; جولات مع الحداثيين الأدونيسيين | مجلة المجتمع

العنوان جولات مع الحداثيين الأدونيسيين

الكاتب خالد محمد عبدالله

تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-1989

مشاهدات 76

نشر في العدد 934

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 26-سبتمبر-1989

حينما كان الدكتور بسام يتردد على الشاعر السوري بدوي الجبل نصير القصائد الخليلية الممتلئة في ديوانه الشهير، وبدوي هذا - واسمه محمد سلمان الأحمد - نقولها بتجرد، شاعر بحق، صاحب قلم سيال، وشعر غزير وعميق، وبلاغة وفصاحة، يشهد شعره بذلك، ومن التقى به من الأدباء والشعراء.

 

كان الدكتور بسام يطرح على بدوي الجبل أسئلة شتى مستفيدًا من تجاربه وخبرته القديمة حول الشعر ومستقبله في سوريا، فسأله مرة عن ابن خالته أدونيس، فقال له: ما رأيك في علي أحمد سعيد - أدونيس - فأطرق هُنيهة ثم قال: «أدونيس شاعر لو أراد...».

 

وشهد شاهد من أهلها على هذا الرجل أنه شاعر لو سلك طريق الشعراء، وتقيد بعلومهم، وسار على أوزانهم، وطرق أبوابهم التي يطرقونها، وانتهج منهجهم، ولكنه لم يرد أن يسلك طريقهم، فسلك طريقًا آخر بعيدًا عن الشعر وأهله، والأدب وكتابه، والنثر وأحبائه، فركب رأسه، وتنكر لفطرته وعروبته، لقد داس على التراث العربي والإسلامي الذي يعتز به كل من ينتسب إليه، حتى الأعداء بُهروا وأُعجبوا بتراثنا العظيم، إلا أن أدونيس وأتباعه لم يُعجبوا بشيء من التراث العربي الأصيل، وبُهروا بتراث العبرانيين والملاحدة والمشركين.

 

ويكفي هذه الشهادة من أقرب الناس إليه، من بدوي الجبل، بأنه بعيد كل البعد عن الشعر الحق، والكلمة الحق، والطريق الحق، والهدف الحق؛ فاتخذ لنفسه طريقًا آخر، طريق الشذوذ واللف والدوران، طريق المتعة واللذة الجسدية الحيوانية، طريق العجماوات، بل أضل وأسوأ.

 

لقد لبس أدونيس ثوب الملاحدة، واعتنق فكرهم، وسار على سيرهم، ونهج نهجهم؛ فصار أعجمي التسمية، فسمى نفسه بأدونيس بدلًا من علي أحمد سعيد، فلا يرضى بأن يُنادى باسمه، ويغضب من ذلك؛ بل يحب أن يُلهج الناس بلقبه الفريد أدونيس أدونيس..

 

وينقصه شيء آخر حتى يصير أوروبيًا شرقيًا، أو غربيًا، إنها القبعة الصفراء والحمراء.

 

جولات

ولقد قُدر لي أن أصحب الدكتور بسام في جولاته الثقافية، والتي كان يلقي فيها محاضرات حول الشعر ومستقبله في سوريا، مركزًا على الحداثيين وأساليبهم، وأهدافهم البعيدة، والمدمرة لهذه الأمة وتراثها. وكان ذلك في المراكز الثقافية في الساحل السوري، وفي حماة أيضًا، وكان يجتمع في المركز ثلة من أنصار الحداثة الأدونيسية، وعدد غفير من أنصار القصائد الخليلية.

 

وشوكة الحداثيين من أنصار أدونيس قوية في المنطقة الساحلية، ضعيفة في المناطق الداخلية، ولذلك كانت أصواتهم ترتفع في الجامعة والمراكز الثقافية منددة بكل أصالة وكل تراث، مع مجموعة من أبناء جلدتنا الذين ارتدوا عن دينهم، وتنكروا لإسلامهم وعروبتهم، وكانوا إذا وُجدوا في المركز للاستماع للمحاضرة يُقيمون الدنيا ولا يُقعدونها إذا نِيلَ من أدونيس، أو فايز خضور، أو محمد عمران، أو أي رجل من أتباعهم ولو نقدًا علميًا ومنطقيًا وواقعيًا، وفي مركز جبلة وبانياس قامت قيامتهم على الدكتور بسام أثناء المحاضرة وبعدها، ولولا لطف الله تعالى لانهالوا على المحاضر بكلمات ولطمات عدة، فثارت ثورتهم، وعلا بركانهم الحاقد اللئيم، وارتفعت أصواتهم المستنكرة سبًا وشتمًا واستهزاءً واحتقارًا للدكتور وأنصاره، وتواعدوا سرًا، وبيتوا مكرًا، ولا عجب في ذلك، فهذا ديدنهم، وهذا أسلوبهم في النقد ضربًا وقبحًا وحقدًا، و.... فمجمعهم الذي ينهلون منه ممتلئ حقدًا على الإسلام والمسلمين أنى كانوا، وأنى وجدوا، وكل إناء ينضح بما فيه... ولم يكتفوا بهذا، فقاموا بالمهاجمة اللفظية القبيحة على صفحات المجلات المحلية، والتي قامت بدورها بحملة عنيفة على الفكر الرجعي – الإسلامي – الذي يرفض التقدم والتطور والمدنية كما زعموا.

 

وجاءوا بنماذج هزيلة لأناس يحشرون أنفسهم مع الشعراء، ويحسبون أنهم منهم، ونقلوا خبرًا لشاب تقدمي قام ثائرًا في جامعة حلب، وألقى كلامًا يسمونه شعرًا حرًا، فقال: «وأنا الزاني فيكم علنًا»، إنه شعر، وإنها صورة رائعة من خيال عظيم، يصور لنا نفسه، ويُخرج ما في قلبه، ويدعو ويحض على الزنى العلني لا السري؛ لأنه مظهر من مظاهر التقدم الحضاري عند الحداثيين الأدونيسيين الأشرار.

 

إني أراه عاريًا يبول:

وكتب أحدهم على لسان حبيبته وعشيقته، وهي تنظر إليه أثناء قضاء حاجته تحت الخميلة، وأثناء بوله، قائلة: «إني أراه عاريًا يبول»، ما رأيكم بهذه الصورة المشرقة والمنظر الجميل، منظر العاشق وهو يبول عاريًا أمام معشوقته، وهي تنظر إليه، إنه في خيال الحداثيين منظر جميل لشلال ثائر في حدائق غناء.

 

هذا غيض من فيض، نعم وأكثر من ذلك - أيها الإخوة - فالإنسان الفطري العادي لا يمارس الزنى إلا سرًا، يهتدي بفطرته التي لا تسمح له أن يمارس الفاحشة علنًا، أما أن يدعو إلى الزنى العلني المكشوف كما يفعل الحمير والخنازير والبغال، فماذا نسمي هؤلاء وكيف نصفهم؟

 

فقدان الغيرة

لقد طُمست فطرتهم، وماتت نخوتهم، وتبلدت أحاسيسهم، وفاقوا الحيوانات والعجماوات حيوانية ودناءة وخسة ونذالة!!

 

لقد فقدوا الغيرة الفطرية، والعزة والإباء والانتماء للأمة، فليس بينهم وبين أمتهم أي رابط، داسوا على الأخلاق والفضيلة والقيم السامية.. ورضوا بالذي هو أدنى، أناس هذا شأنهم، هل يمكن أن يكونوا حراسًا على الأمة؟ حراسًا على أدبها وشعرها ونثرها؟ حراسًا على أمنها وأمانها وأعراضها؟ حراسًا لها ضد أعدائها ومناوئيها؟؟! ومنهم من وصل إلى موقع المسؤولية وإصدار القرار في هذه الأمة!!؟؟ ﴿فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (البقرة:79).

 

فتلك الغراس التي يريد الحداثيون أن يغرسوها في أوطاننا لتنبت وتترعرع وتؤتي أكلها؛ فلن يكون لها ذلك بإذن الله تعالى، فهذه التربة طينية، نشأت في ظل الإسلام، وترعرعت في ظلال القرآن، وتربت على أحاديث سيد الأنام، فلن تقبل هذه الغراس، وستقطعها من جذورها إن كان لها جذور...

 

إن هؤلاء يتضررون من الحقيقة والحق، والعدالة والعدل، والشعر والشعراء، والعلم والعلماء، والعقيدة والتراث، والأصالة والانتماء، يتضررون من كل ذلك كما يتضرر الجعلان من الطيب، وصدق الله العظيم القائل في محكم التنزيل: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ (إبراهيم:24-26).

 

 

 

 

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 323

111

الثلاثاء 02-نوفمبر-1976

الأسرة (323)

نشر في العدد 1193

84

الثلاثاء 26-مارس-1996

بيولوجية الإيمان والإدمان