العنوان حرب البيانات الملفقة ضد حماس
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1999
مشاهدات 76
نشر في العدد 1360
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 27-يوليو-1999
حماس امتنعت عن نشر نتائج التحقيق في مقتل يحيى عياش حفاظًا على الدماء الفلسطينية... فكان رد السلطة شن حملة دعاية سوداء ضدها
مرة أخرى وجدت حركة المقاومة الإسلامية «حماس» نفسها وسط حملة إعلامية جامحة من جانب الدوائر الأمنية الصهيونية وأجهزة سلطة الحكم الذاتي المحدود، هدفت هذه المرة إلى تشويه رموزها المجاهدة عبر الطعن في استقامتهم وأمانتهم، كما هدفت إلى إضعاف الروابط الراسخة بين ما يسمى بقيادات الداخل والخارج.
وجاء توقيت هذه الحملة بعد فوز الجنرال الإرهابي إيهود باراك في انتخابات الرئاسة الإسرائيلية، ومن الواضح أن السلطة الفلسطينية- التي استبدت بها أوهام تحريك ما يسمى بعملية التسوية بعد فوز مرشحها المفضل- تريد زعزعة حماس وتقويضها، لإزالة العقبة الوحيدة التي تقف في طريق مشاريع التسوية والتنازلات المجانية التي تقدمها للعدو اليهودي.
وقد تزامنت هذه الحملة مع معطيات جديدة برزت على الساحة الفلسطينية أهمها:
١- فوز باراك في الانتخابات الإسرائيلية الذي أعاد الأمل إلى مسؤولي السلطة في إمكان تنفيذ الطرف الصهيوني للاتفاقات الموقعة مع السلطة الفلسطينية، وهو ما يعني خروجها من القمقم الذي أحكم نتنياهو إغلاقه عليها، وقد شجع ذلك أجهزة السلطة على تشديد القبضة أكثر على حركة حماس، والمضي قدمًا في التعاون الأمني مع الصهاينة، وهي القرابين التي اعتادت السلطة تقديمها كلما أرادت مغازلة الحكومة الإسرائيلية، والتزلف لها لإثبات حسن سلوكها، وهي القرابين نفسها التي يقدمها رئيس السلطة عند كل زيارة للبيت الأبيض.
٢- خسارة أنصار السلطة وخصوصًا حركة فتح- التنظيم الرئيس في منظمة التحرير الفلسطينية، والرافد الرئيس للسلطة الفلسطينية- في انتخابات المجالس الطلابية التي جرت في جميع الجامعات والكليات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة بلا استثناء، وذلك لصالح أنصار حركة حماس، كما خسرت فتح انتخابات بعض الجمعيات المهنية، وخصوصًا اتحاد المعلمين في وكالة الغوث الدولية «الأونروا» التي حقق فيها أنصار حماس فوزًا تاريخيًا ساحقًا، ومما زاد من حنق السلطة إزاء تعاظم شعبية حماس أن هذه الحركة الإسلامية قد فازت ليس على حركة فتح وحدها، بل على الائتلافات التي نشأت بين فتح وجميع التنظيمات اليسارية مجتمعة، وخصوصًا في جامعتين رئيستين من جامعات الضفة الغربية، كانتا تعتبران- حتى عهد قريب- من معاقل فتح واليسار الفلسطيني، وهما جامعة النجاح «نابلس»، وجامعة بير زيت، وفي هذه الأخيرة التي يزيد فيها عدد الطلبة المسيحيين على الثلث تقريبًا سجلت بعض التقارير اقتراع عدد من هؤلاء الطلبة المسيحيين لصالح المرشحين من أنصار حماس والجهاد الإسلامي!
٣- البيانات التي وزعت في الضفة الغربية وقطاع غزة، والتي تلقفتها وكالات الأنباء العالمية، وكانت موقعة باسم الضباط الأحرار، وكشفت عن وجود مجموعات كبيرة من الضباط والجنود العاملين في مختلف أجهزة السلطة الأمنية- وخصوصًا قدامى العسكريين في جيش التحرير الفلسطيني- سحقتهم السلطة، ولم تعطهم حقوقهم المادية والمعنوية، كما تعطيها لبعض الأجهزة الأمنية المتنفذة كأجهزة جبريل الرجوب، ومحمد دحلان، ومخابرات توفيق الطيراوي، وكشفت تلك البيانات بالأسماء عن الفساد الذي نخر أجهزة السلطة، وعن المحسوبية والشللية فيها، وقد دفعت تلك البيانات بمخابرات السلطة إلى شن حملة اعتقالات واسعة في صفوف المشتبه في توزيعهم بيانات «الضباط الأحرار» الأمر الذي زاد من عزلة السلطة.
٤– ثورة المعتقلين في سجون السلطة وأهاليهم، فالسلطة ما زالت تعتقل المئات من أبناء حماس وأنصارها، وبعضهم مضى على اعتقاله أكثر من ثلاث سنوات دون تهمة ودون محاكمة، وكان المعتقلون خصوصًا في سجني جنيد «نابلس» وأريحا قد أعلنوا بداية العام الحالي إضرابًا مفتوحًا عن الطعام، استمر في سجن جنيد أكثر من ٣٦ يومًا، ولم يكن من سبيل أمام السلطة لإغراء المعتقلين سوى وعدهم بدراسة ملفاتهم وقضاياهم تمهيدًا للإفراج عنهم خلال فترة قصيرة، إلا أن السلطة التي لا تملك زمام أمرها، ولا قرار الإفراج عن المعتقلين في سجونها، نكثت بوعدها لهم، وظل المعتقلون خلال تلك الفترة معلقين بين أمل الحرية والتهديد بالعودة ثانية إلى الإضراب المفتوح عن الطعام، ولم تفرغ شوارع الضفة والقطاع من المتظاهرين المحتجين على استمرار اعتقال أبنائهم تعسفًا وظلمًا، ووصل الأمر بداية الشهر الحالي إلى ثورة داخل سجن جنيد، قام بها المعتقلون «٥٠ معتقلًا من حماس»، بعدما وصل إلى علمهم إساءة رجال أمن السلطة الذين يتولون حراسة السجن معاملة زوجاتهم وأقاربهم، الذين جاؤوا لزيارتهم، ونجح المعتقلون في تجريد بعض حراس السجن من أسلحتهم، وأوسعوا ضربًا أحد جنود القوة «۱۷» المتهم بإساءة الأدب مع زوجة أحد المعتقلين، وانتقلت الاشتباكات إلى شوارع نابلس، وقد لاقت تلك المظاهرات تجاوبًا وتعاطفًا من جميع القوى الفلسطينية، بما فيها تلك المحسوبة على السلطة.
ويذكر أن أحد أخطر القضايا التي تم الاتفاق عليها في واي ريفر- في شهر أكتوبر من العام الماضي- بين مسؤولي السلطة وحكومة نتنياهو، كانت تشكيل لجنة تنسيق أمني ثلاثية من السلطة والدولة اليهودية، ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية «سي أي إيه» مهمتها التنسيق في القضايا الأمنية، وبحث كل حالة اعتقال تقوم بها السلطة، وبموجب الاتفاق حظر على الجانب الفلسطيني إطلاق سراح أي معتقل سياسي فلسطيني معارض لعملية التسوية، إلا بعد أخذ موافقة الجانب الإسرائيلي و «السي أي إيه».
إن قضية المعتقلين في سجون السلطة من أخطر القضايا السياسية والإنسانية التي ذبحت مصداقية السلطة، وجعلت شعبيتها في الحضيض، وهربًا من هذه الأزمة يحاول مسؤولو السلطة التقليل من شأن هذه القضية، فالعقيد الرجوب- مسؤول الأمن الوقائي في الضفة الغربية- ينفي وجود معتقلين سياسيين، بل يصفهم بأنهم معتقلون أمنيون، أما نظيره في قطاع غزة محمد دحلان فيدعي أنه لم يتم حصر المعتقلين في السجون، وأنه لا يذكر عددهم! هكذا... وبعضهم زعم أن عرفات قال لهم: «اعتقلوا الإسلاميين وضعوا خطيتهم في هذه الرقبة»!.
وقد بلغ مسؤولو أجهزة أمن السلطة درجة من انعدام المسؤولية الوطنية إلى حد زعمهم أن اعتقال قيادات حماس وأنصارها في مصلحة المعتقلين، ولحمايتهم من الشاباك، وكأنه لا يوجد في سجون الاحتلال وزنازين الشاباك أكثر من ثلاثة آلاف معتقل، وبعضهم يدعي أن هؤلاء المعتقلين يعيشون في سجون خمس نجوم.
تلفيق رسائل وبيانات ضد حماس
ولم تجد السلطة الفلسطينية بالتعاون مع أجهزة الأمن الصهيونية وسيلة لوقف تدهور شعبيتها في الأراضي المحتلة سوى تلفيق رسائل وبيانات الهدف منها تشويه صورة حماس النقية، وتحريف جهادها وإضعاف مكانتها في نفوس الفلسطينيين والعرب والمسلمين بشكل عام.
فتارة تتهم فيها مسؤولي حماس في الخارج بتبديد الأموال التي تجمع لدعم الحركة وأنشطتها المختلفة في الداخل، لتأليب قيادات حماس في الضفة والقطاع ضد المكتب السياسي لحماس في الخارج، وتارة أخرى تزور بيانًا منسوبًا زورًا لكتائب القسام «الجناح العسكري لحماس»، تضمن دعوة للشيخ أحمد ياسين «أيها الشيخ استقم أو استقل»!
ولوحظ أنه لم يستجب لنشر تلك البيانات أي من الصحف أو المجلات العربية الكبيرة التي تراعي النزاهة والموضوعية، باستثناء عدد قليل جدًا منها.
كما نشر بعض صحف الداخل المحسوبة على السلطة- وكذلك صحيفة أردنية تسعى وراء البريق الإعلامي- رسائل حملت توقيع مجموعة من كوادر حماس في الأردن، اتهمت رئيس المكتب السياسي لحماس وأحد أعضائه بتلفيق وثيقة صدرت عام ۱۹۹٦م باسم لجنة الطوارئ في السلطة فلسطينية، وضعت فيها مخططًا شاملًا لمحاربة حماس، واغتيال قادتها في الأردن، وقد ادعت إحدى تلك الرسائل أن تلك الوثيقة كادت أن توقع فتنة في الأوساط الأردنية وفي داخل فلسطين.
وتجدر الإشارة إلى أن لحماس تواجدًا سياسيًا إعلاميًا محدودًا في الأردن، وبالتالي فإن كوادر حماس فيها معروفون، ويحملون الجنسية الأردنية، وهو ما يرجح احتمال أن تلك الرسائل ملفقة، وأن الغرض منها هو تأزيم العلاقة بين المكتب السياسي لحماس وبين السلطات الأردنية التي سارعت- كما جاء في بعض الصحف- إلى نفي قيام الأردن باتخاذ إجراءات بحق المكتب الإعلامي لحماس فيها.
والحقيقة أن سياسات السلطة الفلسطينية ومواقفها- سواء مع حماس أو حتى في علاقتها المتشنجة مع الأردن- ليست بحاجة إلى من يلفق عليها مثل تلك الوثائق، فما فعلته أجهزة أمن السلطة بقيادات حماس وأنصارها في الداخل من اعتقالات- بل واغتيالات أحيانًا- وإغلاق مؤسساتها الخيرية والثقافية، دليل كاف على أن السلطة تسعى إلى اجتثاث حركة حماس من جذورها، كما أن تصريحات مسؤولي السلطة- وعلى رأسهم عرفات وبعض القادة الأمنيين، والتي كانت تهاجم الأردن، وتعتبره غريمًا ومنافسًا للسلطة على الحصة التي انسحب منها جيش الاحتلال اليهودي من الأراضي الفلسطينية- ليست بحاجة إلى تلفيق وثائق لتخريب العلاقة بين الطرفين، فهذه العلاقة لم تكن سمنًا على عسل.
ولو لم تكن حماس حريصة على الابتعاد عن موجبات المواجهة بينها وبين السلطة، ولو لم يكن من المصلحة الوطنية الفلسطينية تبريد الأجواء الساخنة بينها وبين السلطة؛ لنشرت حماس- على سبيل المثال- نتائج التحقيق في استشهاد محيي الدين الشريف، وهو التقرير الذي تمتنع حماس عن نشره حتى هذه اللحظة، فلو لم يكن ذلك لكان من المحتمل تصديق فرية الوثيقة هذه، وقد تحملت حماس حتى اليوم جرح مصداقيتها في عدم وفائها بوعدها بنشر التقرير المذكور، وذلك في سبيل حقن الدماء الفلسطينية.
حماس ترد على حملة التضليل
وردت حماس بقوة على حملة البيانات والرسائل التي استهدفت وجودها، وأرادت النيل من وحدتها الداخلية، ففي بيانها الصادر من غزة يوم ١٤ يوليو أكدت حماس على عدد من القضايا المهمة:
أولًا: حركة حماس واحدة في داخل فلسطين وفي خارجها، وكل من يتصور ذلك إما واهم، أو جاهل، أو مريض، ومن ثم ليبادر إلى معالجة نفسه!
ثانيًا: حركة حماس حركة مجاهدة، لا تنظر إلى الألقاب أو المناصب أو المكاسب الزائلة، ورموزها في الداخل والخارج ملء السمع والبصر إخلاصًا وتضحية وصدقًا ونقاء وأمانة وشهامة، وهم في طليعة الأمة، ولا نزكي على الله أحدًا.
ثالثًا: الرسائل التي وصلت عن طريق بعض الفاكسات، والتي علقت عليها بعض الصحف العربية، لا تمت إلى الحركة بصلة، ولا تمت لأحد من عناصرها بصلة، وإنما هي من تدبير المخابرات المعادية، وتأمل تلك الدوائر الخبيثة أن تحقق شيئًا من البلبلة في صفوف الحركة، ولكن خاب فألهم؛ لأن وعي عناصر الحركة ووعي شعبنا أرقى من تصور أولئك بكثير.
رابعًا: اعتمدت الرسائل على أكاذيب كثيرة، وربما الذين كتبوها قد صدقوا أنفسهم لكثرة ما كذبوا، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب».
وقد أجمع قادة حماس- في الداخل والخارج على حد سواء- على رفض ما جاء في الرسائل والبيانات التضليلية، وشككوا في مصدرها.
وأعلن المهندس إبراهيم غوشة- الناطق الرسمي باسم الحركة- أن هذه الحملة ضد حماس فاشلة سلفًا، وأنها لن تفت في عضد حماس التي هي حركة واحدة في الداخل والخارج، وقال: إن هذه الحملة تأتي الآن لتلويث سمعة حماس النظيفة، تمهيدًا لتهيئة الأجواء لمشروع السلام المزعوم الذي يقوده باراك، وأضاف أن حماس ستثبت تماسكها ووحدتها، وستستمر في مشروعها الجهادي المقاوم مهما كان حجم المؤامرة.
وتساءل الدكتور موسى أبو مرزوق- رئيس المكتب السياسي السابق لحماس- لماذا الحديث الآن عما يسمى بوثيقة لجنة الطوارئ على الرغم من أن السلطة مارست الكثير من بنودها في مواجهة حماس؟ وقال: إن المعتقلين الأبطال من حماس خلف قضبان السلطة دليل واحد على ذلك، وأن محاصرة مؤسسات الحركة ومصادرتها إشارة واضحة إلى محتوى تلك الوثيقة، كما تساءل أبو مرزوق: كيف يعقل أن تصدر الكتائب رسالة تطالب الشيخ أحمد ياسين بالاستقامة أو الاستقالة، وهم الذين خاضوا حربًا ضد الاحتلال، ومطلبهم الأول كان تحرير شيخهم من الأسر؟ واعتبر أبو مرزوق أن حماس حركة مؤسسية شورية، لا يعين رئيس مكتبها السياسي من قبل أي من رموز الحركة، ووصف الشيخ ياسين بأنه أكثر الناس احترامًا لمؤسسات الحركة، ولا يمكن أن يفكر بمثل هذا المنطق الانقلابي لتغيير قيادة حماس، كما زعم ذلك أحد البيانات المنسوبة إلى كوادر حماس.
ويؤكد إسماعيل هنية- أحد قادة حماس البارزين في قطاع غزة- على أن حركة حماس التي ضحت بمئات الشهداء وآلاف الأسرى والمبعدين دفاعًا عن أمن شعبها ووحدتها في الداخل والخارج، لا يعقل لمثل هذه الحركة التي فعلت ذلك أن تفرط بأمنها ووحدتها الذاتية تحت دعاوى السقوط في مستنقع المصالح الشخصية، أو صراع الزعامة، أو خيانة الأمانة بكل ما تحتويها.
واعتبر الشيخ هنية أن البيانات المدسوسة والمنسوبة لكتائب القسام «مجموعة الشهيد يحيى عياش» والتي احتوت على تهجم مكشوف على الشيخ المجاهد أحمد ياسين جزء من الخطة الرامية إلى النيل من الشيخ ورمزيته ومكانته في أوساط شعبه وأمته.
ورأى الشيخ عبد الخالق النتشة- ممثل حماس في الخليل- أن هناك حربًا ضد الجناح العسكري لحماس، الذي يخضع لرقابة وحرب التنسيق الأمني الثلاثي من قبل الشاباك الإسرائيلي، وأمن السلطة، و «السي أي إيه»، وأكد على أن هذه الحملة الإعلامية- التي تستهدف حماس بجميع أجهزتها وقياداتها هذه البيانات والتقارير المزورة- سيكون لها مفعول عكسي، وليس كما أراد المخططون لها؛ لأنها ستزيد من التفاف الجماهير حولها، واعتبر النتشة أن الشعب الفلسطيني أكد على التفافه حول حماس من خلال مهرجانات الحركة التي أقيمت الشهر الماضي في نابلس وغزة والخليل وجنين، والتي حضرها عشرات الآلاف من مؤيدي حماس ومؤازريها.