; حديث آخر عن الكفر والظلم والفتنة | مجلة المجتمع

العنوان حديث آخر عن الكفر والظلم والفتنة

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 10-يونيو-1997

مشاهدات 84

نشر في العدد 1253

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 10-يونيو-1997

﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (البقرة: 217).

   إن شعوبنا تواجه اليوم فتنًا خطيرة، وهي في نظرنا لا مثيل لها في تاريخنا الإسلامي، ولذلك سميناها فتنًا «عصرية» لأن أعداءنا يستخدمون في تدبيرها وتنفيذها كل ما توافر لديهم من أسلحة الغدر والمكر، فضلًا عن أسلحة القتل والتخريب، وقد حذرنا الله -عز وجل- من خطورة مكرهم، فقال -عز وجل- عن الذين ظلموا أنفسهم ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ﴾ (سورة إبراهيم: 46). ولكنه -عز وجل- حذرنا وحذر المؤمنين من اليأس لهذا السبب فقال -جل من قائل- يثبِّت نبيه ومن معه الذين يواجهون مكر أعداء الله، ويذكرهم بأن الله سينتقم منهم بقوله -عز وجل- ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (سورة الأنفال: 30).  وقال -عز وجل- داعيًا نبيه ﷺ ومن معه إلى الصبر وعدم اليأس رغم عظيم مكر عدوهم، ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (سورة النحل: 127)، وقد وعدنا الله أننا إذا صبرنا كما أمرنا فإنه «يدافع عن الذين آمنوا»، وأنه قادر على نصرهم لأنه -عز وجل-: ﴿أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ (سورة يونس: 21)، وأنه ﴿مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ (سورة الأنفال: 18).

     وكثيرًا ما أنذر الله -عز وجل- المستكبرين الظالمين بانتقام إلهي، إذا لم يتوبوا ويرجعوا عن بغيهم وظلمهم لأنفسهم ولغيرهم، ويدعوهم إلى أن يرجعوا عن غرورهم بقوتهم وجمعهم، ويذكرنا ع-ز وجل- بمصير الظالمين المستكبرين قبلهم الذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعًا» ومع ذلك بادوا وانقرضوا، وباءوا بالخسران.

     وقد أشار القرآن إلى أمثلة عديدة من الأمم الظالمة التي استحقت عقاب الله -عز- وجل وانتقامه، ذاكرًا إياهم بصفاتهم وأسمائهم، مثل قوله -عز وجل-: 

﴿أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ  إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ  ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ وَفِرۡعَوۡنَ ذِي ٱلۡأَوۡتَادِ ٱلَّذِينَ طَغَوۡاْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ  فَأَكۡثَرُواْ فِيهَا ٱلۡفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ  إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ  ﴾ (سورة الفجر: 6-14).

    ومع ذلك فإننا لا نستحق نصر الله على هؤلاء المستكبرين والمفسدين الذين يدبرون الفتن، ويشعلون نارها، إلا إذا أدركنا جميع جوانبها وحقائقها، لنسبر غورها ونعرف مدى خطورتها؛ لأنها فتن مركبة معقدة، فالظلم فيها ليس واقعًا على الغير فقط، كما يظن كثيرون، بل إن الظلم الأكبر هو ظلم النفس بالكفر أو العصيان أو الضلال الذي فتنوا به، وهو الذي دفع قوى الشر في الداخل والخارج إلى التحالف، ومكنهم من التعاون على «فتنة» شعوبنا، وتسلحوا في بغيهم وعدوانهم بأسباب المدنية و«منتجات التكنولوجيا» المتطورة التي عجزت شعوبنا، وقصرت حتى الآن عن استيعابها والتسلح بها؛ مما جعل البعض عندنا يستسلم لليأس والتخاذل، بل هناك من مواطنينا من يجعل نفسه «حليفًا» لأعدائنا مشاركًا لهم في «الفتنة» بالتواطؤ أو بالسلبية والاستسلام.

     إن الاستسلام أو اليأس يجب علينا مقاومته كما نقاوم البغي والقهر؛ لأنه عيب في بعضنا ينسينا الأوامر الإلهية التي تفرض علينا الصبر والثبات والجهاد.

     بل إنه يحرمنا من الاستفادة بالسنن الربانية التي تقضي بأن أهل البغي يظلمون أنفسهم قبل أن يظلموا غيرهم، وتنسينا سنة الله -عز وجل- في هذا الكون التي تقضي بأن فتنتهم الذاتية وظلمهم لأنفسهم سيكون العامل الأول في سقوطهم وفي تهيئة الأسباب لنصر الله عباده المظلومين إذا صبروا أو صمدوا، واستعانوا بالله واثقين من النصر لعباده المؤمنين الصالحين.

      إن أحكام هذه الفتن العصرية تستمد أساسًا من نصوص القرآن الكريم، كتاب الله الخالد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وستجد أن آياته العديدة بشأن الظلم والفتنة تزودنا بنظرية شاملة لا تفصل بين صور الظلم للنفس وظلم الغير.

      إن أي تصور محدود يفصل بينهما جعل كثيرين يعتبرون أن الظلم يقصد به ظلم الغير فقط، وينسون أن الأصل فتنة ذاتية أي ظلم النفس، وأن ظلم الغير إنما يكون نتيجة لظلم النفس وفرعًا منه؛ لأن المؤمن الصالح لا يظلم غيره، وإذا رأينا ظالمًا لغيره، فلا بد أن ندرك أنه ظالم لنفسه بالكفر أو الضلال بابتعاده عما يفرضه الشارع الحكيم من عقائد وقواعد ومبادئ تفرض عليه العدل والإحسان، وتحرم عليه البغي والعدوان.

     وما يسري على الفرد الظالم يطبق -من باب أولى- على الجماعة أو الأمة الباغية الظالمة لغيرها من الأمم، فهي -بلا شك- قد ظلمت نفسها بالانحراف عن طريق العدل والإحسان الذي فرضه الله -عز وجل- على الناس أفراد وجماعات، وارتكبت «إضافة لذلك» خطيئة العدوان على الناس وظلمهم.

     وهذا يساعدنا في البحث عما يجب علينا اتباعه في مواجهة خطط مديري الفتن من الظالمين الباغين سواء أكانوا «أفرادًا، أو جماعات، أو شعوبًا، أو أممًا».

      قد يظن البعض أنه مادام أن الظلم يقع من الأقوياء على الضعفاء فإن الصراع بين الطرفين ينتهي بتغلب القوي على الضعيف، ويحتج المتخاذلون المستسلمون لذلك بالقول بأن الغلبة ستكون للظالم فردًا أو جماعة أو أمة؛ لأنه هو الأقوى بمقاييسنا البشرية في نظرهم، إنهم بتصورهم القاصر المحدود ينتهون إلى أن المقاومة غير مجدية، وأن الاستسلام حتمي ويدعون للاستسلام، بل «يهرولون إليه» محتجين بقوة العدو واستكباره في الأرض، هذا التصور الاستسلامي يتجاهل أن قوة الظالم إذا كانت تنفعه للبغي، فإن ذلك ناتج عن ظلمه النفسيه بالكفر أو الفساد أو الضلال، وأن هذا الانحراف والفساد الذاتي هو الذي سيقضي عليه بعوامل داخلية تؤدي إلى إضعافه أو انهياره في النهاية، حتى يستطيع الضعيف المظلوم الصابر الصاعد المقاوم أن يحقق النصر الذي وعد الله به عباده الصالحين إذا صبروا.

     لكن مجرد الصبر لا يكفي وحده، بل يجب على المظلومين أن يراجعوا أنفسهم ويصلحوا أحوالهم، فكثيرًا ما يجعلهم تقصيرهم وعيوبهم ظالمين لأنفسهم «هم أيضًا» ويكونون كلهم أو بعضهم بذلك شركاء للظالمين في الفتنة التي دبرها أعداؤهم، حتى إن القرآن الكريم ذكر على لسان المؤمنين من قوم موسى دعاءهم «ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين».

     إن الفتنة في هذه الحالة تكون متبادلة، وظلم النفس ليس مقصورًا على الظالمين المستكبرين، بل شاركهم فيه المظلومون بما أصابهم من فساد أو غلال أو تقصير في الالتزام بما أمر الله به، ولذلك فإنه -عز وجل- يحذرنا بأنه في حالة وجود عيوب أخلاقية أو اجتماعية في المجتمع المسلم، فإن الله -عز وجل- يفرض عليهم أن يصلحوا أحوالهم، ويعالجوا عيوبهم حتى ينصفهم الله -عز وجل- ويكشف عنهم ما أصابهم من وهن وضعف؛ لأن الله -عز وجل- لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وهذا هو الجهاد الأكبر، جهاد النفس لإصلاحها، الذي لا يغني عنه جهادنا للأعداء.

     هذا هو الموقف الذي يفرضه الإسلام علينا كمسلمين لمواجهة صناعة الفتن التي يدبرها الأقوياء من الكفار والخطائين والمفسدين في الداخل والخارج، ويستغلون في تنفيذها ما يوفر لهم بغيهم من أسباب العنف والكبر والقوة الظاهرة التي يتمتعون بها الآن، لكنها في الواقع لا تحول دون انهيارهم الداخلي؛ بسبب ظلمهم لأنفسهم وفسادهم وضلالهم، أو كفرهم وانحرافهم عن طريق العدل والإحسان الذي فرضه الله عز وجل، كما أن انحرافنا نحن قد يحرمنا من النصر الذي وعد الله به عباده الصالحين.

      في مواجهة الفتن العصرية، واستنباط أحكامها انتهينا إلى أنه يجب علينا الرجوع إلى نصوص الكتاب والسنة؛ لأن ما ورد في كتب التراث عن الفتن كان موضوعها الفتن التي عاصرها أسلافنا، والتي كان أطرافها عناصر داخلية بحتة من طوائف مجتمعنا، ولم يكن للعناصر الخارجية دور جدي مؤثر فيها، ولذلك فإنها تختلف كثيرًا عما نواجهه اليوم من فتن «عصرية» أصبح تدبيرها وتنفيذها صناعة متطورة تتبارى فيها، وتتعاون فيها القوى الباغية المتحكمة في الدول المتقدمة المستكبرة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل