الثورة انضم نجيب ليكون أحد أسس الإعلام في الثورة فهو رئيس ومستشار مؤسسة السينما والقطاع العام بها.. ومن خلال هذا القطاع الذي يرأسه نجيب في مصر أخذ شباب مصر الحالي الفكر والثقافة والضياع والفراغ..

تعلم الشباب من فكر نجيب محفوظ - تمجيد غزو اليمن في قصة ثلاثة أيام في اليمن.. ففي رسالته المذيلة في آخر القصة يقول للشاب الجندي المصري: «أخي العزيز، كم وددت أن أودعك قبل الرحيل، أذكرك بالحب والإكبار وأنا على وشك العودة إلى أرض الوطن. ستعود إليه ذات يوم منتصرًا راضيًا بإذن الله.. أهنأ الآن فإنك تحارب في سبيل قضية عادلة.. قضية التقدم للإنسان العربي، ومهما تكن العوائق ومهما تكن العواقب فإنك بذرت في الأرض بذرة من طبيعتها النمو والإزهار.. استودعك الله وإلى اللقاء.. المخلص».

هذا هو قلم نجيب محفوظ ومفهوم قضية التقدم للإنسان العربي وفي هذه المرايا يستشعر الاشمئزاز من الشاب صبري حمادة.. وهو يجيب على الأسئلة:

«ما موقفكم من الدين؟ يجيب الشاب: لا أحد يهتم به!!

لم تتلقون العلم في المدارس؟

يجيب الشاب: لعله خير من أن نتصعلك في الشوارع، ولكي نحصل على وظيفة توفر لنا الحياة السعيدة.

وما الحياة السعيدة؟

هي السكن والمأكل اللذيذ والملبس الأنيق وغير ذلك من مسرات الحياة.

ألا تقرؤون الكتب في أوقات الفراغ؟

نفضل السينما والإذاعة والتلفزيون.

ماذا تفضلون الاشتراكية أم الرأسمالية؟

لا تهمنا الأسماء.

ألديك نظام جديد؟

كلا».

وبعد هذا الحوار مع الشاب تقول مرايا نجيب: «وغادرنا العمارة، وصدري يجيش بانفعال عاصف».

وعلى نجيب أن يسأل نفسه ما الموقف الذي وقفه لمصر أو مع مصر أو حتى ليقنع من خلفه من مثقفين بمصر بدورهم؟ برغم كل ما حدث في مصر.. فإن كثيرًا من كتاب مصر اتخذوا مواقف مختلفة نسبيًا من السلطة أو النظام.. فكري أباظة.. قال كلمة مرة وبرغم تراجعه فيها فلا ينسى له ذلك.

إحسان عبد القدوس.. ضُرب.. واعتقل.. وترك السياسة.

ربما عاد في ثوب آخر.. ولكنه اتخذ موقفًا في يوم ما.

أنيس منصور قال وكتب ووقف مع الطلبة.

وكثير من الكتاب وقفوا مواقف فيها نبض شعبي أصيل.

أما نجيب محفوظ.. هادئ.. سلس.. ناعم.. مرن.. رامز.. صديق السلطة دائمًا وأبدًا.. وأخيرًا: متأفف من شعب مصر.

ثانيًا: لماذا تعرض نجيب لهذه المجموعة من الأشخاص الفاقدة للمبادئ والقيم؟

بعض هذه الشخصيات كان متعجبًا مذهولًا من قيمها ثم فجأة يعمل على تحطيم هذه الشخصية بالانتهازية أو الخبل.. لماذا هذه الشخصيات؟ هل يغيب عن نجيب محفوظ أن مصر بها شرفاء.. ورجال قيم ومبادئ، أم أن هذا هو واقع كاتبنا.. وهذه المجموعة هي كل ما يعرف وما يصادق ويزامل؟!

ثم لماذا اللجوء إلى الرمز؟ هل اللغة الواضحة عند نجيب صعبة إلى هذا الحد؟ أم إنه يخشى منع النشر؟ إن كتابًا واحدًا ممنوعًا من النشر لأفضل كثيرًا من عشرات تجاز وتنشر لنجيب محفوظ.. وماذا فعلت رموزه في الميرامار.. والثرثرة؟

ربما تكون أضرت أكثر مما أفادت.. لأنها امتصت مشاعر الجماهير في النقد.

ومن خلالها تخيلت الجماهير أن نجيب محفوظ قال ما تتمنى أن تقوله هي.. ولماذا يحاول أن يظهر أن هناك فئات قد أظهرت الشماتة في نكسة مصر 67.

لا ينكر أحد أن هناك كثيرين من رجال مصر قالوا كلمتهم قبل النكسة وعانوا من السلطة نتيجة لهذا الرأي أو الفكر.. وبعد النكسة شعر هؤلاء أن توقعاتهم قد أصابت وهذا يمنح شيئًا من الإحساس بالذات.. أما إنه يفسر على أنه شماتة وسيادة.. فهذه صفات لا تشرف شعبًا ولكنها ربما تكون صفات السكارى والمنافقين.

ثم هذا الشباب الذي فقد كل شيء.. والذي اشترك بالاشمئزاز.. أليس هو حصيلة ما قدمتم من فكر؟ أليس هو حصاد ما زرعتم؟ وثمرة ما بذرتم من حبوب السكوت والسلبية والرمز؟

يا ليت هذا الشباب يرى قدوة؟ وكيف تأتي القدوة من أناس لا يملكون العطاء؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 18

147

الثلاثاء 14-يوليو-1970

الفكر في الصليبخات

نشر في العدد 2101

993

الثلاثاء 01-نوفمبر-2016

شيء من الترويح!