العنوان تناقض العلمانية وتهافت العلمانيين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-2000
مشاهدات 64
نشر في العدد 1386
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 01-فبراير-2000
الحمد لله.. أنه لا يزال في بلداننا العربية الإسلامية قضاء ينتصر لعقيدة الأمة وثوابتها ويرد عادية المتطاولين من العلمانيين الباسطين ألسنتهم بالسوء بدعوى الفكر والحرية والإبداع، بينما هم أبعد الناس عن ذلك كله.
والحمد لله الذي تكفل بحفظ الدين، وقيّض له من يغار عليه، ويغضب إذا مست حرماته، أو انتهكت قيمه وأخلاقياته، وينهض برشد وعقلانية- إذا حدث شيء من ذلك- إلى القضاء، يرفع شكايته إليه، حسبة لوجه الله تعالى، حتى يقول القاضي كلمته، ويصدر حكمه، وحكم القضاء العادل هو «عنوان الحقيقة».
وقد حدث هذا أكثر من مرة في أكثر من بلد عربي مسلم، كمصر على سبيل المثال، ومؤخرًا في الكويت كمثال آخر.
فقد أصدرت محكمة كويتية حكمًا بتاريخ ٢٢/١/٢٠٠٠م قضى بالسجن لمدة شهرين وبدفع غرامة مالية لوقف التنفيذ ضد كاتبتين كويتيتين بعد أن دانتهما بنشر كتابين مسيئين إلى الدين والأخلاق، لما تضمناه من «عبارات تمس الذات الإلهية وعبارات منافية للآداب، ومخلة بالحياء».
لم يكن هذا الحكم غريبًا على القضاء الذي هو أحد حصون الأمة، ولكن الغريب حقًّا هو موقف زمرة العلمانيين الذين لم يعجبهم حكم القضاء وأسرعوا إلى تعليق مشكلة إفلاسهم الفكري على شماعة «الإسلاميين»، بل إنهم جعلوا حكم القضاء «مادة» للنقد فوصفه بعضهم بأنه «ظالم» و«قاس» وزعم آخر أنه «يتجنى على حركة الإبداع في الكويت»، وهكذا أصبحت أحكام القضاء مجالًا للتجريح والتعليق من قبل هؤلاء دون احترام للمبدأ القائل «بأن حكم القضاء العادل لا يعلق عليه» وبخاصة إذا جاء التعليق من غير ذوي اختصاص، أو من فاقدي أهلية التحدث في شؤون القانون والقضاء.
وبعيدًا عن اللغط الذي يثيره العلمانيون حول هذه القضية، وحول قضايا سابقة مماثلة لها في مضمونها، حدثت داخل الكويت أو خارجها في بلدان عربية أخرى، فإن حالة الذعر التي تصيب العلمانيين في كل مرة يدينهم فيها القضاء ليست ناتجة عن شعورهم -كما يدعون- بأن حرية الفكر والتعبير والإبداع باتت مهددة أو مقيدة، وإنما لأنهم يعانون من حالة مزمنة من الإفلاس والخواء الفكري، ومن الأدلة على ذلك أن أعمالهم التي يتطاولون فيها على عقيدة الأمة وثوابتها تمر مرورًا عابرًا لا يكاد يشعر بها ولا يهم أحد إلا حين يكتشفها بعض الغيورين فيتصدون لها، ولو كان لأعمالهم الأدبية وإبداعاتهم الفكرية المزعومة أثر لظهر ذلك بمجرد نشرها.
ولكن ما الذي يفسر هذا الإفلاس الذي يعانونه، وهذا الرفض الاجتماعي الذي يواجهونه فيدفعهم إلى الاستعلاء على عموم الأمة وإلى ازدراء من يسمونه «رجل الشارع»، في إشارة إلى الأغلبية الساحقة من أبناء المجتمع؟
إن السبب الجوهري لذلك هو تناقض فكرة العلمانية -التي ينطلقون منها- مع الرؤية الإسلامية لمجتمعاتنا من جهة، ولأن أولئك العلمانيين في بلادنا أبطال مزيفون كما كان يسميهم الشعب التركي المسلم الذي ابتلي بهم منذ عقود طويلة، ومن جهة أخرى، فليس لديهم منطق سليم يدافعون به عن آرائهم، وسرعان ما يتهافتون بين الحجة ونقيضها، وبين مقاصدهم ومصالحهم.
أما تناقض العلمانية، فله أوجه كثيرة، منها: أنها دعوة لفصل الدين عن الحياة الاجتماعية والسياسية العامة، وإدارة هذه الحياة وتدبيرها وفق رؤية دنيوية وضعية مجردة من القيم، وغير خاضعة لتعاليم إلهية وإنها – كذلك- تدعي إمكان فصل ما هو خاص، عما هو «عام»، وأن باستطاعة الفرد أن يكون نافعًا ومصلحًا في المجال العام حتى وإن كان سلوكه الخاص فاسدًا، وهذا تناقض واضح تأباه الرؤية الإسلامية وترفضه الفطرة الإسلامية؛ لأن من لا يستطيع إصلاح نفسه فهو عن إصلاح غيرها أعجز وما يعتبره البعض حرية شخصية لا يجوز للقانون أن يتدخل فيه يهدد النسيج الاجتماعي كله، ولو على المدى البعيد، ومن هنا يصبح الخاص عامًا وبالذات في مجال الأخلاقيات والعقائد.
ومن تناقضات فكرة العلمنة أيضًا أنها تدعو إلى نزع القداسة، وهتك حرمة كل شيء بزعم ممارسة الحرية والإبداع، وهي بهذا المعنى تقود إلى الفوضى والعدمية وعدم الاعتراف بقيم ثابتة ولا بمرجعية حاكمة، وإنما كل شيء مستباح، وهذا مناقض لسنن الحياة الاجتماعية ولفطرة الله التي فطر الناس عليها، ولحكمته من إرسال الرسل ليبينوا للناس الحلال والحرام، وليهدوهم إلى عبادة الله وحده، وليحذروهم من الانسياق وراء أهوائهم وشهواتهم.
وأما «تهافت العلمانيين» فهو نتيجة طبيعية لتناقض فكرتهم ولبوار بضاعتهم وعدم انسجامها مع عقيدة الأمة وثوابتها الأخلاقية، وخصائصها الاجتماعية، فبينما يرفعون راية العقل، وحرية الرأي والتفكير والتعبير وتعدد طرق الوصول إلى الحقيقة، نجدهم على صعيد الممارسة العملية لا يؤمنون بكل هذا إلا لأنفسهم فقط ويمارسون خطابًا إقصائيًّا لا يتسع لرأي يخالفه، ووصائيًّا لا يرى للحقيقة أو للإبداع بابًا غير بابه وسلطويًّا على كل من عداه، حتى لو كان الطرف الآخر هو سلطة القضاء، التي تطبق القانون، فلا يقبلون لها حكمًا إذا خالف «رأيًّا» لهم، بل ويطالبون بتغيير القانون بدعوى أنه قيد على حريتهم، وهذا منطق مفلس متهافت ولو صح لكان معناه أن من حق كل من لا يعجبه حكم القانون لهوى في رأسه، أو عوج في تفكيره، أو شذوذ في رأيه أن يطالب بتغيير القانون، وهذا يؤدي إلى حالة من الفوضى ولا شك.
ومن تهافتهم أيضًا أنهم مع كل فشل يحل بهم يسارعون باتهام المجتمع بالتخلف وعدم القدرة على فهم رسالتهم التنويرية، ويستنجدون بسلطة الدولة لتحميهم من «المجتمع» ويطالبون بأن تتولى هي محاسبتهم وليس الناس بحجة أن التيار الديني مسيطر على المجتمع، كما قال أحدهم، وهذه حجة متهافتة، وضد المنطق الذي يقول: إن المفكر أو المبدع الحقيقي هو الذي يرتبط بمجتمعه ويفهمه ويعبر عن آماله وتطلعاته، وليس الذي يستعدي دولته عليه، وينافق السلطة على حساب الفضيلة والأخلاق والعقيدة، ويدعو إلى إلغاء «الحسبة»، وإبطال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليتاح نشر أفكاره المنحرفة، فهذا تناقض واضح، وتهافت فاضح.
بقيت كلمة أخيرة.. إننا نكرر مطالبتنا للجامعات بألا يكون فيها مكان لأولئك النفر من تلامذة الغرب العلمانيين، ولمن تصدر بحقهم أحكام بشأن المساس بالدين والعقيدة والرسالة وأن تعتمد على الأساتذة الأكفاء ذوي الورع والدين والخلق، الذين يؤتمنون على أبنائنا؛ ففاقد الشيء لا يعطيه، وإذا افتقد البعض القيم والأخلاق فلن يستطيع أن يعلم ذلك للأجيال القادمة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل