العنوان ثقافة الهزيمة
الكاتب أحمد موسي الأسعد
تاريخ النشر الثلاثاء 23-أغسطس-1994
مشاهدات 58
نشر في العدد 1113
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 23-أغسطس-1994
عقم التطبيع ومآلات الاستلاب الحضاري
ربما كانت مقولة ابن خلدون: "المغلوب يتبع الغالب" تعبيرًا
مناسبًا عن واقعنا العربي المعاصر. فمنذ سقوط الأندلس وحتى نكبة فلسطين والأمة
العربية الإسلامية تتدرج هبوطًا في منحدر الاستلاب الحضاري، وكانت هذه الأمة وما
زالت تعاني قبل كل هزيمة عسكرية من نكسة فكرية، وبعد كل خسارة للأرض تقع تحت مصيدة
الارتهان الثقافي حتى تتمكن من تبرير الهزيمة وتزيين الخسارة، وقد بلغت الجرأة
بأدعياء السلام الموهوم بأن يشربوا دماء أطفالنا نخبًا لسلامهم مع الصهاينة.
إن أهم مظاهر التخاذل الفكري والثقافي الذي تعانيه أمتنا اليوم تتجسد
في أدبيات دعاة التطبيع الثقافي مع إسرائيل، والدعوة إلى الحوار بين أهل الفكر
والثقافة من العرب وبين نظرائهم الصهاينة، ويستشهدون بالتجربة الأوروبية بعد الحرب
العالمية الثانية، والسلام والتعاون الذي حل بين الألمان وبين شركائهم الأوروبيين
اليوم رغم بحور الدم التي فصلت بينهم أمس.
ويمكننا القول إن مصطلحات السلام والتعاون والتطبيع في منطقتنا
العربية تختلف تمامًا عنها في أوروبا، وذلك لسبب أساسي هو أن أوروبا قامت بعد
الحرب العالمية الثانية بعملية إصلاح للذات، وإعادة تشكيل الكيان الواحد في إطار
الأمم السلافية ذات اللغة اللاتينية والأصل الآري الواحد، وعلى قاعدة المصلحة
المشتركة والمصير الواحد. أما أمتنا العربية الإسلامية "رغم ما تعانيه من
تآكل ذاتي" فهي ذات قائمة جوهرها عقيدة الإسلام وإطارها اللغة العربية ويربط
أبناءها روابط التوحيد، بالإضافة إلى المصير الواحد والمصالح المشتركة.
ويقابلها على الطرف الآخر ذات غريبة مصطنعة تحاول أن تجد لها أصولاً
تتشبث بها وفكرًا عنصريًّا تلموديًّا ينبذ الآخرين ويدعو لاستغلالهم وقتلهم وسلب
أراضيهم، وهذا هو الفرق بين التجربتين، فالتجربة الأولى بين الألمان وبقية أوروبا
ناجحة إلى حد كبير، أما التجربة الثانية بين الأمة العربية الإسلامية وبين العدو
الصهيوني ومحاولة التطبيع والصلح بينهما والثقافة المشتركة، فهي فاشلة دون شك.
وإذا كانت إسرائيل قد نشأت عام 1948م في غفلة وسبات العرب والمسلمين،
فإن ذلك لا يعني أبدًا أن الأمة الإسلامية قد استطاعت هضم وجودها أو تمثل ثقافتها
حتى ولو ضخ لنا أدعياء السلام الكولا والصودا وجميع المهضمات في أنابيب مياه
الشرب. ولعل أهم أسباب فشل محاولات تكوين ثقافة السلام الجديدة ستكون كالآتي:
أولاً- إذا كان الفكر
السياسي العربي منذ الثلاثينيات من هذا القرن وحتى الآن قد فشل في معالجة القضية
الفلسطينية والهجرة اليهودية، ثم النكبة والنكسة والهزائم التي تلتها، وصولاً إلى
اقتتال الأشقاء واستباحة الدماء بين أبناء الأمة الواحدة، فإن أسباب هذا الفشل
والتردي تعود للطروحات السطحية والمعالجات العقيمة التي تتميز بها النخبة الحاكمة
العربية لكون البعض منها مرتبطًا بالمصالح الاستعمارية، ولكون البعض الآخر منها لا
يفقه من السياسة سوى كيفية البقاء على كرسي الحكم وحسب. وهذه الأمة تشهد اليوم
مخاضًا عسيرًا ينبئ باستعادة الهوية الحضارية للأمة والتشكيل الثقافي الخاص بها
ومراجعة دقيقة لإصلاح الذات العربية الإسلامية ككل. ولأول مرة سيدخل الإسلام
المعارك الفاصلة: معركة الثقافة، ومعركة التنمية والتقدم، والمعركة مع الصهيونية
وأدواتها، ونقول لأول مرة منذ بداية عصر الهزائم إلى يومنا.
ثانيًا- إن التجارب
السابقة قد أثبتت دون ريب عقم محاولات التلاقح بين الأنواع المتخالفة، ولقد كانت
محاولات ميليشيات الثقافة الماركسية إقامة مراسم الزواج الإجباري التي تمت في
السابق بين الواقع العربي وبين الثقافة الماركسية، قد أدت إلى إجهاضات متكررة ربما
كان آخرها مجزرة الحرم الإبراهيمي، وهنا نوجه السؤال لمن يتحسرون على ضياع
الإمبراطورية الشيوعية إذا كانوا ما زالوا يعتبرون المستوطن من طبقة البروليتاريا
الكادحة والشهداء المصلين من البروليتاريا أم رأسماليين.
ولا يفوتنا ذكر محاولة تلاميذ المدرسة الرأسمالية الليبرالية ودورهم
في فتح الأجواء الفكرية والثقافية أمام الغرب الرأسمالي، وحشو الذهن العربي بالقيم
الفاسدة والآثار المدمرة على مجتمعنا، فلم نشهد المصانع ولا الأبحاث العلمية، بل
رأينا زيادة في استهلاك الكولا والهامبرغر وموسيقى الروك وتحول الذكور إلى مخنثين.
وهنا نتساءل: ألا يكفينا كأمة خضوعًا لمزيد من التجارب؟ ويأتي اليوم الرد من طبالي
وزماري ثقافة السلام والحوار الفكري والوحدة الشرق أوسطية، لقد أنهكوا الأمة
وأفسدوا صحتها بجعلها حيوان تجارب، أو نزيلة مصح عقلي تخضع كل يوم لغسيل المخ
وكهربة الأعصاب.
كل هذا الفشل المستمر والانحطاط وما زالت فئات المرتزقة والميليشيات
الثقافية والسياسية ترفض كل الرفض، بل وتحارب سنة الكون والحياة، وهي وضع الأمة
العربية الإسلامية في أجوائها المناسبة وبيئتها الأساسية الحقيقية وعدم حقنها
بالأمصال الغريبة. ومن المستغرب حقًّا أن يُعتبر الفكر الإسلامي وعقيدة القرآن من
خلال أطروحات أدعياء ثقافة السلام فكرًا قادمًا من كوكب آخر ودعاة الإسلام كائنات
غير بني البشر.
وفي منهجهم هذا يكون مهرجو السلام المزعوم قد انسجموا مع أنفسهم في
المجالات الأخرى والسياسية منها خاصة، حين يوقع أحد زعمائهم على وثيقة يبيع فيها
ثلاثة أربع أرض فلسطين ووعد بمطاردة الألوف من أبناء الأمة "حماس"
المجاهدين، وذلك مقابل أن يُدعى بسيادة الرئيس ولو مرة واحدة قبل أن يموت، وهو في
الحقيقة لا يعدو كونه موظفًا في وزارة الخارجية الإسرائيلية.
هذا هو منطق أدعياء السلام، إذا طالبت بأرضك المغتصبة تكون متطرفًا،
وإذا أردت أن تمنع العاهرات الإسرائيليات من نشر الإيدز بين أبناء أمتك تكون
متعصبًا، أما إذا كنت ضد تفشي تعاطي المخدرات في بلدك فأنت أصولي، واحذر أن تدافع
عن أرضك ومقدساتك لأنك ستكون إرهابيًّا. قف بعيدًا عن ألاعيبهم ليصفوك بالرجعية،
وإذا دخلت معهم لعبة الديمقراطية وفزت عليهم وصموك بالتخطيط للعودة للدكتاتورية.
يريدون تدجين الأمة وتلقينها فنون بيع الأرض والعرض وهدر الكرامة، ويكتبون أدبيات
ثقافتهم بدماء أطفال الانتفاضة، إنها بوابة الدخول للزمن الإسرائيلي، فاحذروا أيها
العرب.. احذروا أيها المسلمون!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل