; جواسيس الموساد في الأرض العربيّة | مجلة المجتمع

العنوان جواسيس الموساد في الأرض العربيّة

الكاتب محمد عبد الهادي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1982

مشاهدات 76

نشر في العدد 591

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 19-أكتوبر-1982

● بعض جواسيس العدو كادوا أن يصلوا إلى أعلى مراتب الحكم في بلاد العرب.

• بن غوريون.. المؤسس.

• عبد الناصر.. في هزيمة يونيو أسرار كثيرة تعرفها الموساد.

 مما يثير المواطن العربي كثيرًا موضوع «الجاسوسية» الإسرائيلية على الحكومات والأحزاب العربية، ولعل انكشاف بعض الجواسيس بعد الغزو الإسرائيلي للبنان يشدنا اليوم إلى فتح ملف «الجاسوسية الإسرائيلية» من جديد، ليقف القارئ على جهود الموساد المكثفة لاختراق الأحزاب العربية، والاقتراب من مواقع القوى ومراكزها في بعض البلدان العربية.. والحصيلة التي يستثمرها العدو الإسرائيلي من الجهد التجسسي على هذه الأمة.

الموساد في مرحلة التأسيس

 حين أنشأت دولة إسرائيل عام ١٩٤٨، قام بن غوريون أول رئيس للوزارة الإسرائيلية بجمع الخدمات السرية الداخلية والخارجية لدولته، في شكل إداري له قانونه وبرامجه ووسائله.. ليدخل العمل السري في مرحلة الجاسوسية الكاملة بعد أن كانت مهمته بعد الحرب العالمية الأولى، بحث أمور الهجرة اليهودية وتأمين الاتصال بعواصم العالم، بما فيها بعض العواصم العربية التي كان يحتلها الأجنبي. ولم يقتصر اهتمام هذا الجهاز على تجنيد اليهود، فقد ضم إليه بعض الأجانب وفيهم بعض أبناء الطوائف التي تعيش في الوطن العربي.

 والموساد مثل كل الخدمات السرية في العالم، تجند أعضاءها باستغلال نزعة الأفراد الطامعة في الكسب المادي، حيث تعرض على الناس الذين تراهم مؤهلين لخدمتها عملًا بسيطًا، كتمضية عدة أسابيع في تقليب جرائد عائدة لإحدى البلدان العربية، لكي يحصلوا على معلومات مفيدة، ثم يأتي دور التكوين المهني من الأعمال التطبيقية المتعلقة بالتجسس والتجسس المضاد إلى استعمال الأسلحة والراديو، والتدرب على أعمال التخريب، ومن ثم يدرب جاسوس المستقبل على أدوات التجسس كالقلم الذي يخفى في أنبوب معجون الأسنان مثلًا، وتهتم الموساد كثيرًا بعملائها كما يقول أول رئيس لها، وهو «أيسر هاريل» الذي وضع مبادئ سير الجهاز:

«إن كل فرد من الذين يعملون لأجلنا هو صديق وعضو من العائلة».

 لذا فحين يكشف أحد عملاء الموساد، فإن إسرائيل لا تتوانى عن مقايضته بعشرة رجال أحيانًا.

إيلي كوهين نموذج لجواسيس الحكومات

 مصري المولد سوري الأصل اسمه «إلياهو»، ولد عام ١٩٢٤ في الإسكندرية، نشأ يهوديًا متمسكًا بأصول عقيدته، ظفر في شبابه بمنحة دراسية للتعليم في مدرسة الليسية الفرنسية. درس التلمود وحفظ كثيرًا من نصوصه عن ظهر قلب، وذلك بإشراف موشه فنتورا كبير حاخامي الإسكندرية.

 في عام ١٩٥٠ هاجرت أسرة كوهين إلى فلسطين المحتلة بعد إعلان الدولة اليهودية، وبقي هو في مصر حيث التحق لإكمال دراسته في جامعة الملك فاروق. وفي عام ١٩٥١ ذهب واحد من كبار عملاء إسرائيل إلى مصر، لتوجيه عمليات التجسس وجهود الهجرة، وكان اسمه «أبراهام دار» لكنه تنكر باسم «جون دارلنغ»، وكانت مهمته تجنيد الشباب المتفوقين من يهود مصر للقيام بأعمال تجسسية خطيرة، وكان أول من جندهم إيلي كوهين وشابة من المشتركات في المباريات الأولمبية تدعى «مارسيل نينيو»، وكانت تربطهما علاقات صداقة مع بعض ضباط الجيش المصري. وفي حينها أرسل «إيلي» إلى فلسطين المحتلة للتدرب لمدة ثلاثة أشهر على مبادئ أعمال الاستخبارات، ثم أعيد إلى مصر، ولما قام محمد نجيب بانقلابه على الملك فاروق، انكشفت بعض حلقات الجواسيس اليهود واعتقل «إيلي كوهين»، لكنه صمد -كما يقال- في الاستجواب أمام ضباط التحقيق في المخابرات المصرية، ثم أطلق سراحه. وفي عام ١٩٥٥ انكشفت حلقة سرية للموساد في مصر، وكان كوهين على اتصال بها إلا أنه -وكما يقال- أقنع المحقق أنه صهيوني في معتقداته فقط، فأخلي سبيله في 20/ 12/ 1956 ليغادر مصر إلى نابولي، ومنها إلى فلسطين المحتلة، حيث عمل في الاستخبارات المضادة، وكان عليه أن يكتب تقارير تحليلية عن شخصيات صانعي السياسة العربية، وفي عام ١٩٥٩ تعرف إيلي على امرأة عراقية تدعى «ناديا»،وذلك في نادي الجنود بتل أبيب حيث انتهى التعارف إلى الزواج.

 وفي عام ١٩٦٠ انتقل إيلى إلى مرحلة جديدة فرغ فيها لدراسة جميع مناهج الموساد النظرية – والعملية. حيث رسمت له شخصية منتحلة وبدأ تدريبه في مدينة الناصرة العربية. وتم تقديمه إلى الشيخ محمد سلمان بهوية مزورة باسم كامل أمين ثابت، بوصفه طالبًا في جامعة القدس يريد أن يدرس الدين الإسلامي، وبدأ بالتردد على المساجد يوميًا حيث صلى مع الجماعة وحفظ بعض نصوص القرآن، ولما رأى مدربوه فيه عميلًا من الطراز الأول قرروا إرساله إلى سوريا لمهام خطرة،وهنا بدأت تعرض عليه أفلام عن سوريا ومدنها وجبهتها، وعادات أهلها ولهجتهم، كذلك ألزم بتعلم اللهجة الأرجنتينية وهي إسبانية الأصل يتقنها إيلي، حيث سافر عام ١٩٦١ إلى الأرجنتين، لتكون بالتالي منطلقه إلى سوريا، وفي الأرجنتين تعرف على عميل اسمه «أبراهام» الذي زوده بما يلزمه ليصبح بعد ذلك «كامل أمين ثابت»، شخصية شعبية من دائرة المهاجرين السوريين الواسعة في «بيوني آيرس»، حيث توصل إلى السلك الديبلوماسي السوري عن طريق صحافي اسمه عبد اللطيف الخشن، ومن هنا تعرف بأمين الحافظ ومتن علاقته به، وأظهر له كل مشاعر حب الوطن والرغبة بالعودة إلى سوريا. وفعلًا أخذ «كامل أمین ثابت» مئات العناوين لوجهاء ورجال الأعمال والسياسة الدمشقيين، وترك الأرجنتين متوجهًا إلى حي آلي رمانة، ليكون سكنه في مواجهة مبنى قيادة الأركان السورية، حيث كون شركة استيراد وتصدير نجحت نجاحًا هائلًا.

 وكان إيلي يستخدم ليلًا جهاز الإرسال المصغر الذي خبأه في قدح نحاسي للزينة، والذي علق له هوائي الإرسال بين هوائي التلفزيون على سطح الشقة. وكانت تقاريره وأفلامه المصغرة تشتمل دائمًا على أمور تهم رؤساءه من أوسع الناس نفوذًا في أوساط الحكومة والعسكريين، ومن أهم من ارتبطوا بصداقته في هذه الفترة معز الدين زهر الدين ابن أخ رئيس الأركان عبد الكريم زهر الدين، وجورج سيف المسؤول عن الإذاعة في وزارة الإعلام، والكولونيل سليم حاطوم وهو درزي وقائد لواء المظلات الممتاز.. وكان هؤلاء الأصدقاء يظهرون له كثيرًا من الامتنان لتساهله في علاقاتهم غير الزوجية، حيث كان يضع لهم مفتاح البيت في مكان معهود. ولما بدأ حكم البعث عاد رفاق الأرجنتين إلى دمشق، حيث التقى «إيلي» بأمين الحافظ في قصر الرئاسة بحضور سامي الجندي وزير الإعلام، وهكذا صار اسم «کامل أمین ثابت» ممن تتناقله الألسن بوصفه من ألمع الذين تعقد عليهم الآمال بين زعماء سوريا، فقد رشح اسمه ليخلف وزير الإعلام السوري، على أن هذا الجاسوس كان يصور كل ما تقع يده عليه خلسة في مكاتب الضباط والوزراء والمسؤولين الذين يزورهم، ليرسل ذلك بأساليب خاصة إلى تل أبيب، لكن الحظ قلب ظهر المجن «الكامل أمين ثابت» حيث لاحظت السفارة الهندية مرارًا أصوات تشويش ورفعوا شكواهم لمدة طويلة، وعلى الرغم من أن الكهرباء قطعت مرتين في الحي، فإن أجهزة فحص التشويش التقطت إشارات صادرة من شقة هذا الجاسوس، ولما فحص سطح المبنى انكشف الهوائي الخاص وانكشف أن إيلي كان يستخدم البطاريات لدى انقطاع التيار الكهربائي.. وهنا تم اعتقال كوهين الذي كان يرسل حين اعتقاله إشارات مرموزة، استرقها من صديقه سليم حاطوم قائد لواء المظلات!!

• حافظ الأسد والسادات.. الموساد كشفت أخبار حرب 1973.

دور الجاسوسية في حرب ١٩٦٧

 كانت سوريا ومصر تعتمدان في شؤونهما على جهاز الاستخبارات الروسي.. وعلى الرغم من عدم ثقة إسرائيل لجدية ذلك الاعتماد، فإنها كانت تعتمد على جواسيسها في معرفة كل الأمور عن الجبهتين السورية والمصرية.. وعندما بدأت معالم الحرب تظهر قبل ٦ يونيو، قررت إسرائيل أن تكون البادئة معتمدة على تقارير سرية لرجلين هما:

1- ولففاتع لوتس: محب الخيول الذي كان يرسل كل ما تقع عليه يده من المعلومات داخل مصر ومنطقة سيناء إلى الموساد الإسرائيلية، والتي قدمت كل ذلك إلى جيش إسرائيل الذي حدد أهدافه بدقة بسبب ما توفر لديه من معلومات، وكانت أول تلك الأهداف هي المطارات التي ركز فيها سلاح الطيران المصري طائراته الحربية، وكان الطيارون الإسرائيليون على معرفة تامة بمواقع منشآت الرادار المصرية، ونقط الرادار العمياء، وقد مضى الإسرائيليون عبر تلك الخطوط دون أن يكتشف أمرهم حتى اللحظة الأخيرة، والعجيب أن الإسرائيليين كانوا يملكون مواعيد دقيقة بشأن تناول الطيارين المصريين لوجبة الإفطار، حيث شنوا هجومهم على المطارات في الموعد نفسه.

2- إيلي كوهين الذي تمكن خلال مدة قليلة قبل انكشافه، من تزويد الموساد بكل شؤون الجبهة السورية والأركان العسكرية ومطارات القوى الجوية، الأمر الذي مكن الطيران الإسرائيلي من تدمير كل المواقع الخاصة بالدبابات والمدفعية في جبهة الجولان الحصينة وبشكل دقيق جدًا.

في حرب أكتوبر

 على الرغم من أن قيادة الجيش الإسرائيلي لم تكن تتوقع أن يشن العرب حربًا عليهم فإن قيادة الموساد كانت شديدة القلق، ففي الأسبوع الثاني من سبتمبر تبدى جليًا لها وبواسطة عملائها في سوريا ومصر، أن البلدين يخططان لشن الحرب، كما أكدت المعلومات للموساد أن العملاء في جميع أرجاء أوروبا والشرق الأوسط يؤكدون صحة الأمر بالإجماع، حتى إن بعضهم -ممن وجدوا في دمشق والقاهرة- قالوا إن الحرب ستقع بعد عشرة أيام، وقال آخرون بوقوعها بعد أسبوعين، وكان عملاء الموساد قد قدموا أكداسًا هائلة من الوثائق المكتوبة بالشيفرة بصدد الحرب، كما قدم أولئك العملاء تفصيلات دقيقة عن الكيفية التي ينوي بها السوريون والمصريون القيام بالهجوم، وأين ستقوم وحدات الكوماندوس بإنزال طائراتها الهليكوبتر في سيناء، وأين ستوجه الطائرات المقاتلة ضرباتها.

 ترى هل كان بعض أفراد القادة في البلدين يتعاملون مع الموساد لتبلغ عدد الرسائل التي وصلت إلى تل أبيب «400» رسالة!!

نماذج جديدة

 هنالك نماذج جديدة للتجسس الإسرائيلي على الأحزاب والحكومات العربية كشفت عنها أحداث لبنان الأخيرة، حيث اكتشف سكان بيروت أن مدينتهم ملغومة بالجواسيس الإسرائيليين الذين يراقبون عن كثب نشاطات المنظمات الفلسطينية والأحزاب اللبنانية. وقد انكشف بين الجواسيس شخصيات عديمو الأهمية كانت تعيش في العاصمة قبل الهجوم، ومن ثم ظهرت بعد الغزو مؤخرًا مع مخابرات جيش العدو الغازي برتب ضباط في معظم الأحيان.

● فعند نهاية شارع «الحمرا» يوجد مبنى يلتقي عنده رجال المخابرات السورية، وعند هؤلاء يتردد كل يوم رجل متشرد غريب الأطوار يطلق عليه اسم «أبو الريش»، حيث اعتاد أن يضع أجراسًا وأشرطة على شعره ويعتقد أهل الحي أنه مجنون، على الرغم من أنه يتقن أربع لغات، ولا يشك البعض بأن له صلة مع المخابرات السورية في الحي. والذي فاجأ المدنيين أن هذا المجنون ظهر بعد ثلاثة أشهر من جديد مع الجيش الإسرائيلي في بيروت الغربية، وهو يحمل رتبة كابتن، ويعمل كمرشد للفرق المكلفة بإلقاء القبض على الأشخاص المشتبه بهم.

● أما وليد جمال فقد اختار المكوث كجاسوس داخل الحزب السوري القومي الاجتماعي، حيث أصبح على وجه السرعة أحد المسؤولين السياسيين فيه، حيث يستطيع من هذا الموقع أن يختلط بجميع المسؤولين في جميع الأحزاب اللبنانية الوطنية والمراكز الفلسطينية في لبنان، ولم يلاحظ على الرجل أي أمر ليظهر فيما بعد في القطاع الغربي عندما دخل الإسرائيليون ولديه زي عسكري إسرائيلي.

● وفي تنظيم الناصريين «المرابطون» وجد جاسوس يدعى علي علوان.. وكان أحد المسؤولين العسكريين للتنظيم، وأكد بعض الشهود أنه عندما دخل الجيش الإسرائيلي، قتل علي علوان ثلاثة من الشبان الذين كانوا ينصبون كمينًا، وأنه كان يقود بعد ذلك منطقة مار إلياس مجموعة من عملاء الموساد، وكان يحمل تصريح مرور وتصريحًا بحيازة أسلحة إسرائيلية.

● أما منظمة الصاعقة السورية، فيذكر المطلعون أنها مليئة بالجواسيس العاملين لحساب الموساد والصاعقة، منظمة فلسطينية موالية للنظام السوري في كل حركاتها وسكناتها، وفيها من جملة الجواسيس عامل إطفاء هو أحد أعضاء الموساد الذين اشتركوا في القبض على العديد من المقاتلين الفلسطينيين. كما كشف للجيش الإسرائيلي والكتائب مخابئ الأسلحة الخاصة بالمقاومة الفلسطينية.

وأخيرًا

 ماذا سيقول المواطن العربي لو اطلع على ما خفي من ملفات الموساد الخاصة في المنطقة العربية، وأين سيضع ثقته بعد ذلك؟ وكيف سيقيم الأحداث في صراعنا مع عدونا اليهودي؟!

 نعم إذا كانت بعض الأنظمة تتساهل وتغض الطرف حتى كان كوهين أن يحتل إحدى الوزارات، فهذا أمر ليس له سوى أحد تفسيرين: الغباء المطلق، أو الخيانة العظمى.

الرابط المختصر :