العنوان هل يمكن لروح الفلاسفة أن تواجه دين الحق؟
الكاتب عبد اللطيف محمد برزق
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مايو-1984
مشاهدات 82
نشر في العدد 669
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 01-مايو-1984
طالعتنا إحدى الصحف في عددها الصادر يوم 14/4/1984م بمقالة ينبري فيها الدكتور عبد الله العمر للرد على ما سبق للأستاذ سالم البهنساوي أن كتبه في الصحف بشأن العلمانية ونادى فيه برد الأمر لصاحب الأمر في شأن التحاكم بين البشر... وهو القرآن الكريم والسنة المطهرة.
يرفض الدكتور هذا الفكر وهذا الفهم ويأوي إلى الفلسفة الغربية يلتقط منها ذخيرة مدبجة بتعبيرات وعناوين ليرمي بها شمس الإسلام الساطعة.. «يا حسرة على العباد» ... «إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه» ويدلل الدكتور على دعاواه بالحجج التالية... فهو يتساءل:
- كم من الناس يوافقون على دعوى أن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة هما المرجع الذي ينبغي أن ترد إليه الأمور...
- وكم من الناس من أبناء المسلمين أنفسهم يوافقون عليها؟
... وهنا نقول: متى كان الحكم السديد في قضايا العقيدة يتعلق بعدد الناس الذين يوافقون على تلك المبادئ أو يؤمنون بها؟ ولو كان الأمر كذلك لكانت الهندوسية -مثلًا- من أمثل المعتقدات الإنسانية -وهي على ما هي عليه من خرافات وتهاويم وعبادة للبقر والحجر- باعتبار أن معتنقيها يبلغون مئات الملايين...
أما عن تساؤله: كم من بين أبناء المسلمين أنفسهم يوافقون على تلك الدعوى... فإننا قبل أن نرد عليه نود أن نشكره على دقة الصياغة للعبارة السابقة حين قال: «أبناء المسلمين» ولم يقل «المسلمين» حيث يبدو أنه يعلم بالحكم الشرعي الذي يقطع بأن الإنسان لا يمكن أن يبقى مسلمًا إن رفض أن يكون صاحب الأمر كله هو صاحب التنزيل الحكيم وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.. فالمسلم ليس له الخيرة إذا قضى الله ورسوله أمرًا ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: 36). صدق الله العظيم.
ثم ينتقل إلى مدارس الفقه الإسلامي وإيهام القارئ بأن هناك تناقضًا بين اجتهاداتها وبين كون القرآن الكريم والسنة المطهرة هما الأساس وهما الحكم.
إن الأئمة الأعلام ومدارسهم الفقهية لم يعملوا ولم يجتهدوا إلا في إطار القرآن الكريم والسنة المطهرة ولم تستنبط الأحكام الشرعية إلا منهما ولم يتجاوز العلماء الأجلاء هذا الإطار قيد شعرة، فهم خير من يعلم أن القرآن الكريم فيه تبيان لكل شيء ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ (الأنعام: 38) ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 89) صدق الله العظيم.
ويستطرد متقدمًا نحو هدفه الذي سرعان ما يكشف عنه حين يدعو إلى اعتماد العقل في حل الإشكالات.
ولتمرير هذه المقولة- يعتقد بأن دعوته هذه «لا تعني التقليل من دور الدين في حياتنا الروحية.. أو من تصريف بعض شؤوننا المدنية» وبأنه أتى بهذه المقولة لأنه يستقرئ روح العصر من جهة، وبسبب الواقع المأساوي المتمثل في العداوات والحروب الجانبية الطاحنة «بيننا» من جهة ثانية.
إن افتعال معركة بين العقل والدين وزعم التناقض بينهما ليس جديدًا بل هو ترديد لأقوال فلاسفة الغرب الذين اصطدموا بالكنيسة... لكن الجديد أن يأتي الدكتور ويطبق ذلك على الإسلام رغم أن علاقة الإسلام بالعقل هي أوثق ما تكون، وفي القرآن الكريم نداء متكرر للناس... ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ (يس: 68) ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾ (النساء: 82) فالإسلام يكرم العقل فإن للعقل البشري حدودًا وله دائرة يعمل خلالها طليقًا من كل قيد... لكنه لا يوضع فوق الشريعة وأنى لمدارك البشر أن تصل إلى الحكمة البالغة في شرع الله.
فلا يمكن للعقل البشري أن يكون هو المرجع في الحدود التي أمر بها الله العزيز الحكيم، وكم من أجيال استبعدت أحكام الله فيما بينها واستبعدت الالتزام بحدود الله... لكن عاقبتها كانت وخيمة وكان ذلك وبالًا عليها... فالمجتمعات التي تهاونت في إقامة حد الزنى وحد السرقة -على سبيل المثال- لم تجن سوى الخراب والهلاك لأبنائها....
أما أن الدكتور قد نادى بمقولته لأنه يستقرئ روح العصر فإننا نعجب أشد العجب من هذا الفهم لروح العصر، ذلك أن روح العصر الحقة تدفع الإنسان السوي دفعًا إلى الإيمان... بعد أن ذاقت الأمم الغربية والشرقية العذاب الأصغر من الانفلات «الحضاري» حيث انهدم كيان الأسرة وضاعت الأخلاق وهلك الشباب بين المخدرات والفواحش..
لكن يبدو أنه لا يرى روح العصر إلا من خلال أصحاب الفلسفة الغربية ممن ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾ (الحج: 3) صدق الله العظيم.
ثم إننا نتساءل أخيرًا... ما الذي جعل الدكتور يلهث في تقديم البدائل للإسلام؟
كلمة أخيرة:
إننا ندعو الدكتور أن يعيد النظر فيما يردده ويتأمل ويتفكر كثيرًا قبل أن يسعى لتجريح شرع الله والتشكيك به... وأن يعي أن ما يقوله ليس إلا فقاعات أطلقها قبله كثيرون ممن غرتهم الفلسفة الغربية فارتضوا لأنفسهم التلقي الببغاوي عنها...
وندعوه -إن كان متعلقًا بالفلسفة وطرقها- أن يتبع سبيل فلاسفة اهتدوا إلى سواء السبيل وإلى الحقيقة العظمى فأمنوا بالله الواحد القهار- وآخرهم المفكر الفرنسي روجيه جارودي.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين