العنوان ثقَافة الدَّاعية (355)
الكاتب د. يوسف القرضاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يونيو-1977
مشاهدات 107
نشر في العدد 355
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 21-يونيو-1977
ثالثًا- أنه يزيد الداعية فهمًا لأسرار كثير من الأحكام الشرعية؛ فیزداد إیمانًا بکمال عدل الله وحكمته فيما شرع، ويكون أقدر على بيان ذلك لغيره من الناس. من ذلك جعل قوامة الأسرة بيد الرجل لا المرأة، فلم يكن محاباة لجنس الرجال ولا حيفًا على جنس النساء، كيف والله خالق الذكر والأنثى جميعًا وهو ربهما جميعًا؟
يقول الدكتور يوسف مراد: كثير من البحوث التي استخدم فيها مقاييس التقدير الذاتي للشخصية- والتي طبقت على مجموعة من الذكور والإناث الكبار- بينت أن هناك فروقًا بين الجنسين في النواحي الانفعالية، ومما يمثل هذه الدراسات بحث للتقدير الذاتي بمقاييس «برنوويتر»، وكان من نتائج تطبيقه أنه تبين أن الرجال بالتأكيد أكثر ثباتًا من النساء، وأنهم أقل تعرضًا للأعصاب وأكثر اعتمادًا على أنفسهم، وأقل انطواء وأكثر سيطرة وأكثر ثقة في أنفسهم من النساء. (ميادين علم النفس 2/606-607).
رابعًا- أنه يعين الداعية على فهم نفسية من يدعوه من الأفراد أو الجماعات، ودراسة اهتماماتهم وما تؤثر في نفوسهم؛ ليخاطبهم على قدر عقولهم ويعطيهم بقدر ما يقبلون ويطيقون. دون أن ينفرهم أو يثقل عليهم، أو يجلب لهم الملل والسآمة.
وهنا نذكر الوصية النبوية: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» وكان عبد الله بن مسعود يذكر الناس في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لوددت أنك ذكرتنا كل يوم! قال: «أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملَّكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السآمة علينا».
علم الاجتماع:
وهو العلم الذي يعنى بدراسة المجتمع البشري في مختلف جوانبه، ويعمل على تحليل ظواهره والكشف عن القوانين التي تحكم مسيرته.
والغربيون ينسبون تأسيس هذا العلم إلى أوجست كونت الفيلسوف الفرنسي، ويسمونه «أبا الاجتماع» جاهلين أو متجاهلين الوثبات الرائعة التي حققها العلامة عبد الرحمن بن خلدون في هذا العلم، كما يلاحظ ذلك بوضوح من درس «مقدمته» الفذة في فلسفة التاريخ.
ولهذا العلم مدارس عديدة، وفيه اتجاهات متباينة، ولكل منها مناهجه في البحث والتحليل، من المنهج التاريخي، إلى المنهج التطوري، إلى المنهج المقارن، إلى المنهج الوظيفي، إلى المنهج الصوري أو النظري، إلى ما جد ويجد من مناهج يعلمها الله وحده. حتى قال أحد النقاد يومًا عن علم الاجتماع: إنه علم ذو أكبر عدد من المناهج وأقل عددمن النتائج.
ويحسن بالداعية أن يطلع على نبذة من أصول هذا العلم، وأهم مقرراته وأحدث ما انتهى إليه رجاله.
فكثيرًا ما يُتخذ بعض ما يحويه هذا العلم سلاحًا لضرب الدين، وتعويق دعوته من مثل ما سماه «كونت» قانون الدورة الثلاثية، الذي يقضي بأن دور الدين قد انتهى، كما انتهى دور الميتافيزيقا الفلسفية، ولم يبقَ إلا دور العلم التجريبي.
وما قرره غير «كونت» من اعتبار الدين ظاهرة اجتماعية وتفسير كل دعوات الأنبياء على أنها من صنعالبشر.
ومثل ما قرره دور كايم من أن الفرد دمية يحرك خيوطها المجتمع؛ مما يتنافى مع المسئولية الفردية التي يؤكدها الدين، ويقيم عليها بناء التكليف وفكرة الثواب والعقاب.
ومن المهم بل من الضروري أن تعرض أسس هذا العلم من منظور إسلامي، ومن منطلقات فكرية تنسجم مع عقيدة الإسلام ونظرته إلى الدين والحياة والإنسان والتاريخ؛ حتى يتخذ وسيلة لفهم أوضاع المجتمع،ودراسة مشكلاته دراسة علمية ومعرفة أسبابها. ومحاولة علاجها علاجًا جذريًّا لا مسكنًا.
الفلسفة :
ويحسن بالداعية أن يلمأيضًا بالفلسفة واتجاهاتها المادية والروحية والوضعية والمثالية، وبتاريخ الفكر الإنساني عامة والإسلامي خاصة؛ لا ليعتنق آراء الفلاسفة أو يتبنى وجهة نظرهم في الإلهيات والأخلاقيات أو الاجتماعيات، ولكن ليفيد من وراء دراستها في نواحي أخرى منها:
أ- أن يتمكن من فهم الأفكار والفلسفات التي غزت كثيرًا من عقول أبناء المسلمين اليوم، وأصبح لها دعاة ومروجون في قلب ديار الإسلام من أساتذة الجامعات ورجال الأدب والثقافة والإعلام، فهذا تطوري وآخر وضعي وثالث ماركسي ورابع وجودي، إلى غير ذلك من المدارس الغربية والشرقية الواقعية أو المثالية اليمينية أو اليسارية. تختلف اتجاهاتها وتتفق على رفض الإسلام، وليس يقبل منا السكوت على هذه الأفكار والفلسفات- على طريقة النعامة المعروفة- وهي تغزونا في عقر دارنا، وتأسر إليها أبناءنا، كما أننا لا نستطيع مقاومتها فكريًّا، ما لم نحسن فهمها وتصورها، وقديمًاقال أهل النظر «الحكم على الشيء فرع عن تصوره».
ب- أن يتمكن من الرد على الفكر المخالف للإسلام بسلاح الفكر نفسه، لأن الرد على المخالفين بالقرآن والحديث لا يصلح إذ هم لا يؤمنون بهما. وهذا ما فعله مثلًا الإمام الغزالي في كتابه «تهافت الفلاسفة»،وما فعله شيخ الإسلام ابن تيمية في «درء تعارض العقل والنقل» أو «موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول» وفي «نقد المنطق» وغيره، ولولا هضمهما للأفكار الفلسفية ما استطاعا نقضها من القواعد.
وهذا ما يجب أن يصنعه كل داعية للإسلام مع الأفكار الوافدة الهدامة.
ج- أن يعرف- بدراسة تاريخ الفكر- الأصول والمنابع لكثير من التيارات الفلسفية والمذاهب الفكرية والوجودية، وهذا يعين الباحث على تقويمها ونقدها نقدًا علميًّا مستوعيًا، كما يعرف الجذور التاريخية لكثير من التحريفات التي دخلت على الأديان الكتابية ذاتها، كما يتضح ذلك من فكرة التثليث والصلب والفداء والبنوةلله.. إلخ، وإلى ذلك يشير القرآن بقوله في أهل الكتاب: ﴿ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾ (التوبة: 30).
د- أن يطلع على تخبطات الفكر الإنساني إذا بحث في الغيبيات وقضايا الوجود الكبرى وحده، دون دليل أو معين من وحي الله وهداه، وقد قال أحد الفلاسفة «كانت» في نتائج البحوث العقلية الميتافيزيقية إنها أشبه بورق نقد بغير ضمان.
وبذلك يزداد إيمانًا بما هدى إليه وحي الله، فيستريح عند ذلك ويريح ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ ﴾ (البقرة: 120).
ه- أن ينتفع بما يجده من نتائج العقل وثمار الحكمة، مؤيدًا لما معه من حق خالص جاء به الوحي، وفي الحديث «الحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق بها» رواه الترمذي.
ولا عجب أن يتفق النقل والعقل، ويلتقي نور الفطرة السليمة بنور الوحي الصادق، فيظهر من بينهما «نور على نور»، بل الواجب أن يلتقي العقل الصريح والنقل الصحيح فإنه من آثار رحمة الله بعباده وبره بهم ونعمته عليهم، وآثاره تعالى لا تتناقض، فإن بدا لنا شيء من التناقض بين العقل والنقل فلا بد أن يكون النقل غير صحيح أو العقل غير صريح، وهذا ما وضحه وبرهن عليه شيخ الإسلام في كتابه الآنف الذكر، ومن المهم جدًّا أن يكتب عن أصول الفلسفة وتاريخها ومشكلاتها الكبرى وتياراتها المعاصرة، بأقلام إسلامية متخصصة تتميز بالنضج والأصالة، والإيمان العميق بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق، والتحرر من سيطرة أي فكر غازٍ دخیل.
علم الأخلاق :
ومما يدخل في الفلسفة علم الأخلاق، بنظرياته المختلفة ومدارسه المتعددة فهو جزء من الفلسفة، وليس «علمًا» كما زعم «ليفي برول» من فلاسفة المدرسة الاجتماعية الفرنسية. لأن العلم بحث عن ما هو كائن، وهذا يبحث عما يجب أن يكون، وموضوعه إحدى القيم الرئيسية الثلاث التي تنشدها الفلسفة وهي: الحق والخير والجمال، وتختص فلسفة الأخلاق بالبحث عن الخير كما هو معلوم.
خامسًا :
الثقافة العلمية
ولسنا نعني بالعلم هنا معناه عند أهل اللغة، ولا مدلوله الاصطلاحي القديم عند أهل المنطق أو علماء الكلام وأشباههم، ولا مفهومه الإسلامي كما جاء به القرآن والسنة، إنما نعني بكلمة العلم مفهومها الاصطلاحي الحديث، كما شاع عند الغربيين، ونقله إلينا الناقلون من أهل العربية، حتى أصبح مصطلحًا شائعًا ولا مشاحة في الاصطلاح. ومدلول العلم عندهم هو ما قام على الملاحظة والتجربة وخضع للقياس والاختبار، مثل علوم الفيزياء والكيمياء والأحياء.. النبات والحيوان والجيولوجيا والفلك والتشريح والطب وغيرها.
ولا نريد للداعية أن يتعمق في دراسة هذه العلوم، فإن هذا غير مقدور عليه، والعمر لا يتسع والطاقة لا تحتمل، والمعارف لا تنتهي ولا تقف عند حد.
إنما نريد أن يطالع بعض الكتب الميسرة منها مما يعد لغير المتخصصين، وكذلك المقالات العلمية في المجلات مما ينشر ليقرأه جمهور المثقفين- والمفروض أنه واحد منهم- وذلك بعد أن يكون قد درس الأصول المهمة من هذه العلوم في المرحلتين الإعدادية والثانوية، دراسة تمكنه من متابعة الفكر العلمي- ولو بقدر- فيما بعد.
والثقافة العلمية مهمة في عصرنا للمثقفين عامة، وللدعاة خاصة، وذلك لأسباب :
- أنها مهمة لفهم الحياة المعاصرة، وقد أصبح العلم شريانها والمحرك لكثير من أمورها، فما من بيت إلا دخلته آثار العلم الحديث، من كهرباء وأجهزة وأدوات.
حتى المسجد نفسه نجد فيه ساعة جدارية، ومكبرات للصوت، وقد نجد فيه أجهزة للتسجيل، وكلها من إنتاج العلم الحديث. ولا يجمل بالداعية أن يعيش في دنيا يسيرها العلم ويدير رحاها، ولا يدرك الأوليات والأساسات لهذا العلم.
- أن بعض ما يعزى إلى العلم وتحتويه كتبه ومقرراته يُتخذ وسيلة للتشكيك في الدين، مثل نظرية النشوء والارتقاء في الكائنات الحية، التي تعرف بنظرية التطور لداروين وغيره. فلا بد من معرفة شيء عن مثل هذه النظرية، وقيمتها من الناحية العلمية، حتى يمكن للداعية اتخاذ موقف محدد منها، بناء على دراسة صحيحة لا على خيالات أو إشاعات. والحكم للشيء أو عليه فرع عن تصوره.
- أن من الحقائق العلمية ما يمكن للداعية استخدامه في تأييد الدين وتوضيح مفاهيمه ونصرة قضاياه والذب عنه، بدفع شبهات خصومه ومفتريات أعدائه، وذلك يبدو في عدة صور، منها:-
- تقريب بعض المعتقدات والحقائق الدينية من أفهام أهل العصر، وتأييدها بمنطق العلم التجريبي نفسه، حتى إن أولى قضايا الدين وكبراها وهي إثبات وجود الله تعالى، يستطيع هذا العلم أن يقوم فيها بدور بناء، فيقيم الأدلة، ويدحض الشبهات بوساطة فروعه العديدة من رياضيات وفلك وفيزياء وكيمياء، وأحياء، وطب وغيرها. كما رأينا ذلك في مثل كتاب أكريس موريسون- الإنسان لا يقوم وحده- المترجم إلى العربية تحت عنوان- العلم يدعو إلى الإيمان، وكتاب الله يتجلى في عصر العلم لثلاثين عالمًا أمريكيًّا معاصرًا- وكتاب مع الله في السماء- للدكتور أحمد زكي.
ورأينا مفكري المسلمين ينتفعون بذلك في نصرة العقائد الدينية، كما في كتاب قصة الإيمان بين الدين والعلم والفلسفة للشيخ نديم الجسر، وكتاب الإسلام يتحدى للمفكر الهندى وحيد الدين خان، وقد جعل له مُراجعه د-عبد الصبور شاهين عنوانًا فرعيًّا هو: مدخل علمي للإيمان.
لقد كان المشتغلون بالفلسفة والكلام قديمًا يستبعدون بل ينفون أن يرى الإنسان عمله في الآخرة بعد أن فرغ منه في الدنيا، لأن الأعمال أعراض، والعرض لا يبقى زمانين، وعلى هذا يؤولون مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ (الزلزلة: 6).
وقوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ﴾(آل عمران: 30) وما شابهها من آيات، بأن المراد بالأعمال جزاؤها، أي ليروا جزاء أعمالهم، فجاء العلم الحديث يثبت أن أقوال الإنسان وأعماله كلها موجودة في الفضاء، وأنها يمكن أن تسجل وتصور وتبقى ولو بعد حدوثها بزمن طويل، وإن لم يوفق الإنسان لاختراع آلة تقوم بهذه المهمة حتى الآن،
ولكن العلم لا ينفي إمكانها. ومعنى هذا أن كل إنسان يمكن أن يواجَه بقوله وعمله طيلة حياته في صورة فيلم تسجيلي ناطق، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وبهذا يرى عمله حقيقة لا مجازًا.
ب- يستطيع العلم بمكتشفاته ومقرراته أن يؤيد كثيرًا من الأحكام الشرعية ببيان ما اشتملت عليه من جلب المصالح للناس ودرء المفاسد عنهم، وبذلك يزداد الذين آمنوا إيمانًا ويضعف جانب المرتابين والمشككين في كمال الشريعة الإسلامية، وصلاحيتها لكل زمان ومكان.
يستطيع علم الطب أن يعطينا صورة واضحة لما تجنيه أم الخبائث الخمر على شاربيها ومدمنيها من أضرار جسيمة على الأفراد وعلى الأسر، وعلى المجتمعات ماديًّا ومعنويًّا، وبهذا تتبين حكمة الإسلام في تحريم الخمر، ولعن كل من شارك في صنعها أو الإتجار بها أو تقديمها من قريب أو بعيد.
ومثل ذلك المخدرات والتدخين، وكل ما يعتاد الناس تناوله من مأكول أو مشروب أو مشموم أو غيره، يضر متناوله عاجلًا أو آجلًا، فضلًا عن الأضرار الأخلاقية والنفسية والاجتماعية الأخرى.
وكذلك ما يسببه انتشار الزنى من أمراض تناسلية وغيرها للرجال والنساء، بالإضافة إلى آثاره السيئة على الأنساب والأخلاق والأسر والمجتمع كله؛ مما يؤكد معنى قوله تعالى:﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 32).
وتستطيع علوم الأحياء، ووظائف الأعضاء والطب وغيرها، أن تبين لنا حقيقة الفوارق الفطرية بين الذكر والأنثى، وبعبارة أخرى بين الرجل والمرأة،
وأن هذا التفاوت لم يكن عبثًا، وأن تجاهله في التشريع والتربية والتعليم والتوجيه لا يعقب إلا أسوأ النتائج، وأن من الخير لكلا الجنسين وللجماعة كلها أن يكون لكل منهما عمله اللائق به، وثقافته الملائمة لوظيفته في الحياة، وبهذا يتلاقى منطق العلم مع منطلق الدين الذي هو منطلق الفطرة السليمة.
وحسبي هنا أن أنقل الكلمات التالية من رجل يعد من أقطاب العلم التجريبي في عصرنا، وهو الدكتور ألكسيس كاريل في كتابه- الإنسان ذلك المجهول- يقول: إن ما بين الرجل والمرأة من فروق ليست ناشئة عن اختلاف الأعضاء الجنسية، وعن وجود الرحم والحمل أو عن اختلاف طريقة التربية وإنما تنشأ عن سبب جد عميق، وهو تأثر العضوية بكاملها بالمواد الكيماوية ومفرزات الغدد التناسلية.
وإن جهل هذه الوقائع الأساسية هو الذي جعل رواد الحركة النسائية يأخذون بالرأي القائل بأن كلا الجنسين الذكور والإناث يمكن أن يتلقوا ثقافة واحدة وأن يمارسوا أعمالًا متماثلة. والحقيقة أن المرأة مختلفة اختلافًا عميقًا عن الرجل؛ فكل حجيرة في جسمها تحمل طابع جنسها، وكذلك الحال بالنسبة إلى أجهزتها العضوية ولا سيما الجهاز العصبي، وإن القوانين العضوية- الفيزيولوجية- كقوانين العالم الفلكي لا سبيل إلى خرقها، ومن المستحيل أن نستبدل بها الرغبات الإنسانية، ونحن مضطرون لقبولها كما هي، فالنساء يجب أن ينمين استعداداتهن في اتجاه طبيعتهن الخاصة دون أن يحاولن تقليد الذكور، فدورهن في تقدم المدنية أعلى من دور الرجال فلا ينبغي لهن أن يتخلين عنه.
وقال أيضًا :
-يغفل الناس عادة شأن وظيفة الولادة بالنسبة إلى المرأة، مع أن هذه الوظيفة ضرورة لكمال نموها، ولذلك كان من الحمق والسخف صرف المرأة عن الأمومة، فلا ينبغي أن يتلقى الفتيات والفتيان ثقافة واحدة، ولا أن يكون لهم أسلوب واحد في الحياة، ولا مثل أعلى واحد، وعلى المربين أن يعتبروا الفروق الجسمية والعقلية بين الذكر والأنثى، وما بين دوريهما الطبيعيين، فبين الجنسين فروق لا يمكن أن تزول، ومن الواجب اعتبارها في بناء العالم المتمدن.
جـ- وثمة مجال آخر يمكننا فيه استخدام حقائق العلم الحديث لتأييد حقائق الدين، وذلك بتعميق مدلولات بعض النصوص، وتوسيع نطاق مفهومها وزيادة توضيحه بما كشف عنه العلم من مقررات، وما توصل إليه من نتائج.
فإذا قال القرآن عن النحل: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ﴾ (النحل: 69) يستطيع عالم الأحياء أو الكيمياء أو الطب أو الأغذية ونحوها أن يحدثنا بسعة عن عسل النحل وألوانه، وما فيه من شفاء، وفيمَ يكون وكيف يكون.
وإذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: 49) أو﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (الفرقان: 2) أمكن للعلم هنا بشتى فروعه أن يفيض في بيان دقة التقدير في كل ما خلق الله في الكون، فحجم الكرة الأرضية وبُعدها عن الشمس بمسافة محددة، ودورانها حول نفسها بسرعة معينة وبعد القمر عنها بمسافة محددة كذلك، واشتمالها على كمية المياه في بحارها ومحيطاتها بهذا المقدار، ووجود الغازات فيها بنسب ومقادير معلومة وغيرها، كل ذلك يدل على روعة التقدير الإلهي وعظمته وشموله لكل ما في الكون من مخلوقات، وبهذا يعمق العلم في عقولنا وقلوبنا معنى النص القرآني فنزداد به هدى ويقينًا.
وإذا قال تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾ (الأعلى: 3) أو ﴿الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾(طه: 50) يستطيع العلم هنا كذلك أن يبين لنا سعة آفاق الهداية الإلهية المثبوتة في الكون، علويه وسفليه، إنسانه وحيوانه، ونباته وجماده، كل شيء فيه هدى لغايته ويسر لما خلق له، ومنح ما يساعده على ذلك من سنن الله وقوانين الكون، نجد ذلك في أضخم ما في الكون إلى أصغر ما فيه، من المجرة إلى الذرة.
د- ومجال رابع يدخل فيه العلم ويصول ويجول، وهو بيان سبق القرآن بكثير من الحقائق التي كشف عنها العلم الحديث، وهو ما أشرنا إليه ونحن نتحدث عن الاعتبار العلمي للقرآن.
وقد عنى كثيرون في عصرنا بهذا الميدان، إلى حد الإفراط والتجاوز في بعض الأحيان، وجل هؤلاء من رجال العلم المتحمسين للدين، كما رفضه آخرون بالكلية، واستخدمه آخرون بتحفظ واعتدال، وهذا ما أراه، وأعني بالاعتدال ألّا نتعسف في التأويل، ولا نخرج الألفاظ والتراكيب عن مدلولاتها اللغوية، ولا نحمل النصوص على فروض ونظريات لم تصبح حقائق علمية.