; جنون العبقرية | مجلة المجتمع

العنوان جنون العبقرية

الكاتب محمد محمود كالو

تاريخ النشر السبت 26-أبريل-2008

مشاهدات 62

نشر في العدد 1799

نشر في الصفحة 44

السبت 26-أبريل-2008

الجنون: هو ذهاب العقل أو فساده، ويعرفه قانون الجزاء بقوله: إنه حالة اضطراب عقلي تسقط عن الشخص المسؤولية الجنائية المترتبة على سلوكه، وذلك على أساس أن المسؤولية تفترض القدرة على التمييز بين الخير والشر، وعلى تكييف السلوك وفقًا لأحكام القانون. وعلماء القانون يركزون على حالة المجرم عند ارتكاب الجريمة، متسائلين هل كان مالكًا قواه العقلية أم لا؟ من غير اكتراث لحالته قبل الفعل أو بعده، وهذا هو مجنون «المارستان»...

والجنون فنون، فهناك جنون البقر: وهو مرض خطير ظهر في بريطانيا. 

وهناك جنون الارتياب: وهو اضطراب عقلي يتميز المصاب به بخصال أبرزها: الشك والارتياب والحسد والشعور بالاضطهاد، وبإساءة فهم أية ملاحظة أو إشارة أو عمل يصدر عن الآخرين، حتى ليتوهم المرء أن ذلك كله لا يعدو أن يكون سخرية به أو ازدراء له. 

ومن المصابين بجنون الارتياب من يتوهم أنه عليم بكل شيء، أو نبي عظيم، أو مخترع كبير، أو شاعر لا يشق له غبار! 

وإذا سمع المرء أن رجلًا لا يفرق بين السروال والقميص، ولا بين الجمعة والخميس، قال: إنه مجنون. 

وهناك جنون الغرام، حتى دعي قيس بن الملوح الذي عشق ليلى العامرية بمجنون ليلى. 

وإذا شاهد رجلًا يعتزل في كوخ، أو ينفرد في غار ولا يقبل على الدنيا، قال: إنه مجنون.

ولكن الإمام الغزالي - رحمه الله تعالى - عاف الدنيا، وحبس نفسه في أصل منارة الجامع الأموي بدمشق، فهل كان حجة الإسلام مجنونًا؟ الحقيقة: لا.

وإذا سمع الإنسان أن أحدًا نسي اسمه قال عنه: إنه مجنون، ولكن الجاحظ نسي كنيته، وطفق يسأل عنها، حتى جاءه رجل بالبشارة بلقياها، وقال له: أنت أبو عثمان فهل كان عبقري الأدب مجنونًا؟ 

ونيوتن (١٦٤٣-١٧٢٧م): الرياضي والفيزيائي الإنجليزي، يعتبر أبرز وجوه الثورة العلمية في القرن السابع عشر وأحد أعظم العباقرة في تاريخ العلم الحديث، وضع النظرية الجسيمية في الضوء، وقانون الجاذبية العام، وقوانين الحركة. 

كانت له في داره قطة كلما أغلق عليه بابه، وقعد إلى كتبه ومباحثه، أقبلت القطة تخرمش الباب بأظفارها، فتشغله عن عمله، حتى يقوم ويفتح لها الباب، فلما طال عليه الأمر، كد ذهنه فاهتدى إلى المخلص، ففتح في أسفل الباب فتحة تمر منها القطة، فاستراح بذلك من شرها، ثم إنها ولدت ثلاث قطيطات ففتح لكل واحدة منها فتحة، لم يستطع هذا العقل الكبير الذي وسع قانون الجاذبية، أن يتسع لحقيقة صغيرة هي أن الفتحة الكبيرة تكفي القطة الأم وأولادها! 

فهل كان نيوتن مجنونًا؟ كلا، ولكنه جنون العبقرية! 

وأمبير (١٨٣٦-١٧٧٥م): الرياضي والفيزيائي الفرنسي، يعتبر أبا الكهرطيسية أو المغناطيسية الكهربائية، ابتكر جهازًا لقياس تدفق التيار الكهربائي، ومن أجل ذلك سميت على اسمه وحدة قياس شدة التيار الكهربائي، وقد كانت تعرض له مسائل في الطريق، فلا يجد قلمًا لها وورقًا، فحمل معه «طباشير» فكلما عرضت له مسألة ورأى جدارًا، وقف فخط عليه، وذات مرة رأىعربة واقفة، فجعل يكتب عليها أرقامه ورموزه، واستغرق فيها مليًا حتى سارت العربة، فجعل يعدو خلفها وطباشيره بيده، وهو لا يدري ما يصنع فهل كان هذا العالم مجنونًا؟! قطعًا: لا. 

أما صاحب «المعلمة التركية» دائرة المعارف التركية المشهور «أمر الله أفندي» كان يركب البحر كل يوم ما بين داره في «إسكدار» وعمله في «إسطنبول» فركب ذات يوم، وكان إلى جنبه موظف كبير في السفارة البريطانية، وكان في جيب البريطاني فستق حلبي، وكان أمر الله أفندي مشغول الفكر، فجال بيده وهو لا يشعر، فسقطت في جيب البريطاني ووقعت على الفستق، فأخرج منه فأكل، وظن البريطاني أنه مزاح فسكت ولكن الشيخ عاد حتى كاد يستنفد الفستق كله، فأراد البريطاني أن يتلطف بالشيخ عسى أن يكف، فسأله: كيف وجدت الفستق؟

قال: عال! وعاد إلى أكله وتفكيره. 

فقال له: ولكن ليس في جوار الدار مثله فأشتريه للأولاد، وإذا دخلت عليهم بلا فستق بكوا؟ 

قال الشيخ: عجيب! وعاد إلى أكله وتفكيره، فقال له: أفلا تتكرم بإبقاء شيء لهم؟ 

قال: بلى، بكل امتنان، وأخرج طائفة من الفستق، فدفعها إلى البريطاني وأكل الباقي! فهل كان صاحب هذه المعلمة مجنونًا! 

ولما ولي وزارة المعارف، أعطي سيارة، فكان كلما بلغت به السيارة المنزل، وفتح له السائق الباب، أخرج كيسه وسأله: كم تريد؟ فيقول له: ياسيدي هذه السيارة لمعاليك فيتذكر ويقول: طيب. 

وسألته امرأة ذات يوم، وكان يمشي أمام داره: أین دار وزیر المعارف يا سيدي؟ فقال لها: ومن هو وزير المعارف الآن؟ 

وعبد المسيح وزير، كان من كبار موظفي وزارة الدفاع في العراق، دخل عليه زائران من أحبابه فدعا لهما بـ «شاي»، وتدفق الحديث وهو يشرب كأسه، فلما فرغت وضعها وتناول كأس صاحبه ثم ثلث بكأس الآخر، ولما جاء الفراش ليأخذ الكؤوس قال لصاحبيه: سألتكم بالله أتشربان آخر؟ أفكان هؤلاء مجانين؟

أما في رأي العامة من الناس: فنعم! 

ولكنه جنون العبقرية، وقد قال الشاعر:

وكل الناس مجنون، ولكن *** على قدر الهوى اختلف الجنون

حقًا إن الجنون...فنون!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1954

66

السبت 28-مايو-2011

الفتنة أشد من القتل

نشر في العدد 890

89

الثلاثاء 08-نوفمبر-1988

استراحة المجتمع: (العدد: 890)

نشر في العدد 1194

72

الثلاثاء 02-أبريل-1996

الشئون الصحية في البلاد