; وقفة تأمل | مجلة المجتمع

العنوان وقفة تأمل

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أكتوبر-1992

مشاهدات 71

نشر في العدد 1021

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 20-أكتوبر-1992

بقلم: محمد بن علي سعيد القعطبي- الرياض

أسئلة كثيرة تداعب خيال الإنسان وتخترق عليه لحظات حياته ويقف أمامها متأملًا وفي بعض الأحيان تكون هذه الخواطر والإلهامات- إن صح التعبير- سببًا في تغيير نمط الحياة جزئيًا وربما كليًا، وفى اعتقادي أن هذه الخواطر نتيجة لتراكمات كثيرة وليست مقطوعة عن واقع الحياة المعيش تطورت فجأة فبرزت في صورة تأمل أدى إلى اتخاذ قرار معين في وقت معين هذا القرار ناتج عن تفاعل أيام وربما شهور وقد تكون سنوات أو هي محصلة العمر كله.

وإن في حياتنا لكثير من المواقف التي يجدر بنا أن نتأملها ونطيل الوقوف عندها ولست أظن- عزيزي القارئ- أن كل إنسان قادر على التأمل الصحيح لها بل أعتقد جازمًا أن التأمل الصحيح لها هو نعمة قد يفيض الله بها على بعض من عباده ويحجبها عن آخرين فيمرون بها دون تأمل وإن تأملوا فلا تؤثر تلكم التأملات ناتجًا في أنفسهم وإن أثرت فربما يكون عارضًا لا يلبث أن يزول دون أن يخلف وراءه أي أثر إيجابي له دور في تحديد مستقبل أو رسم خطة لتغيير ما.

وموضوعات هذه الخواطر كثيرة ولها آثار متعددة سأدعوك معي إلى التأمل في واحدة منها.

هل تأملت- أيها القارئ- إن كنت أبا في أبنائك كيف ينشأون؟ هل تركت لخيالك العنان يومًا لتنظر كيف كان ابنك عندما كان لا وجود له؟ ثم هل تفكرت في ساعة نفخ الروح فيه؟ في تلك اللحظة التي يتحول فيها من عدم إلى وجود وهي اللحظة التي أخبرتك أمه فيها أنه بدأ يتحرك في جوفها، كم توقفت عند هذه اللحظة لحظة التحول من عدم إلى وجود تتفكر من الذي نفخ فيه الروح ولم كان ذلك؟ ثم مضت الأيام ودب على الأرض، ما أضعف الإنسان في ذلك الحين.. هل رأيته كيف لا يستطيع شيئا لا حيلة له إلا البكاء؟ ثم هل تأملته وهو في أشد الحاجة إليك؟ ثم تأملت كيف يعتمد على نفسه ويستغني عن خدماتك رويدًا رويدًا بما يتعلم منك كل يوم حتى يغدو قادرًا لا يحتاج إليك معتمدًا على نفسه قد شق طريقه في الحياة؟ وحينئذ تبتسم لأنك الذي زرعت هذه النبتة وسقيتها حتى كان منها كان.

هل رأيت رجلًا كبيًرا؟ هل لك والد طعن في السن كبر فلم يعد قادرًا على عمل شيء لا يكاد يقوم بحاجته إلا بمعونة وكلما مضت الأيام ازداد ضعفًا وكثرت حاجاته وأصبح عبئًا ثقيلًا على من حوله يفرون من تحمل مسؤولياتهم نحوه ويلهثون خلف حياتهم؟ تنظر إليه فتتأمل كيف يذوي عوده شيئًا فشيئًا وتذبل ورقته يومًا فيومًا ثم يكون ما لابد منه.. العدم، فينتهي إلى أن يدخل إلى التراب ثم لا شيء.

ألم تتأمل- عزيزي القارئ- هذه القصة القصيرة في صمت: كيف نبدأ من العدم وننتهي إلى ذلك العدم؟

ألم تتأمل- عزيزي القارئ- كيف نبدأ من ضعف وننتهي إلى ضعف؟ من الذي منحنا الحياة ما بين العدمين؟ ومن الذي منحنا القوة بين الضعفين؟ ولماذا منحنا ذلك؟ وكم هي مدة هذه القوة؟

ألم تر إلى الناس حولك يأتون فلا يبقون ويحيون ويموتون؟ ألم تتأمل الأجيال السابقة فتنظر إلى ما سطروا؟ فأين هم؟ كأن الحياة لم يكن فيها إلا نحن وكأن الأرض لم يسر عليها إلا جيلنا.

ألا إن في كل هذا لعبرة لمتأمل يستفيد، ومتفكر يعتبر، أما من أعماه شغله عن النظر فقد خسر، وحياته أشبه بحياة الأنعام يأكلون ويتمتعون كما تأكل الأنعام، ومن منّ الله عليه بنعمة التأمل فقد فاز، ومن زاده الله فأنعم عليه بعدها بنعمة التأثر فقد فاز فوزين، وأما الفوز الأكبر فأن يكون للتأمل والتأثر في الحياة أثر بليغ والحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :