العنوان تناقض المشروع العلماني
الكاتب سعد البريك
تاريخ النشر السبت 15-أبريل-2006
مشاهدات 61
نشر في العدد 1697
نشر في الصفحة 32
السبت 15-أبريل-2006
جوهر الفكر العلماني يقوم على عدم احترام أي خصوصية تناقض مشروعه السياسي أو الفكري.
الحرية التي يرسم أبعادها العلمانيون على النمط الغربي تعمد إلى التلاعب بالخصوصيات وإعادة صياغتها بنفي بعضها وتزوير التاريخ برُمَّته والكذب على الأمة.
علمانية فرنسا قامت على جماجم ألفين من القساوسة.. وعلمانية وأمريكا أسسها الهاربون من الكنيسة.
من العجيب الغريب أنك ترى المشروع العلماني في البلدان الإسلامية عامة وفي بلادنا على الأخص يعيش حالة فاضحة من التناقض على كثير من المستويات، فهو مشروع متناقض مع ذاته ومع أصوله «الغربية المنشأ». فأغلب العلمانيين أو «الرؤوس العلمانيين» نشؤوا وتربوا في الغرب ودرسوا بشكل أو بآخر الفلسفة الغربية والعلوم الإنسانية والاجتماعية أو جانبًا من جوانبها، ومن أبسط ما درسوه في تلك العلوم أن الظواهر الإنسانية والاجتماعية متغيرة وهذا التغير تابع في الأساس لتغير أنماط العيش والحضارات والعادات والخصوصيات والديانات ونحو ذلك، وهو ما يجعل الحقائق الإنسانية والاجتماعية نسبية لا مطلقة.
إن الحرية التي هي أكثر الظواهر الإنسانية جدلًا تعد ظاهرة نسبية لا يمكن إعطاؤها إطلاقًا معينًا إلا بحسب الحيز الحضاري والزماني والمكاني الذي تشغله وهو ما يعيشه الغرب واقعًا ملموسًا لا يجرؤ علماني منصف على إنكاره، فأنواع الحشيش التي تراها بلجيكا مواد يجوز استعمالها من باب الحرية الشخصية لا تراها فرنسا كذلك.. والشذوذ الجنسي الذي تراه هولندا حرية شخصية لا تراه إسبانيا كذلك، وقِس على ذلك مسألة الرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم .
فقد رآها مفكرون غربيون مناقضة لخصوصيات الشعوب، وأنها ليست من الحرية في شيء.. وغيرها من الوقائع!! وحين ننظر إلى العامل الذي جعل للحرية حدودًا مختلفة بين بلدان الغرب العلماني نجده احترام الخصوصيات والثقافات في كل مجتمع.. فحدود الحرية ترسمها الخصوصيات العقدية الدينية والثقافية والقناعات لا تنظيرات الفلاسفة وعلماء الاجتماع، فضلًا عن تنظيرات الصحفيين وأنصاف المثقفين وضيوف الحرة!!! فإذا جاز أن نحاكمهم بالغرب نفسه فهكذا تقول قوانين العلوم الإنسانية.. وهذا ما لم يفقهه العلمانيون في بلادنا بعد!!.. حيث قرروا أن الحرية هي ما عليه نمط الحياة الغربية «تقليد إلى حد اتباع القذة بالقذة إلى جحر الضب».. لا ما تنص عليه قوانين العلوم الإنسانية الغربية... وحتى حينما يتم إسقاط مبادئ العلوم الإنسانية بقوانينها الغربية في مجتمعنا يحكم على المشروع العلماني بالفشل الذريع لأن الخصوصيات والثوابت التي تميز مجتمعنا «ويدعو الغرب لاحترامها» تغير جذريًّا شكل الحرية التي يرسم أبعادها العلمانيون على النمط الغربي.. ولذلك فهم مضطرون إلى التلاعب بالخصوصيات وإعادة صياغتها بنفي بعضها وتزوير التاريخ برُمَّته والكذب على الأمة.
كما فعلت بحرينية في برنامج على قناة العربية في الأسبوع الماضي وهي تصف -متعتعة- سقيفة بني ساعدة كأول قاعدة أسست للفكر العلماني على يد الصحابة فتقول في تساؤلها: دعونا نفهم ما هي العلمانية أولًا: «امزجها لما تتكلم لي عن خلق ومثاليات وخلق دين يدعو له، الذي هو الصدق والنزاهة ومصارحة الناس والدعوة بالحسنى، امزجها لي بأخلاقيات هنا تمزج الدين بالسياسة، لكن قلي في التاريخ الإسلامي كله كلهم خلفاء بعد الخلفاء الراشدين وحتى بالخلفاء الراشدين كيف في أحيان كثيرة فصلوا الدين عن السياسة»!
ولما سألها مقدم البرنامج ببديهة حاضرة متى فصل الدين عن السياسة في عهد الخلفاء الراشدين؟
أجابت بكل افتراء وجرأة: لما بدأت السقيفة، سقيفة بني ساعدة.. هذا هو أول فصل لما دخلوا وتم التعاهد هنا، وترك الرسول عليه الصلاة والسلام ليغسله علي بن أبي طالب، ونزل أبو بكر وعمر ليفاوضوا الأنصار على الخلافة، كان هنا بسرعة تفكير في السياسة قبل الدين.
ولما سألها «وهو يدرك خطورة هذا الافتراء»: ألا تعتقدين أن هذا الرأي خطير وسيجر عليك الكثير؟
قالت: والله هو فصل السياسة عن الدين، خليهم أنا ما حاکمت نواياهم، أنا حاكمت الواقع اللي صار هذه سياسة، ولعبت السياسة كأولوية في كل عصور التاريخ الإسلامي، بدءًا من الدولة الأموية، الدولة العباسية كلهم».. هذا نص كلامها!
فما عساه أن يكون رد الغيورين على هذه الجناية الخطيرة في حق الصحابة والتاريخ الإسلامي؟!
وكذلك التحايل واستغلال القضايا الفقهية الخلافية وتوظيف الأحداث الساخنة «كالتطرف» والمعطيات الإقليمية لتمرير المشروع العلماني، دون الالتفات إلى تلك الخصوصيات.. كل هذا لأن العلمانية في الأساس حركة سياسية تقوم على مبدأ اللا دينية تطرفها «العلمانية الماركسية والمادية عمومًا» وعلى مبدأ، اجعل ما لله لله وما لقيصر لقيصر» في اعتدائها.. ومن منا يجهل أن علمانية فرنسا قامت على جماجم ألفين من القساوسة.. وأن علمانية أمريكا أسسها الهاربون من الكنيسة؟
فجوهر الفكر العلماني يقوم على عدم احترام أي خصوصية تناقض مشروعه السياسي أو الفكري ذا البعد السياسي، وحسبك بشعارهم اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس.
وإذا تتبعنا أسباب تناقض المشروع العلماني وأبعاده فيما يتعلق بالخصوصيات الدينية والاجتماعية فسنجد هذه الأبعاد كالتالي:
أولًا: البعد الديني: ويمثله الجهل بحقيقة الإسلام وكونه دين الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن أحكامه مطلقة وثوابته محكمة ومصادره مقدسة ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (الرعد: ٤١)، ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: ٥٠)
وهذا الجهل هو ما جعل المشروع العلماني يتطاول على الثوابت دونما خوف من التبعات.
ثانيًا: البعد المعرفي الثقافي: ويمثله التناقض في فهم المفهوم الغربي لمعالجة الظواهر الإنسانية والاجتماعية في إطار الإصلاح وقد تقدم شرح هذه النقطة، وكثير من العلمانيين عندنا لا يملكون أي خلفية ثقافية «بالمعنى العلمي» زيادة على افتقارهم للفقه الحقيقي بالدين.
ثالثًا: البعد السياسي: ويمثله انفصام الولاء، فحال العلمانيين يقول: قلوبنا مع الشعوب والحكام وولاؤنا للغرب!! بل الأمر في سياق التنسيق على أرض الواقع لا يخفى وهذا البعد هو ما يمثل الخطورة الحقيقية وفقًا للشعار «الوطن فندق والولاء خارج الحدود».
هذه الأبعاد هي منطلقات الأسباب التي جعلت المشروع العلماني متناقضًا مع ذاته ومع مصالح الأمة ومع هويتها وتاريخها وحاضرها وطموحاتها وخصوصياتها الدينية والاجتماعية.
وإذا استقرأنا أشكال تناقض المشروع العلماني في الخصوصيات الدينية والاجتماعية نجد أن هناك ثلاثة أشكال:
الشكل الأول: خصوصيات ليس لها تأثير مباشر على المشروع العلماني بشقَّيهِ الفكري والسياسي مثل: الصلاة أو الحج أو الزكاة أو الصدقة أو السلوك والأخلاق والطهارة أو نحوها من الشعائر التعبدية التي لا تمثل تأثيرًا مباشرًا، فلا تجد للعلمانيين كلامًا عليها.
الشكل الثاني: خصوصيات لها تأثير مباشر على جوهر المشروع الفكري العلماني ومثالها قضايا المرأة: «حدود العلاقة مع الرجل الحجاب الاختلاط» ونحوها... وكذلك اعتماد فتاوى العلماء والمفتين ونشاط الدعاة والجمعيات الخيرية والبرامج التعليمية والمدارس القرآنية والتربوية والدعوية وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل هذه القضايا ومثيلاتها تجد للعلمانيين موقفًا منها مخيبًا للآمال، وموغلًا في التناقض مع النصوص الصريحة الواضحة ومع ما جرى به العمل في المجتمع حتى أصبح من أخص خصائصه.
الشكل الثالث: خصوصيات لها تأثير مباشر على جوهر المشروع السياسي العلماني، ومنها ما اختصت به المملكة العربية السعودية من حفاظها على النهج الشرعي الأصيل في الحكم، وهو ما يجعل المشروع العلماني حائرًا بين الحفاظ على مقومات ولائه لهذا النهج وبين برنامجه السياسي الذي يطمح لقيام أحزاب وانتخابات تحاكي الغرب في نهجه السياسي.. هذا إن لم يكن طموحه ثوريًّا ومتناغمًا مع معارضة الخارج وأطماع الاستعمار!! وهذا بالضبط ما يجعله حريصًا على تفتيت العلاقة بين العلماء وولاة الأمر من جهة وبين العلماء والمجتمع من جهة أخرى مستفيدًا من الرعاية الغربية وفتنة التطرف.
إن كلمة الفصل في أسس الإصلاح المحترم للخصوصية والمستندة للشريعة قد قالها خادم الحرمين في خطابه الأخير بأنه «سيتم في إطار التدرج المعتدل المتماشي مع رغبات المجتمع والمنسجم مع الشريعة الإسلامية، وأنه لا مكان في بلاد الحرمين للتطرف، فنحن ولله الحمد أمة وسط بعيدة عن الإفراط والتفريط..
ويوم أن كان أميرًا ووليًّا للعهد -وكانت البلاد تتعرض لهجمات عاصفة من قبل الصحف العلمانية الأمريكية والغربية -قال كلمة قصيرة فاصلة يومها بما نصه: «القافلة تسير» وهي الكلمة نفسها التي نقولها للعلمانيين اليوم: القافلة تسير.