; من وحي معرض الكتاب العربي: هموم ثقافية بين الناشر والقارئ | مجلة المجتمع

العنوان من وحي معرض الكتاب العربي: هموم ثقافية بين الناشر والقارئ

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1992

مشاهدات 61

نشر في العدد 1030

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 22-ديسمبر-1992


تعيش الثقافة العربية أزمة حقيقية في مختلف المجالات: غلاء في الأسعار، وضحالة في المحتوى، وعراقيل من كل جانب، بالإضافة إلى إحجام القارئ الذي هو المحور الأول للثقافة والهدف الرئيسي من نشرها وتعميمها. والأزمة الثقافية تتجلى واضحة في عدم إحساسنا بها، وبالتالي لا مبالاتنا وعدم التفكير بإنهائها وحلها.

وعندما سألت أحد الناشرين المشاركين في معرض الكتاب العربي في الكويت الذي انتهى في 8 ديسمبر عن إقبال الجمهور وحجم المبيع، أجابني بحسرة: انظر! إن أغلب الذين جاؤوا إلى المعرض جاؤوا بقصد التسلية والترويح عن النفس، والذين يبدو عليهم الاهتمام بالثقافة نجد واحدة تسأل عن كتاب للطبخ وآخر يبحث عن كتاب للأغاني.

وعندما سألت عن نوعية الكتب قال الناشر: أريد أن أكون صريحًا معك، إن الكتاب الإسلامي هو الكتاب الأول والأكثر رواجًا، ولولا وجود الكتاب الإسلامي لتعطلت حركة المكتبة العربية، ومن ثم فاعلية معارض الكتاب التي تقام على امتداد الوطن العربي.

أزمة القراءة

أمتنا هي أمة اقرأ، هذه الصفة المميزة لها، فإذا تخلت عن القراءة تكون قد تنازلت عن تميزها وأفضليتها من غير مقابل. والقراءة علامة الصحة في الأمة، فإذا ضمرت القراءة كان ذلك مؤشرًا على تقهقرها وقرب نهايتها. وسواء كانت الأمة في القمة أو في الحضيض فإن القراءة دليل الاستمرار والتقدم في الحالة الأولى، ودليل الحياة وقبول التحدي ومحاولة النهوض في الحالة الثانية.

ولإعطاء فكرة عن أهمية القراءة لابد من جولة نطلع فيها على دور القراءة في بناء الأمم. فعندما تفوق الاتحاد السوفيتي على الولايات المتحدة في مجال الفضاء، درس الأميركيون الأمر بعناية وتوصلوا إلى نتيجة ربما يستغربها كثير منا، وهي أن السبب في ذلك يرجع إلى قلة القراءة في المجتمع الأميركي. هكذا ببساطة، السبب هو قلة القراءة؛ لأن القراءة هي الرافد الأساسي لثقافة المجتمع، وكلما زادت القراءة نمت وتوسعت وتعمقت ثقافة المجتمع وتكونت البيئة الصحية والأجواء المناسبة لوجود التابعين الذين يدفعون عجلة التطور ويقدمون جديدًا كل يوم في خطوات نوعية وأعمال متكاملة يحسبها الصغار –الذين لا يقرأون– ضربًا من المعجزات، ويقفون أمامها ذاهلين لا يملكون إلا التعجب والاستغراب. وهذه هي مقدمة الاستلاب الحضاري وخلفية القابلية للاستعمار التي مهدت الأرض للجيوش المستعمرة وهيأت النفوس للتعامل مع الغزو الثقافي محاكاة وتقليدًا وانبهارًا.

ولو وعى هؤلاء الذاهلون لعلموا أن البدايات الأولى لهذه التقنيات المتقدمة هي القراءة. والقراءة في استطاعة الجميع في الغرب والشرق، في البلاد المتقدمة وفي البلاد المتخلفة.

كذلك، إن انصراف الناس عن القراءة في مجتمعاتنا المعاصرة يعود إلى سببين رئيسيين أولهما: الإحباطات المتتالية نتيجة الهزائم المتكررة التي منيت بها أمتنا والسقوط المفاجئ لكثير من القيادات الفكرية والسياسية والعسكرية التي كانت تمثل رموزًا لنهضة البلاد ورفعتها، تعلق عليها جماهير الأمة كل آمالها وهي تستمع بانفعال إلى الخطابات الحماسية والكلمات الرنانة التي يطلقها هؤلاء الرموز وأولئك الزعماء.

وثانيهما: مزاحمة الوسائل المسموعة المرئية للكتاب المقروء في اجتذاب القارئ المشتت الذهن الحائر بين هذه الأدوات المتعددة. وفي الوقت نفسه لم تقدم هذه الوسائل الزاد الكافي لتكوين ثقافة متكاملة عند الفرد، فبقيت الحاجة ماسة لعودة الإنسان العربي إلى الكتاب يقرأ فيه ويعب منه معارفه العامة، وثقافته المتخصصة ويبني مستقبله على ضوء الكلمة المقدسة «اقرأ».

ضمانات حقوق النشر

من المتعارف عليه أن للنشر أو التأليف حقوقًا لا يجوز المساس بها أو الاعتداء عليها. لكنه في غيبة القوانين الصارمة التي تضمن هذه الحقوق يجد الناشر نفسه معرضًا للسرقة والاحتيال دون أن يكون لديه القوة اللازمة لرد الاعتداء والدفاع عن النفس. فإذا ما أقدمت دار أخرى للنشر في بلده أو في بلد آخر على تصوير أو إعادة طبع الكتاب الذي تعب عليه وأنفق في سبيل إخراجه بالصورة اللائقة الشيء الكثير لا يستطيع أن يمنعها، وإذا لجأ إلى القضاء ربما تثبت التهمة أولًا وقد يعترف أو لا يعترف السارق. وبين الأخذ والرد والمداولات والمرافعات تكون الطبعة المسروقة قد نفدت من السوق وكفى الله المؤمنين القتال. ولعله إذا انشغل بمتابعة مثل هذه القضية يكون قد أضاع الكثير من الفرص ومن الأعمال وحقق خسارة تفوق أضعاف ما يمكن أن يحصله إذا حالفه الحظ وربح الدعوى القضائية.

يتفرع عن هذه المسألة تخوف الناشرين من إمداد السوق بكمية كبيرة من مطبوعاتهم لكي لا تتعرض للكساد نتيجة الطبعات المزورة والمسروقة.

والجانب الأخطر في هذه المسألة أن الذي يسرق أو يزور لا يهتم كثيرًا بالتصحيح والمراجعة؛ لأنه في عجلة من أمره يهمه أن يكسب الوقت وأن يحقق أكبر قدر من الأرباح. لذلك تخرج طبعات مليئة بالأخطاء وتسيء إلى الناشر الأصلي وتشوه سمعته، بقدر إساءتها إلى القارئ الذي تزعجه مثل هذه الأغلاط، وإن كان مبتدئًا أسهمت في إعطائه مادة مشوهة ربما رسخت عنده بعض المفاهيم أو الألفاظ التي لا تتناسب مع الفكر الصحيح واللغة السليمة.

ومن صور التشويه أن يعمد ناشر إلى إعادة طباعة كتاب من كتب التراث التي تحتاج إلى تحقيق ومراجعة دقيقة، فيأتي بمن لا يتقن التحقيق ولا يحسن المراجعة ويقدمه في هذه العملية الحساسة التي تتطلب الجهابذة من ذوي الاختصاص والدراية، فيخرج الكتاب بصورة جديدة لو رآها مؤلفها أو بعض أقرانه لأنكروها أشد الإنكار.

هذه الطبعة الممسوخة من الكتاب القديم ستصبح مع مرور السنين جزءًا من التراث ترجع إليه الأجيال القادمة وتنهل منه وتحيطه بهالة من التبجيل والاحترام.

وفي بعض الحالات يقتطع الناشر المحتال فصولًا من بعض الكتب التراثية ويضع لها عنوانًا جديدًا، وربما أضاف أو حذف ثم يخرج الكتاب الجديد يحمل اسم المؤلف القديم.

وقد لعبت هذه المحاولات في القديم والحديث دورًا مهمًا في تزوير كثير من الحقائق ونسبت إلى أئمة أعلام أقوالًا ما قالوها، وآراء لا يقرونها، ومعتقدات كانوا من أشد محاربيها؛ مما يدعو إلى تشديد الرقابة العلمية وليس الإعلامية على دور النشر وسن القوانين التي تمنع مثل هذه الممارسات الشنيعة حماية للثقافة، ورحمة بالقراء، وحفاظًا على حقوق الناشرين من السرقة والضياع.

معوقات في طريق النشر

1- قائمة الممنوعات:

في مقدمة هذه المعوقات تأتي قائمة الممنوعات وإجراءات الترخيص التي قد تطول مدتها عدة أشهر وربما تجاوزت السنة، هذا داخل البلد نفسه. أما إذا تناولنا عملية نقل الكتاب أو المطبوع إلى بلد آخر فحدث عن التعقيدات الرسمية وأحيانًا الأمزجة الخاصة للموظفين ولا حرج.

بالنسبة لقائمة الممنوعات فإنها حاجز إداري يعيق حركة الكتاب بل حتى يعيق طباعته داخل بلده، وإذا ما تجاوزنا البلد إلى غيرها تقف أمامنا في كل بلد نصل إليه قائمته الخاصة بالممنوعات، ولعل التشدد في تنفيذ مقتضيات قائمة تعطيل التداول الثقافي يفوق في حجمه وكيفيته ما تواجهه المخدرات من مكافحة جادة ورقابة صارمة.

في أحد المعارض التي أقيمت في فرنسا –والكلام لناشر عربي– منعوا دخول الكتب التي تتحدث عن اليهود والقضية الفلسطينية بحجة أنها كتب معادية للسامية، والقانون الذي يزعمون حمايته للحريات يحرم أي نقد أو حوار أو حديث يكشف حقيقة الصهيونية ويعري عنصريتها وعدوانيتها ويفضح الممارسات اليهودية ضد الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة. ولنا أن نتصور في بلادنا العربية كيف يمنع هذا الكتاب لأنه معاد للثورية أو يحارب الاشتراكية أو أنه تجرأ على مناقشة العلمانية أو أن مؤلفه نال يومًا من نظام هذا البلد أو انتقد طبيعة الاستبداد في شخص رئيسه الأبدي. وفي أحيان كثيرة يكون المنع لأن الكتاب يعالج القضايا من منظور ديني بحجة أن هذا المنحى يشجع الأصولية، ويساعد على نمو التطرف والإرهاب، ويعطي الفرصة لانتشار أفكار التحرر، ومحاربة الظلم، وإزالة الفوارق، كما يركز على فكرة المعيار الأخلاقي التي تنكشف أمامه البطولات المزيفة ويسلط الضوء على الازدواجية بين الأقوال والأفعال ويعطي النموذج الحي للمثل الأعلى أو الإنسان الصالح. وفي ذلك خطر على الشعارات المفرغة من مضمونها والتي تضلل الجماهير المغلوبة على أمرها وتشغلها عن واجباتها المصيرية، وهذه كلها مسوغات لمنع هذه الكتب وتحريم تداولها.

2- الغلاء:

كثيرًا ما تكون أسعار الورق وتكاليف الطباعة وأجور النقل عوامل أساسية تحد من حركة الكتاب؛ حيث إن لكل نوع منها مؤسساته الخاصة به التي تتحكم بسعره ولا يهمها إلا تحقيق أقصى ما يمكن من الأرباح، كل ذلك ينعكس على قيمة الكتاب، هذه القيمة التي ترهق الناشر الذي يعمد إلى تخفيض عدد النسخ المطبوعة هربًا من التكاليف الباهظة وخوفًا من الكساد الذي سيتعرض له الكتاب نتيجة ارتفاع سعره في السوق.

إن الكتاب الذي يتحمل كل هذه التكاليف ينافسه سيل من الإصدارات والمطبوعات والنشرات الحكومية التي تباع بسعر التكلفة أو بقيمة رمزية، هذا إن لم يوزع مجانًا للراغبين به ولغير الراغبين. والجهات التي تملك ميزانيات ضخمة تستطيع أن تضحي بمبالغ هائلة من المال العام لترويج بضاعتها وإغراق السوق بشتى أنواع وألوان المجلات والملاحق المصورة والكتب والكتيبات، بغض النظر عن قيمتها الأدبية أو مستواها الفكري أو فائدتها العلمية.

اتحاد للناشرين

هذه الأعباء المالية الضخمة ترهق كاهل الناشر، ولا تستطيع تحملها مكتبة واحدة بحجمها وإمكاناتها المحدودة. لكن عندما توضع خطة تعاونية يتم من خلالها التنسيق بين أكثر من ناشر ودار كتب، وتكون البداية بخطوات متأنية تتناسب مع القدرات المتيسرة، يمكن في هذه الحالة تذليل الصعاب والتغلب على كثير من العقبات التي تقف حائلًا دون تعميم الثقافة وانتشار الكتاب بالصورة المرضية وعلى أكبر شريحة من القراء. وعندها لا يستطيع أن يتحكم بالسوق الثقافي الممولون المغرضون، الذين يريدون إخضاع كل شيء لمصالحهم ورغباتهم حتى المادة الثقافية التي هي غذاء العقول ودليل السالكين إلى مستقبل زاهر وحياة أفضل.

إنها دعوة ملحة إلى تكاتف جهود الناشرين وأصحاب المكتبات، خاصة أولئك الذين يعتزون بشرف الكلمة ويتحملون مسؤولية نشر الكتاب الذي يسهم في نشر الوعي وتعميق التفكير، ويهتمون بالكلمة الصادقة والمعنى الجيد الذي يهدف إلى بناء القيم وتكامل المعارف، ويحرصون على تزويد الأجيال بكل جديد ومفيد.

فهل تشهد الساحة الثقافية ولادة اتحاد للناشرين يقوم بعمل مؤسسي لإنجاز الكتاب الذي يتضمن المادة الدسمة، بالإضافة إلى إثراء الناحية الفنية لإخراج الكتاب بصورة أكثر تشويقًا وعرضه بطريقة مبتكرة تشد إليه القارئ وترضي تطلعه إلى التجديد، وبعبارة ثانية تقدم له المادة الثقافية بقالب يجمع بين الفائدة والإمتاع في آن واحد.

واقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :