العنوان بعد نجاح الوحدة السياسية الأوروبية.. توحيد الكنيستين: الكاثوليكية والأرثوذكسية عام 2000م
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-1995
مشاهدات 75
نشر في العدد 1158
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 18-يوليو-1995
في الوقت الذي يزداد العالم الإسلامي تشرذمًا يزداد العالم الغربي المسيحي توحدًا، فها هو الاتحاد الأوروبي قد ثبتت أركانه وازدادت صلابته وأصبح محجًا وأملًا لدول أخرى، بينما بدأت أولى الخطوات الفعلية في توحيد الكنيستين: الكاثوليكية والأرثوذوكسية بلقاء بابا الفاتيكان جان بول الأول مع البطريرك بارتولوميوس الثاني راعي كنيسة فنار الروم الأرثوذوكس في اسطنبول، والزعيم الروحي لأكثر من ٢٥٠ مليون أرثوذكسي وذلك يوم ۲۹ يونيو حزيران الماضي في الفاتيكان لبحث جدول أعمال توحيد الكنيستين ثانية عام ٢٠٠٠م، فرغم أهمية اللقاء التاريخية والسياسية والدينية فلم يحظ بالتغطية الإعلامية اللازمة أو بالتعليقات السياسية الواجبة، مما يعنى الرغبة في التعتيم على تلك القمة الروحية السياسية ليمكن تحقيق نتائجها بهدوء.
حتى تركيا التي ستتأثر سلبًا بتلك النتائج لم تتفوه ببنت شفه، وذلك تحت تأثير ما ورد في بيان البابا والبطريرك من مادة مخدرة تقول مستحيل أوروبا بلا تركيا .. وهي الجملة التي أثارت غضب القوميين اليونانيين وخدرت العلمانيين والمتأوربين الأتراك من القيام بأي تصرف ضد البطريرك الذي يتصرف بما يخالف وضعه الكنسي في محاولته تزعم العالم الأرثوذوكس، إذ تحدث باسم ٢٥٠ مليون أرثوذوكسي، وهو ما يخالف اتفاقية لوزان- ويسعى من خلال ذلك إلى دعم مشروعه السياسي الديني بإقامة فاتيكان أرثوذوكس في اسطنبول، وهو ما يلقى تشجيعًا أمريكيًّا وأوروبيًّا وصمنًا رسميًّا تركيًّا- ورفضًا شعبيًّا.
محاولات إعادة الإمبراطورية البيزنطية
بل إن الدكتور أرول كوركتش أوغلي- عضو هيئة التدريس بقسم التاريخ بكلية الآداب والفنون جامعة أتاتورك- يرى أن البطريرك بارتولوميوس يحاول بتحركاته إقامة الإمبراطورية البيزنطية القديمة بدعم من وسائل الإعلام اليونانية.. كما أن تحركات البطريرك تؤكد ما ذهب إليه كوركتش أو على إذ زار ۲۳ دولة خلال ثلاث سنوات ونصف، كان من بينها الفاتيكان والذي دارت اللقاءات خلال زيارته حول وضع حد للعداء المذهبي المتفجر منذ عام ١٠٥٤م، وتلك كانت أهم نتائج اللقاء رغم أن الهدف المنشود هو وضع خطة وجدول زمني الإعادة توحيد الكنيستين مع مشرق عام ٢٠٠٠م ليعود البيزنطيون الأرثوذوكس الذين خرجوا على طاعة الكنيسة عام ١٠٥٤م إلى الكنيسة الأم من أجل تقوية العالم المسيحي وتوحيده دينيًّا وسياسيًّا، وبالطبع فإنه رغم خيالية الهدف فتحقيقه يمكن أن يكون سهلًا في إطار المصالح المشتركة.
عقبات في طريق التقارب
ورغم أن البطريرك بارتولوميوس الثاني أعلن في كنيسة سان ماركو بالبندقية ضرورة نسيان الماضي وإلقائه خلف ظهر التاريخ، لأنه آن الأوان لإقامة الحوار من أجل المستقبل بعد أن سالت دماء كثيرة، إلا أن الأسقف نيقولای أسقف الكنيسة الأرثوذوكسية السلوفاكية يعرقل حدوث ذلك التقارب إذ قاطع لقاء البابا الذي عقد في براتيسلافا في 1 يوليو الجاري، وقال مبررًا موقفه: إن الكنيسة الأرثوذوكسية لا يمكن أن تكون جزءًا من الكنيسة الكاثوليكية أبدًا ولن تنضوي تحت لوائها مهما كانت الأسباب، كما أن الأرثوذوكس اليونانيين يشيرون إلى صعوبة تحقيق الاتفاق مع الكاثوليك طالما استمرت الحرب في البوسنة إذ ينتقدون موقف الفاتيكان الداعم للكروات الكاثوليك في الحرب الأهلية في البوسنة.
وبالطبع فإن هذا الضغط الأرثوذكسي يستهدف تحقيقًا مقابلًا ملموسًا قبل حدوث التقارب المنشود مع الكاثوليك، وهو ما يعني إمكانية تحقيق صفقة في البوسنة واقتسامها بين الصرب الأرثوذوكس والكروات الكاثوليك ليكون المسلمون هم ضحية أولى خطوات تقارب الأرثوذوكس– الكاثوليك استعدادًا للتوحد في الألفينات.
كما أن محاولة كل من بابا الفاتيكان وبطريرك فنار الروم في اسطنبول إدخال تركيا الوحدة الأوروبية لا تعنى حبهما لمصلحة تركيا، إذ إن الهدف من إدخالها النادي المسيحي تدجينها وتنصيرها على المدى البعيد وإن لم يتمكنوا من ذلك يكونوا قد أعطوا لكنيسة فنار الروم وضعية فاتيكان أرثوذوكس، وهو الأمر الذي لا يمكن تحقيقه طالما بقيت تركيا خارج النادي المسيحي السياسي، وبالتالي فإن غضب اليونان مما ورد في البيان يدخل في إطار المكياج السياسي ليس إلا لإثبات الذات أمام جماهير الناخبين فقط.
ولا يمكن أن تكون القمة الروحية الكاثوليكية الأرثوذوكسية قد انتهت دون الاتفاق على بعض القرارات السرية وإن كانت تدخل جميعها في إطار قيام الفاتيكان بحث الدول الأوروبية الكاثوليك على دعم فكرة إقامة الفاتيكان الأرثوذكسي في اسطنبول ... والعمل سويًّا على تفريغ أوروبا من المسلمين سواء عبر إجبارهم على الهجرة أو بالتنصير بعد الانتهاء من البوسنة لتدور الدائرة فيما بعد ذلك على ألبانيا، وإقليم كوسوفو والسنجق، وألبانيا ومقدونيا، ومسلمي بلغاريا وأتراك تراقيا الغربية، لتكون الأرضية جاهزة فيما بعد ذلك للوحدة الكاثوليكية الأرثوذوكسية وإقامة إمبراطورية مسيحية أوروبية في الوقت الذي يتشرذم فيه العالم الإسلامي قوميًّا ومذهبيًّا ليظل فريسة أمام الوحوش الإمبراطورية الجديدة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل