العنوان الانسحاب الإسرائيلي المرحلي من جنوب "لبنان"
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يناير-1985
مشاهدات 175
نشر في العدد 701
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 22-يناير-1985
- المقاومة الإسلامية في الجنوب تشكل استنزافًا يوميًا لقوات الاحتلال الإسرائيلي
- الموقف اللبناني الضعيف يساهم في تنفيذ المخططات الإسرائيلية في الجنوب
في خطوة متوقعة أعلنت حكومة العدو في الأسبوع الماضي خطتها الرامية إلى تحقيق انسحاب جزئي من جنوب "لبنان" قبل التوصل لأي حل مع الحكومة اللبنانية من خلال "مفاوضات الناقورة"، وفي صباح يوم الجمعة الماضي بدأت قوات الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ المرحلة الأولى من الخطة حيث سحبت قواتها المحمولة من منطقة "صيدا" باتجاه منطقة "الزهراني" بما يؤكد تصميم العدو الإسرائيلي على تنفيذ خطته.
مراحل خطة الانسحاب
تعتمد الخطة التي تم الموافقة عليها من قبل- حكومة العدو على الانسحاب بشكل مرحلي من الأراضي اللبنانية باتجاه فلسطين المحتلة- وسوف يتم الانسحاب على ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: تنسحب القوات من منطقة-" صيدا" وتنتشر عند منطقة "النبطية- الليطاني".
المرحلة الثانية: يتم نشر القوات حتى منطقة- "حاصبيا".
المرحلة الثالثة: ينتشر جيش العدو على الحدود الدولية بين "إسرائيل" و"لبنان" محتفظة بمنطقة تتواجد فيها قوات محلية تدعمها- "إسرائيل" - قوات العميل "أنطوان لحد"- وقد ذكر "شمعون بيريز" رئيس وزراء العدو أن خطة الانسحاب هذه ستكتمل خلال فترة- تتراوح ما بين ستة وتسعة أشهر واستطرد قائلًا إن هذا الشتاء سيكون آخر شتاء يمضيه الجنود الإسرائيليون في "لبنان".
ولم يمضِ يومان على إعلان خطة الانسحاب حتى بدأت قوات الاحتلال الإسرائيلي بتنفيذ المرحلة الأولى من الخطة وذلك بانسحاب قواتها من منطقة "صيدا".
لماذا الانسحاب؟
يأتي الإعلان عن خطة الانسحاب من جنوب لبنان بعد أكثر من عامين ونصف من الغزو الإسرائيلي للأراضي اللبنانية في يونيو عام ۱۹۸۲، مع أنَّ الغزو قد حقَّق هدفه الأساسي المتمثل في القضاء على التواجد الفلسطيني المصلح في الجنوب اللبناني بشكل خاص وعلى الأرض اللبنانية كلها بشكل عام، وخرجت كتائب المقاومة الفلسطينية من "لبنان" لتتشتتهنا وهناك على طول الأرض العربية مخلفةً وراءها تلك الآلاف من الفلسطينيين العزَّل القاطنين في مخيمات "الجنوب" و" بيروت" و"طرابلس" بدون حماية، ولرغبة "إسرائيل" بعدم ارتكاب ما من شأنه أن يثير المجتمع الدولي ضدها فقد عمدت إلى تحريض القوات المسيحية للقيام بهذه المهمة، كما حدث داخل مخيمي "صبرا وشاتيلا" في محاولة من جانب العدو الإسرائيلي الضرب أي عودة محتملة للتحالف بين الشارع المسلم والفلسطينيين.
ومن هنا كانت المناورات الإسرائيلية تدور ضمن استراتيجية ثابتة تقول إن حكمًا غير مسيحي في "لبنان" من شأنه أن يعرِّض الأمن الإسرائيلي للخطر، ومن خلال هذا المنطق ولظروف دولية معقدة لم تسمح بحدوث التقسيم الفعلي كان الجهد الإسرائيلي المدعوم بالجهد الأمريكي والأوروبي وبتغطية عربية ثورية تَصُبُّ كلها ضمن هدفٍ محددٍ هو إعادة الهيمنة المسيحية على "لبنان"، ومع مقتل "بشير الجميل" وانتخاب شقيقه "أمين" وإحاطته بالدعم السياسي الكامل ومن كافة الأطراف محليًا وعربيًا ودوليًا، تمَّ فرض الهيمنة المسيحية على "لبنان"من جديد.
واللعبة الإسرائيلية لم تكتفِ بتثبيت الحكم المسيحي بل عمدت خلال تواجدها على الأرض اللبنانية منذ بداية الغزو وحتى بداية الانسحاب إلى تعميق جذور الانقسام الطائفي وبالتالي انحسار كل طائفة إلى داخل حدودها المرسومةفيما يشبه الكانتونات المستقلة، وهذا ما تمَّ بالفعل على أرض الواقع فهناك حدود مرسومة للطائفة "الدرزية" وهناك حدود أخرى للطائفة الشيعية وحدود للطائفة المسيحية... إلخ، هذه الحدود تُمثِّل اليوم واقعًا ملموسًا وإن لم تعلن بشكل رسمي أو بمعنى أصح أن الظروف الدولية لم تسمح بإعلانها كانتونات مستقلة.
ومن هنا فإنه يمكننا القول إنَّ تحقيق "إسرائيل" لهذه الأهداف والتي يمكن إجمالها في ضرب التواجد الفلسطيني المسلَّح وتشتيته خارج لبنان- ضرب التواجد الفلسطيني الأعزل «"صبرا وشاتيلا"- تثبيت الهيمنة المسيحية على الحكم تعميق جذور الانقسام الطائفي- رسم حدود الكانتونات الطائفية- تحجيم الدور السُّني المتعاطف مع القضية الفلسطينية...
نقول إنه بعد تحقيق هذه الأهداف خلال المرحلة الماضية جعل أمر الانسحاب قابلًا للبحث والتفاوض من أجل تحقيقه، ولهذا نجد "إسحق شامير" وزير خارجية العدو يقول قبل "مفاوضات الناقورة" «طالما أنهينا مهمتنا في لبنان فلا بد أن ترحل عنه».
ولا يمكننا أن نغفل أن هناك عاملين أساسيين عجَّلا بتنفيذ خطة الانسحاب ويتمثل هذان العاملان بالمقاومة الإسلامية في الجنوب وفي منطقة "صيدا" بشكلٍ خاصٍّ بحيث تشكل عبئًاعلى قوات الاحتلال الإسرائيلي، واستنزافًا يوميًّا لها، والعامل الثاني يتمثل في التكلفة المادية الكبيرة لاستمرار تواجد قوات الاحتلال في "لبنان".
بالنظر إلى الانهيار الاقتصادي الكبير الذي يجتاح الكيان الصهيوني وارتفاع معدلات التضخم و اعتماد دولة العدو على المساعدات الأمريكية الضخمة والمستمرة لإنقاذ اقتصادها.
مخاطر الانسحاب المرحلي
منذ أن بدأت إسرائيل تلوح بخططها عن الانسحاب المرحلي والقلق يسود كافَّة الأطراف المعنية بالأزمة اللبنانية، والحديث عن وقوع فوضى أمنية في المناطق التي سينسحب منها جيش العدو أصبح الهاجس الوحيد لمعظم الأطراف، ويمكننا في هذا الصدد أن نقول إنَّ من حق أي طرف أن يُبدي تخوُّفه وقلقه من هذا الانسحاب المرحلي، فالواضح أنَّ الخطة الإسرائيلية تهدف إلى تكوين منطقة فراغ أمني يؤدي بالتالي إلى فوضى أمنية ذات مخاطر عديدة يمكن أن نجملها بما يلي:
- تدبير فتنة طائفية في الجنوب على غرار الفتنة التي حدثت بين الدروز والمسيحيين إثر الانسحاب الإسرائيلي من الشوف في العام الماضي، وبالتالي فإن هذه الفتنة سوف لن تقتصر عندها على الجنوب بل ستمتد إلى المناطق اللبنانية الأخرى حيث لازال التوتر يسود خطوط التماس بين المليشيات المختلفة رغم الخطط الأمنية الهشَّة.
- الأعداد المجزرة ضد الفلسطينيين العزل القاطنين في مخيمات الجنوب اللبناني بحيث تكون هذه المجازر على غرار ما حدث في مخيمي "صبرا وشاتيلا" قبل عامين، وهذا التخوُّف دفع "ياسر عرفات" إلى توجيه رسالة مستعجلة إلى السكرتير العام للأمم المتحدة حمَّله فيها المسؤولية الكاملة لتأمين حماية الفلسطينيين الذين يعيشون في جنوب لبنان، وذلك عن طريق قيام قوات الطوارئ الدولية بدور أكثر فاعلية عن طريق نشر هذه القوات في منطقة "صيدا" فور الانسحاب الإسرائيلي منها، كما أعرب "عرفات" عن قلقه الشديد إزاء مستقبل الفلسطينيين المحتجزين في معسكر أنصار وطالب الأمم المتحدة بضمان سلامتهم، ومن الواضح هنا أنَّ"إسرائيل" ترغب في انتشار القوات الدولية في المناطق التي ستنسحب منها ولهذا فإنَّ افتعال مثل هذه المجازر سيدفع هذه القوات إلى تحقيق الرغبة الإسرائيلية بصورة غير مباشرة.
- إنَّ نشر القوات الدولية شمال "نهر الليطاني" من شأنه أن يخدم الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على استغلال المياه اللبنانية ما أمكنها ذلك، إضافةً إلى أنَّ "الليطاني" يشكِّل حاجزًا طبيعيًا لا يمكن اختراقه بسهولة، ومن هنا فإن الشريط الحدودي الممتد حتى "الليطاني" والذي سيعهد حفظ الأمن فيه إلى قوات العميل "أنطوان لحد" سيكون بمثابة حاجز أمني لحمايةالمستوطنات اليهودية الشمالية.
- في حال قيام فتنة طائفية على أرض الجنوب وما يتبعها من انتشار هذه الفتنة إلى المناطق اللبنانية الأخرى فإنَّ ظهور كيان طائفي في الجنوب يصبح في حكم المؤكَّد وبالتالي فإنَّ ظهور هذا الكيان من شأنه أن يعجِّل في ظهور الكيانات الطائفية الأخرى في "لبنان" وهذا ما حاولت إسرائيل أن تحققه من خلال الحرب الأهلية اللبنانية ومن خلال الغزو الأخير عام۱۹۸۲.
الانسحاب والموقف اللبناني
رغم التأكيدات المستمرة من الجانب اللبناني بأنَّه لن يقبل إلا بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي اللبنانية، فإنَّ ما قامت به "إسرائيل" من تنفيذ خطة الانسحاب المرحلي يعتبر تحديًا مباشرًا للحكومة اللبنانية التي لا تملك أية أوراق يمكن أن تضغط بها على الجانب الإسرائيلي، باستثناء ضغط المقاومة التي تعمل بعيدًا عن توجهات الحكومة اللبنانية، إضافةإلى أنَّ ضغط المقاومة لا يمكن أن يشكل لوحده قوة يمكن أن تحدث خللًا في الخطط الإسرائيلية، ومع أنَّ الجيش هو العامل الأهم في تحقيق الضغط الفاعل إلا أنَّ هذا الجيشلازال يُعاني من الضعف والتفكك الذي لا يمكنه من ملء الفراغ الناجم عن الانسحاب الإسرائيلي، والثقة بهذا الجيش لازالت ضعيفة وهذا ما دفع "ياسر عرفات" لطلب نجدة الأمم المتحدة لحماية الفلسطينيين إضافةً إلى أنَّ ثقة اللبنانيين فيه لازالت أيضًا ضعيفة نظرًا للاتهامات العديدة الموجَّهة لهذا الجيش ولقيادته.
وأطراف الحكومة اللبنانية ورغم الشعار الرَّنان الذي جمعهم وهو الاتحاد الوطني أو الوحدة الوطنية، إلا أنَّ هذه الأطراف لم تشكل نسيجًا متجانسًا مما أدَّى إلى إصابة هذه الحكومة بالوهن منذ لحظتها الأولى، فالمعروف أن الأطراف الفاعلة في الحكومة هي عبارة عن قيادات الميليشيات المتناحرة، فالوزير "نبيه بري" زعيم مليشيات أمل الشيعية، و"وليد جنبلاط" زعيم المليشيات الدرزية، ووزراء المليشيات المسيحية، وهكذا والمعارك بين هذه المليشيات لمتنتهِ مما يصعب معه اتخاذ الحكومة لأي قرارٍ حاسمٍ يمكن تنفيذه على أرض الواقع، وهذا ما دفع إسرائيل إلى اتخاذ خطوتها بدون أن تأخذ في حسبانها أي رد فعل ممكن للحكومة اللبنانية الضعيفة.
والحكومة اللبنانية إضافة لهذا كله تعاني من الفلتان الأمني المعتد على جميع المحاور وخطوط التماس والتفجيرات في "بيروت" لا تنتهي وأهالي المخطوفين والمفقودين في تظاهرات يومية، وشبح الانهيار الاقتصادي يخيِّم على "لبنان" من أقصاه إلى أقصاه بما يهدِّد بكارثة اقتصادية ربما تنعكس على الوضع الجغرافي "للبنان" ويعتقد المراقبون أنَّ كل هذه العوامل بالإضافة إلى الكارثة الاقتصادية المحيطة "بلبنان" ستعجِّل بحدوث الانهيار السياسي في "لبنان" والعودة من جديد للحديث في الكانتونات المستقلة.