العنوان حرب اللغة العربية تستهدف القرآن الكريم (2 من 2)
الكاتب الأستاذ أنور الجندي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أكتوبر-1993
مشاهدات 36
نشر في العدد 1072
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 26-أكتوبر-1993
حرب اللغة العربية تستهدف القرآن الكريم (2 من 2)
بقلم الأستاذ/ أنور الجندي تحدث الكاتب في الحلقة الأولى عن المحاولات التي
جرت من قبل المستعمرين والمستشرقين والمبشرين وأذنابهم لطمس اللغة العربية ومحو
آثارها. وفي هذه الحلقة يتحدث عن تشجيعهم للغات الأجنبية وتعميمها لتكون بديلاً
للغة العربية الام.. وفي نفس الوقت أهمل الاستعمار اللغات الافريقية وحرمها من
التطور لتكون المعبر عن الحضارة الافريقية والتكنولوجيا العالمية، فقد دعم لغاته
وثقافته في أفريقيا حتى صارت هي النافذة الوحيدة التي يصل عن طريقها الأفريقي
بأخيه الأفريقي عبر القارة وأصبحت أفريقيا تقسم لغويًا وثقافيًا إلى أفريقيا
الناطقة بالإنجليزية وأفريقيا الناطقة بالفرنسية.
وكانت اتجاهات المستعمرين على كافة أشكالها قد اتخذت موقعًا موحدًا ضد
انتشار العربية ثقافة ولغة وحرفًا، وبعد أن تخلصت أفريقيا من الاستعمار السياسي
والعسكري ظل الاستعمار الفكري والثقافي مسيطرًا على نظم التعليم وتوجيه الأجيال
وظل الأوروبي في نظر الأفريقي هو المثل الأعلى فكرًا وثقافة ولغة، كذلك فقد ألغيت
اللغة العربية من اللغات الرسمية في أكثر دول غرب أفريقيا وهي التي كانت لغة
الإدارة والثقافة حتى نهاية القرن 19 وأوائل القرن 20، فقد كانت تجمع بين القبائل
فحاول الاستعمار إبطال مفعولها حتى أن فرنسا أسندت الإشراف على المدارس العربية في
غرب أفريقيا إلى أجهزة الأمن وليس إلى وزاره التعليم.
وفي الأقطار العربية لقيت لغة العرب كثيرًا من العنت بتقديم اللغات الأجنبية
عليها، وفي الجزائر أصدر الحكم الفرنسي سنة 1933 قرارا ينص على أن اللغة العربية
لغة أجنبية عن الجزائر، وأولى اللغة البربرية عناية كبرى بقصد تمزيق وحدة الفكر
الإسلامي. ولما كانت اللغة العربية فضلًا عن أنها لغة العقيدة والثقافة لألف مليون
و300 ألف مليون مسلم فإن اللغة العربية كانت عنصرًا مهمًا في استراتيجية دفاع
العالم الإسلامي.
وقد أدت الحرب على اللغة العربية بوصفها لغة القرآن إلى قيام الازدواجية في
أغلب بلاد العالم الإسلامي: هذه الازدواجية التي أصيبت بها الأقطار العربية حين
اكتسحها الاستعمار وفرض لغته، وحين تخلصت من الاستعمار كان النفوذ الأجنبي قد فرض
الازدواجية اللغوية فيها؛ لتتعمق ويصعب استئصالها لعدة عوامل أهمها: الارتباطات
الاقتصادية والسياسية وآثارها الاجتماعية والثقافية. وقد أدى قيام هذه الازدواجية
إلى أخطار جسام أهمها تغيير أبجدية اللغات التي كانت تكتب بالحروف العربية.
وكان من أهم أخطار هذه الازدواجية: الخلط والحيرة في نماذج السلوك الفردي
والاجتماعي، فضلًا عن الخلط بين ثقافتين مختلفتين في المصدر والأساس وخاصة بالنسبة
إلى اللغة العربية التي تستمد مصادرها الثقافية من عقيدة التوحيد، وهي بذلك تختلف
عن مصادر العقائد الغربية التي تحاول الاندماج بها. ومن خطر ذلك تغلب سيطرة اللغة
الأكثر قوة وهي لغة المستعمر. ويعتبر علماء النفس أن فرض لغة أجنبية على شعب من
الشعوب جريمة خلقية وتفسيخ لإنسانية الإنسان ذلك أن الذي يتنازل عن لغته يتنازل عن
جوهره وكماله.
ولقد حرص الغرب عن طريق كتابه ومستشرقيه ومبشريه على تركيز ضربات قوية إلى
اللغة العربية تتمثل في الدعوة إلى إلغاء النحو وإلى الكتابة بالحروف اللاتينية
وإلى إعلاء العاميات. والواقع أن «نحو العربية» هو علم عربي أصيل انبثق بصورة
أصيلة من اللغة العربية ذاتها وذلك رد حاسم على مقولة إن العرب أخذوه من الآثار
اليونانية أو الهندية. أما الكتابة بالحروف اللاتينية فإنها جاءت من خلال نفوذ
غاصب مسيطر لم يترك لأهل الأقطار حرية الاختيار، وعندما نودي بها في مصر يومًا،
كشفت الأبحاث والدراسات عن الرفض الكامل والخطر المماثل، وما تزال معركة اللغة
العربية مستمرة فهي تتجدد بهدف تمزيق شمل العرب متخذة عدة سبل.
أولهما: إيجاد أربع لغات عربية إقليمية منفصلة تتفرع منها لهجات عامية
محلية. ثانيهما: تبني اللغات الدارجة المحلية في المسرحيات والتمثيليات والأدب
الشعبي. ثالثهما: تفريع اللهجات العامية وإلغاء حركات الاعراب واعتماد مبدأ الوقف
ومبدأ التوسط بين الفصحى والعامية. وقد بدأت هذه الحرب اللغوية على أيدي ولكوكس في
مصر عام 1892 ثم توسعت الدائرة وتركزت في لبنان حيث جرت الدعوة إلى وجود لغة
لبنانية محلية تستمد عناصرها من الفينيقية والآرامية والسريانية، بدأها سعيد عقل
واستأنفها يوسف الخال.
والواقع أن هذه الصيحة قد كشف أمرها وعرفت وجهتها وأضيفت إلى مؤامرة
الاستشراق والتعريب على اللغة الفصحى- لغة القرآن- فقد أثبتت التجارب أن الفصحى
أطوع في التعبير عن بقية المستويات وأدق في التصور وأقدر على التفنن في الأساليب،
وأننا لسنا في حاجة إلى لغة دارجة ثالثة كحلقة وسطى بين العامية والفصحى. ومن هنا
فقد سقطت هذه الدعوى المدعاة التي وجدت في ظل استعلاء من الماركسية والنفوذ
الشيوعي، فقد تبين أن المستقبل للغة الفصحى وأن الدعوة إلى إلغاء الازدواجية
وإعلاء العامية هو عامل على تحطيم بنيان اللغة وهدم صرحها إذ إنه يطلب أن تسقط
حركات الاعراب جملة وتفصيلًا.
وقد تبين من خلال المعارك التي دارت أنها دعوة مشبوهة مرحلية لتثبيت دعائم
العامية بعد أن بدأت أركانها تتقوض نظرا لشيوع القيم وانتشار الثقافة بين الجماهير
الشعبية. وهكذا أكد أكثر من عامل يبطل بالضرورة تدريجيًا استخدام العامية الدارجة
والمحلية. وقد وجهت للفصحى عشرات من الاتهامات وكلها تصدر عن حقد بالغ وعن كراهية
تخفي وراءها أثر القرآن الكريم الذي لا يستطيع أن يفصح عنه أعداء الإسلام.
والحقيقة أن اللغة العربية تختلف عما عداها من اللغات فهي لغة متعددة
الجوانب، مرنة قادرة على الحياة، ويبدو ذلك رغم تبدل الحضارات عليها، ولقد استطاعت
خلال مراحل متعددة أن تجدد نفسها في صحوات عارمة، ويبدو ذلك واضحًا من خلال النظر
إلى المعاجم القديمة والأخرى الجديدة لتكشف ما طرأ على اللغة من تعبيرات. ولا ريب
أن هذه السحب التي تحاول أن تحجب عبقرية اللغة العربية ما تزال عاملًا خطرًا على
التكوين النفسي لشباب الإسلام حيث ميزها الخاص نزول القرآن الكريم بها فلم تعد لغة
قوم هم العرب وحدهم، ولكنها لغة عقيدة ولكافة المسلمين في جميع أنحاء الأرض.
انظر أيضا:
أنور الجندي