; دولة المدينة المنورة الجزء الثاني (3)- ثبات المسلمين في مكة رغم المعاناة | مجلة المجتمع

العنوان دولة المدينة المنورة الجزء الثاني (3)- ثبات المسلمين في مكة رغم المعاناة

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر السبت 06-أبريل-2013

مشاهدات 66

نشر في العدد 2047

نشر في الصفحة 48

السبت 06-أبريل-2013

كثير من الناس رأى صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما جرى مع الوليد بن المغيرة, وعتبة بن ربيعة، حتى أبو جهل، لكنهم تفرقوا في مواقفهم، منهم مَنْ صانه عقله، فصدقه قَبْلَ أَي دليل، مُكْتَفياً بما عَرَفَ من صدقه، كما فَعَلَتْ أُمُّ المؤمنين خديجة رضي الله عنها التي هدأت من روعه بعد مواجهة الغار بقولها: «والله لا يُخزيك الله أبدًا، إنكَ لَتَصلُ الرَّحِمِ وتصدق الحديث وتقري الضيف وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق»([1])، مثل ذلك قاله الناقد والكاتب والمؤرخ الإنجليزي «توماس كارلايل» (۱۸۸۱م) في كتابه «الأبطال»([2])، أما ورقة بن نوفل فقد خاطب خديجة التي عرضت عليه ما جرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «وإنه لنبي هذه الأمة فقولي له: فليثبت». 

* فارس الإسلام قادم إن لم يكن اليوم فغدًا وإن لم يكن هنا فهناك وإن لم يكن بنا فبغيرنا.

ثم حين لقي ورقة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قال له: «وَلَتُكَذِّبَنَّه وَلَتُؤْذَيَنَّهِ ولَتُخْرَجَنَّه ولَتُقَاتَلَنَّه (يا ليتني فيها جَذَعا)، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرنَّ الله نصرًا يَعْلَمُه», ثم قَبْلَ رأسَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم. ([3]

عداوة وعناد

بينما آخرون أصروا على العناد رغم إقرارهم بصدقه صلى الله عليه وسلم، بل منهم رغم جلوسهم تلامذة للحضارة الإسلامية واقتباس علومها مَنْ أَصَرَّ على العداء مهما كان الأمر, مثلما فعل اللاهوتي الإيطالي «توما الأكويني» (١٢٧٤م) «Aquinas Saint Thomas» ومنهم من بقي محتارًا متريثًا تشده الحقيقة مرة وتثقله البيئة والظروف والتراكمات المترسبة والموازنات الأخرى بتبريراتها، وإن كثرت مرات أخرى, كما جرى مع الفيلسوف الفرنسي « إرنست رينان» (۱۸۹۲م) «Ernest Renan» الذي قال: «ما دخلت مسجدًا إلا وشعرت بالخشية وبالأسف على أنني لست مسلما»!([4])

هكذا سارت الدعوة المكية في الطريق الذي أراده الله تعالى لها، حيث تنازعتها كل ألوان الحرب الضروس، تريد القضاء عليها، لكن القلة الذين آمنوا بها كانوا يزدادون ثقة بها وبحب قائدها وبنصر الله تعالى لها، ذلك ما يبثه الإيمان الراسخ بها ويرتفع بصاحبها إلى حد لا يدركه ولا يتذوقه إلا من عاشه وأحس به.

لو وضعوا الشمس في يميني

إن المستقبل نستشرفه من ثبات وإصرار صاحب الدعوة الذي قال وهو قليل الأنصار: «يا عَمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يُظهره الله أو أهلك فيه ما تركته». 

ثم قالها صلى الله عليه وسلم يومَ كَثرَ الأتباع وقامت دولةُ الإسلام واستقر مجتمعه: «فما تظن قريش؟ فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثي الله به حتى يُظهره الله أو تنفرد هذه السالفة). ([5]) هكذا سارت الدعوة في طريقها المبارك، مجتازةً عَقَباتِه بأنواعها، من تعذيب وتشريد وحرمان وعدوان وامتحان, اجتازوه بنجاح أثارَ عَجَبَ المعتدين الذين ما برحوا يتساءلون عن مصدر القوة لدى هؤلاء المسلمين وداعيتهم الكريم صلى الله عليه وسلم .

في مثل هذا الجو المكفهر, لا يحيد المسلمون عن التزامهم وإقبالهم المتزايد, مقتدين بالرسول الكريم، يجدون عنده دوما في كل أمورهم الأمن والإيمان والاطمئنان والحل لكل مشكل، بل يُنجد صلى الله عليه وسلم كل مستنجد ويرفع الظلم عن كافة المظلومين, هذا الإراشي تاجر الإبل التي اشتراها منه أبو جهل ومطله ثمنها، فلم يُنْصِفه أَحَدٌ مِنْ أهل مكة غير الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، لقد أخذ له حَقَّهُ كاملاً([6])، مما أدهش قريشًا، التي أرادت من وراء ذلك كله دفع الدعوة وداعيتها صلى الله عليه وسلم إلى هُوَّة قاتلة، تم ذلك كله والخطرُ محيط بالمسلمين والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، إذ حين رد صلى الله عليه وسلم على قريش في الكعبة ذاتها بعد ما آذوه وأشاروا إليه وغمزوه, اجتمعوا عليه يضربونه، وحين أراد أبو بكر حمايته وافتداءه قائلا: ﴿اتقتلون رجلًا أن ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم﴾ (غافر: ۲۸)، لكن قريشًا استمرت في ضربها وعلا الصريخ الذي سَمِعَه بيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج ربيبه الحارث بن أبي هَالَة «ابن خديجة من زوجها السابق أبي هالة», لنجدة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فتناولته قريش بالضرب العنيف حتى اسْتُشْهد عند الكعبة تحت الركن اليماني) ([7])، مما اعتبر أول شهيد في الإسلام من الرجال.

الحرب المعلنة: أردتُ باستدعاء هذه الأحداث المُنْتَقاة وأمثالها، بيان نوعية المواجهة والحرب المعلنة على الإسلام وكيف تعامل المسلمون معها، كى تعرف مسلمى اليوم أنه قادم لا محالة، بحول من الله تعالى بَدَا ذلك للكثير من المنصفين، سيما وقد ظهر لهم إفلاس الأنظمة القائمة اليوم، واتضح أن الإسلام قادم إن شاء الله تعالى, إن لم يكن في هذه الجولة فبجولات قادمات، ذلك وَعْدُ الله تعالى ولا يُخْلف الله وَعْدَه، كَما بَشَرَ به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم, أمرٌ تَوَقْعَهُ غير المسلمين من أهل البصر، ومنهم من اعتبره المنقذ للبشرية، وأن البشرية ستؤول إليه, وأنه هو دين أهل الأرض في المستقبل, ولو بعد حين: ﴿إن هو إلا ذكر للعالمين, ولَتَعْلَمُن نبأه بعد حين﴾ (ص: 87- 88).

بعض الدارسين للإسلام من غير المسلمين, من أهل الإنصاف، أدركوا هذا الأمر فهذا:

«ليو تولستوي» (۱۹۱۰م), الروائي والمصلح الاجتماعي الروسي والأديب العالمي الذي يقول: «سوف تسود شريعة القرآن العالم لتوافقها وانسجامها مع العقل والحكمة»، مثله كذلك توقع «جورج برنارد شو» (١٩٥٠م), George Bernard Shaw الأديب والكاتب الشهير والمسرحي الروائي الإنجليزي، يقول: «... وسيجد هذا الدين مجاله الفسيح في هذه القارة «الأوروبية»..

اطلعت على هذا الرجل «محمد صلى الله عليه وسلم» فوجدته أعجوبة خارقة.. فبهذه الروح يجب أن تفهموا نبوءتي». نَصَّ على ذلك في كتابه ربما المفقود «الإسلام الحقيقي- الحق»

«The Genuine Islam- I Have studied him - this wonderful» man- and in my opinion far from being an

anti-Crist, he must be called the ..saviour of humanity

ومما قاله أيضًا: «ما أَشَدَّ حاجة العالم اليوم إلى رجل كمحمد ليحل مشكلاته، وهو يتناول فنجانًا من القهوة».

بالمناسبة فقد كنتُ «ومازلتُ بفضل الله تعالى» أقول منذ سنين خلال المحاضرات في العديد من البلدان: «إن فارس الإسلام قادم, إن لم يكن اليوم فغدًا، وإن لم يكن هنا فهناك, وإن لم يكن بنا فبغيرنا, الذي أعلمه أنه قادم كما أراكم لكنني لا أعلم أين ومتى وكيف؟ لكنه قادم, بعون الله وقدرته».

الهجرة إلى الحبشة

هكذا استمرت معاناة المسلمين في مكة المكرمة, حتى وجه الرسول، بالهجرة إلى الحبشة لمن يريد من المسلمين قائلًا لهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا لا يُظْلَمُ عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه».([8]

تمت هجرتان متتابعتان إليها, نساء ورجالًا وأطفالًا .. لاحقتْهُم قريش لإعادتهم, فشلوا في كل ذلك عادوا خائبين, أمام هذا الثبات واستمرار الدعوة بالتقدم، قررت قريش كتابة «الصحيفة القاطعة الظالمة».([9]

* تولستوي: سوف تسود شريعة القرآن العالم لتوافقها وانسجامها مع العقل والحكمة.

*«جورج برنارد شو»: سيجد هذا الدين مجاله الفسيح في القارة الأوروبية.. فقد اطلعت على هذا الرجل «محمد صلى الله عليه وسلم» فوجدته أعجوبة خارقة!

هكذا دومًا كلما حقق الإسلام انتصارًا یزداد المعادون غيظًا، يحملهم على اتخاذ كل أسلوب لوقف تقدم الدعوة. هذه المقاطعة الظالمة ألبسوها ثوب التقديس، عندما عَلَّقوها داخل الكعبة المشرفة, ليجبروهم على تسليم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إليهم فيقتلوه، ثم يرفعون الحصار لكن المسلمين ومن معهم احتملوا الحصار والمقاطعة التي استمرت ثلاث سنوات مُثْقَلَة عجاف. 

كان المسلمون قد أكلوا خلالها أوراق الشَّجَر وشَدُّوا على بطونهم الحجر، وكان أكثرهم تحملًا، حتى تم نقضُ المقاطعة, فازدادت قريش غيظًا وحنقًا وأشرًا، ومع ذلك كان الإسلام يزداد قوةً ويكثر أنصاره.

الهوامش

[1] البداية والنهاية، 3/188, 195

[2] روح الدين الإسلامي, عفيف عبد الفتاح طبارة, ٤٥٧- ٤٥٨

[3]السيرة النبوية,  ص ۲۱۹, البداية والنهاية، 3/19٦- ۱۹۷

[4] حضارة العرب, غوستاف لوبون, 579

[5] السيرة النبوية, ص ٢٤١ , 855

[6] البداية والنهاية, 3/250 - ٢٥١

[7] جمهرة أنساب العرب, ابن حزم الأندلسي، ص ۲۱۰

[8]السيرة النبوية, ص ٢٨٦

[9] السيرة النبوية, ص 328-334, البداية والنهاية, 3/321- 325

(*) أستاذ التاريخ الإسلامي والأندلسي وحضارته

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 8

218

الثلاثاء 05-مايو-1970

عبر من موقعة أحد

نشر في العدد 31

122

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

الأمير.. أجير؟!