العنوان بيولوجية الإيمان والإدمان
الكاتب عادل وجيه سراج الدين
تاريخ النشر الثلاثاء 26-مارس-1996
مشاهدات 84
نشر في العدد 1193
نشر في الصفحة 63
الثلاثاء 26-مارس-1996
استهلك الحديث عن الإدمان، فمنذ أكثر من عشر سنوات لا يمر علينا يوم دون أن تطالعنا أجهزة الإعلام المختلفة بالأحاديث عن هذا الداء العضال، بعضهم يستعرض لنا قصصًا تدعو إلى التشاؤم والبعض الآخر يطرح سبلًا من العلاج، فالشرطي يدعي عقابي فيه العلاج، والقاضي يؤكد قانوني فيه العلاج، والطبيب يبحث دوائي فيه العلاج، والاجتماعي يرى الأسرة هي العلاج والداعية عالم الدين، يقول وعظي هو العلاج، والإحباط يلاحقهم جميعًا.. وهل من يصبر أكثر سيحصد أكثر؟ أم أن النظريات أحق؟ أم أنهم جميعًا فريق متكامل؟
ومن التجارب التي تمت بالكويت، وحصدت نتائج متفائلة تجربة جمعية الإصلاح الاجتماعي والتي تابعتها بحذر وشفقة وعن كثب، وذلك لأني عشت تجارب مماثلة لها وعلى أيادي جهابذة بالطب في العلم والدواء والدين لم يبخلوا بأي مجهود مضن للأخذ بيد المدمن ولكنها لم تحقق الثمرة المرجوة وأعرف أساتذة في الطب عزفوا عن علاج مثل هذه الحالات لفقدهم العائد المعنوي الذي يتمناه أي طبيب وهو شفاء مريضه.
والجديد في تجربة جمعية الإصلاح أنها كانت مكملة للفريق، وجزء من العلاج، واعتمدت على الكلمة الطيبة .. وهذا ما دفعنا لمعرفة ما لأثر الكلمة الطيبة على الإنسان وكيف يمكنها أن تعدل بيولوجية المدمن المتدهورة بعد اختلال فسيولوجيا العقل لديه. فالكلمة الطيبة لها أثر ،ساحر، وفعل ناجع وكم من كلمة تسمعها في الصباح لتسرك وتدخل البهجة في نفسك على مدار اليوم، وقد تنسى الكلمة ويظل أثرها والعكس أيضًا؛ صحيح مع كلمة أخرى قد تجعلك في غم وحزن يومًا وأيامًا، ولذا ليس بالهين ما نحصده بألسنتنا ﴿مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ﴾ ( ق: 18)
الكلمة الطيبة
وبالتالي فإن الكلمة الطيبة المدخلة لفكرة طيبة لعقل المدمن مركزها الجزء المهادي من الفص الأمامي من المخ Prefrontal Cortex تعدل بيولوجيًّا عقله وتفرز الموصلات العصبية المطمئنة دون الحاجة لأن ينالها خارجيًّا فيشعر بالسكينة والنشوة، أي أن الكلمة والفكرة تحمل اللذة!!. ويأتي هذا لأن الموصلات العصبية توصل بدورها إلى الهيبوثلامس أو تحت المهاد Hypo thalamus وبعض أجزاء الجهاز النطاقي Limbic System ويعقبها الشعور والوجدان بمزيد من إفرازات هذه الموصلات العصبية، وخاصة الإندورفينات أو الأفيونات الداخلية للجسم Endorphins بالمقادير التي هي من صنع الله إنا كل شيء خلقناه بقدر القمر (٤٩) "والغريب أن الأفيون الموجود على ثمرة الشجرة له مستقبلات داخل جسم الإنسان، وكأن الثمرة على الأرض خلقت لهذا المخلوق، ولكن ليستعملها في الوقت المناسب وبالقدر المناسب غير متجاوز أو مسرف فالمورفين لا بديل عنه عقب العمليات الجراحية ولوازم طبية أخرى"، وبالتالي من ذاق حلاوة الفكرة وذاق ما لها من أثر سلك سلوك المدافع عنها والمناضل من أجلها، أي أن السلوك يعقب الشعور وليد الفكرة من الكلمة الطيبة، وليس غريبًا لذلك إذا وثق المريض في علاج طبيبه ودوائه شعر بالتحسن، وربما الشفاء من الألم حتى مع عقار لا علاقة له بمرضه لأنه آمن بطبيبه Placebo Effect والمدهش أن هذا التأثير ينعكس ويعود الألم لو أخذ المريض عقار النالوكسون المضاد للأفيونات الداخلية، وكان الإيمان في شيء يعزز إفراز هذه الموصلات العصبية والإندورفينات.
فما بالك لو كانت هذه الكلمة الطيبة هي كلمة الإيمان، وهذا الإيمان هو الإيمان بالله رب العالمين، والفكرة هي الإسلام أسلمت وجهي لله، فالمدمن يسأل والإسلام يجيب، وينصح، خذ دواءك.. استمع لطبيبك.. ولا تقنط من رحمة الله .. وتكلل أعمال الجمعية بمساعدة المدمن ودوام المتابعة والاتصال بالأهل والأقارب والأصدقاء وتوفير عمل له، وزوجة، وبيت، والسفر به للحج والعمرة والمرافقة اللصيقة ليرى بعينيه .. هنا غزوة بدر.. وهنا أحد.. وهنا الخندق. وهنا يرقد الشهداء.. ولنصعد الجبل... الطريق شاق.. الصعود بالغ الصعوبة.. اثبت أحد!! هذا هو الغار.. هيا للطواف.. حان وقت السعي... فلندعو الله ونحن موقنون بالإجابة.. أشياء يقشعر لها البدن إلى متى سيصمد الكذب إلى متى سيصمد غش وخداع النفس والآخرين؟ لأول مرة يفعل المدمن شيئًا بدون مقابل دنيوي، إنه لا يبتغي إلا مرضاة الله، لتزيد الفكرة رسوخًا، وتتعدل بيولوجيا العقل، ويشتهي الإنسان أي من كان في البيت الحرام حلاوة الإيمان ليقول ما بي من سكينة تغنيني عن شرائها بالوهم والضياع، ويسلك سلوكًا آخر.
نتائج طيبة
وتبشر النتائج بشفاء عدد ٦ حالات أعدت في يوم ما أنها ميئوس من شفائها شفاءً تامًّا مهنيًّا وأسريًّا وفكريًّا لمدة أكثر من عامين تاريخ بدء التجربة هم الآن من ضمن فريق العلاج يزورون المدمن المغشي عليه في بيته من جرعة زائدة ويتحدثون إلى أهله وله ويقولون له كنا مثلك أيام الجاهلية الأولى، والحمد لله عرفنا الكلمة الطيبة والفكرة والإيمان والشعور المغني عن هذا الضلال، أصبحت السكينة الداخلية أعلى وأرقى مما حصلنا عليه من قبل. وأيضًا شفي كثير منهم شفاء متذبذبًا وفي طريقهم للشفاء الكامل وغيرهم فيهم الكذاب والأفاق والمخادع، ولكن الصادق منهم يستمر، وكانت البداية من واقع ٥٠ مدمنًا، وبهذا نسعد بانضمام رجال الدعوة والإصلاح إلى فريق علاج الإدمان ونسعد أيضًا بخبرتهم في هذا المجال التي تتقدم يومًا بعد يوم، فالأمر ليس بالشيء اليسير أبدًا، ونطمح في مشروع عملاق للمستقبل يمتد ليساعد من هم جديرون بذلك في سائر العالم الإسلامي كي يصححوا لسائر الأمم مفاهيم الإسلام، وما هو هذا الدين العظيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل