العنوان حروف على رقعة الشطرنج: خطورة مناهج التعليم الوافدة
الكاتب الأستاذ أنور الجندي
تاريخ النشر الثلاثاء 13-سبتمبر-1988
مشاهدات 74
نشر في العدد 882
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 13-سبتمبر-1988
إن أخطر ما أوتينا من قبله هو التعليم، فقد أعلت التبعية لمناهج التعليم الغربي من شأن الاتجاهات الإقليمية (الفرعونية في مصر والفنيقية في الشام) على نحو يصور هذه الأقطار الإسلامية وقد عادت إلى ما قبل الإسلام وقد نفضت عنها ثوبها الإسلامي الذي تسربلت به أربعة عشر قرنًا، وهذا اللون ما زال يلح عليه التغريبيون من وراء دعاوى ومسرحيات وحلقات فكاهية وأشياء متعددة وكأنه يوحي بأنه دعاية للسياحة أو غيرها.
كذلك فقد ركزت هذه المناهج على مفاهيم الفلسفة الغربية ومناهج المذاهب الغربية وخاصة العلوم الإنسانية والاجتماعية (النفس والأخلاق والتربية) وحاولت أن تقدم مفاهيم غربية واحدة في دراسات التاريخ واللغة فضلًا عن الاقتصاد والسياسة وجاءت محاولة إحياء الفلسفات القديمة وإثارة الخلافات التي وقعت بين المسلمين (المعتزلة والخوارج والباطنية).
وهناك مخطط احتواء أبناء الطبقة الراقية والثرية باعتبارهم أقرب الناس إلى مراكز الصدارة والقيادة في المستقبل، وهناك تركيز شديد على المرأة بالذات وتقوم المدارس الأجنبية ومدارس اللغات وما يسمى مدارس المستوى الرفيع بهذا العمل؛ حيث يجري التركيز أساسًا على اللغات الأجنبية التي تنتمي إليها المدرسة بهدف إضعاف اللغة القومية.
ومن أبرز أهداف المراكز الأجنبية: التبشير الديني الذي أصبح الآن مقنعًا ومتخفيًا وراء المناهج الثقافية والترفيهية والمسرحيات والفن بالذات حيث تلتزم بعض المدارس الأجنبية الحياد الديني وتترك الأمور مرسلة، هذا الحياد أخطر في حقيقته من العداء السافر للإسلام، فإن العداء السافر يدفع كل مسلم عادة إلى الدفاع عن دينه وهذا الحياد الظاهر الخادع يمكن من خلاله للمدرسة أن تدرس ما تشاء برفق، فضلًا عن أن المشرفين على هذه المدارس لا يتعرضون للإسلام ويهملونه كأنه معدوم، بينما هم يزاولون شعائر دينهم متعمدين أن يكون هذا علانية على أساس أنه دينهم ومن حقهم مزاولته؛ فالتلاميذ يرون ويسمعون طرفًا واحدًا هو دين المدرسة، أما الطرف الآخر (وهو دين الإسلام) فهو غير موجود على الإطلاق وقد عبّر عن أثر هذا أحد خريجي المدارس الأجنبية فقال: إننا عندما كبرنا أدركنا أن المدرسة غرست فينا بوسائل كثيرة شيئًا خطيرًا هو فقدان الشعور الجدي بالانتماء إلى أي دين؛ لأن (الحياد الديني) الذي تبديه المدارس الأجنبية هو خطة بالغة الذكاء تستهدف انتزاع أجيال كاملة من أبناء المسلمين من أحضان دينهم الإسلامي وسلخهم من انتمائهم النفسي والروحي إلى الإسلام (دكتور عبد الحليم حفني).
ولقد كان هذا التوجه الغريبي للتعليم أساسًا وركيزة للانبعاث إلى الغرب، حيث اختيرت العناصر ذات الإعجاب بالغرب والولاء له إلى مجال الدراسات هنالك حتى تعود لتشرف وتسيطر على مقدرات التعليم في بلادها وهي محملة بنظرية «ديوي» التي تقوم أساسًا على الفلسفة المادية فلا تعترف بالدين المنزل كلية ولا ترى أن هناك التزامًا أخلاقيًّا ولا ترى أن هناك ضرورة لفرض أي توجه عقدي أو ورحي أو قيمي على الأجيال الجديدة وتركها حرة في اختيار ما تشاء.
ولقد هاجمت اليقظة الإسلامية هذا الاتجاه التعليمي الغربي منذ اليوم الأول ودعت إلى تطبيق نهج إسلامي أصيل في بناء الأجيال الجديدة، ودعت إلى إعادة النظر في جميع مقررات ومناهج التعليم والتربية والثقافة في البلاد العربية والإسلامية لكي تنطلق من المرتكزات الآتية:
أولًا: الالتزام بشريعة الله سبحانه وتعالى في كل ما تقرر على الطلاب وذلك من خلال ترسيخ العلوم الإسلامية في كل سنوات الدراسة واستبعاد ما لا يتفق مع شريعة الإسلام.
ثانيًا: بناء العلاقة الجذرية بين البنية والحضارة؛ فالإسلام حين يدعو الناس إلى الإيمان بالله إنما يحثهم على استخدام وسائل المعرفة ليهتدوا إلى الحقيقة الأولى وهي الله تبارك وتعالى، وقد رسم الباحثون إطار المفهوم الإسلامي التربوي الذي جاء به القرآن أساسًا لبناء الإنسان المسلم بناء كاملًا وإقامة مجتمع الإيمان، وقد رسم الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المنهج وطبقه، وفق منهج محدد يربي العقل والروح والجسد وكون جيلًا من كبار الصحابة وكان أبرز ما ركز عليه الرسول: البسيط والتدرج من السهل إلى الصعب واتباع التهيئة النفسية والذهنية للمتعلمين وحذر من الإكراه.
هذا هو التميز الذي تقوم عليه النظرة الإسلامية: التي تجمع بين الجانب الإنساني للفرد وتعانق الجانب الروحي مع الجانب المادي، بينما اقتصرت النظرية الوضعية على الجانب المادي ولذلك جاءت قاصرة تمامًا عن غرس جوانب الفضيلة والمثل العليا في نفس الفرد، ونتيجة ذلك فإنها فشلت في تكوين المجتمع الفاضل والإنسان الكامل الشخصية (دكتورة أمينة أحمد حسين).
وإذا كانت نظرية التربية الغربية قد فشلت في مهدها فهي بالأولى قد حققت فشلًا ذريعًا في أفق المجتمع الإسلامي.
ولا ريب أن التجربة التي قامت بها المجتمعات الإسلامية في العقود الماضية في الاعتماد على معاهد التربية (التي تقوم على نظرية ديوي وعلى المغربين الذين صنعتهم هذه المناهج منذ عبد العزيز القوصي وإسماعيل القباني وطه حسين) قد انتهت إلى الفشل (سواء المنهج الفرنسي أو المنهج الأمريكي)، وأثبتت حصيلة التجربة العجز عن العطاء وأنها كانت بمثابة محاولة احتواء نقلت سوءات الفكر الغربي إلى أفق المجتمع الإسلامي دون تمييز أو إضاءة الطريق إلى معرفة الجيد منه والرديء.
فالتجربة كانت فاشلة ومضللة وأخطر ما فيها محاولة الاستمرار فيها الآن بعد أن تكشفت أخطارها وما يجري من محاولات لإحيائها من جديد في صور جديدة خادعة وعن طريق وجوه جديدة.
إننا نتطلع إلى أسلمة مناهج التعليم وإحياء المنهج التربوي الإسلامي على قاعدة أن ما يصلح للغرب لا يصلح لنا في جملته، وهذا يتطلب المراجعة الشاملة لفلسفة التعليم ومناهجه والتركيز بصفة خاصة على رفع مستوى اللغة العربية وتوسيع مفهوم التراث كعنصر من عناصر الثقافة ووضع خطة متكاملة لتقييم واختيار ما يصلح للترجمة والنشر من الإنتاج الفكري والعالمي بما يحقق هدف المنهج التربوي الإسلامي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل