العنوان مرض نفسي علاجه قرآني
الكاتب عزة الكيلاني
تاريخ النشر السبت 13-أبريل-2002
مشاهدات 93
نشر في العدد 1496
نشر في الصفحة 62
السبت 13-أبريل-2002
القلق، استعداد وراثي تتهيأ له الأسباب البيئية فيبعث على شقاء المرء
القلق من أبرز الأمراض النفسية شيوعًا في المجتمعات، حتى إن نسبة المترددين على العيادات النفسية والعصبية، والذين يعانون من مشكلات نفسية، وعلى رأسها القلق في ازدياد مستمر، ولأننا معرضون للغزو الفكري والثقافي الغربي، فإن أسباب القلق في المجتمعات الغربية ليست بعيدة عنا، ومن هنا تكمن أهمية الحديث عن القلق، وأهم أسبابه، وكيفية الوقاية بالالتزام بتعاليم القرآن الكريم. لذا كان هذا الحوار مع الدكتور زهير أحمد السباعي- رئيس قسم طب الأسرة والمجتمع بكلية الطب في جامعة الملك فيصل بالدمام.
ما أهم أسباب القلق عمومًا؟
لا يولد الخوف أو القلق مع الإنسان، ولكن قد يولد مع المرء استعداد وراثي للانفعالات العصبية، ويبرز هذا الاستعداد إذا ما تهيأت له الأسباب البيئية، وهي أسباب قد تكمن جذورها في محيط العائلة أو المدرسة أو العمل.
فمن أهم أسباب القلق البيت الذي يسوده الشقاق أو سوء التفاهم أو إهمال الأبوين لأطفالهما، والمجتمع الذي تركز قيمه على التفوق المادي والصراع من أجل البقاء، وكذلك مطامع الإنسان وآماله عندما تتعدى قدراته، أو رغباته عندما تصطرع مع الفضيلة والأخلاق والضمير وفي بلادنا العربية ليس لدينا إحصاء دقيق عن الأمراض النفسية ومدى انتشارها، لكن الإحصاءات في أمريكا تقول: إن ٨٥٪ من المرضى الذين يترددون على الأطباء يعانون من مشكلات نفسية، وفي مقدمتها القلق.
ما أهم أعراض القلق؟
الأعراض العامة هي الإحساس بالانقباض وعدم الطمأنينة والتفكير الملح، واضطراب النوم وقد ينعكس هذا الاضطراب النفسي على الجسم فتبرد الأطراف، ويتصبب العرق، ويخفق القلب وتتقلص المعدة ويرهق الجسم وتتعطل القدرة على الإنتاج، وقد يهرب الإنسان إلى أحلام اليقظة كعلاج مؤقت.
وقد يصل الأمر إلى عصاب القلق، ويتمثل في الوسواس، أي الخضوع لفكرة ملحة مثل الموت أو المرض أو الخوف من الارتفاع أو الغرف الضيقة أو العصاب القهري مثل غسل اليدين المبالغ فيه.
وقد يتعرض مريض القلق لأزمات حادة تستمر دقائق أو ساعات، وإذا أزمن القلق واشتد عليه فقد يؤدي إلى بعض الأمراض النفسية والجسدية مثل قرحة المعدة، وارتفاع ضغط الدم، والربو، وأكزيما الجلد.
وصفات للعلاج
هل من علاج طبي للقلق؟
تتلخص وسائل المدرسة الطبية والنفسية الحديثة لعلاج القلق فيما يلي:
معرفة السبب، وتناوله بموضوعية والوصول إلى السبب أو الأسباب «التي قد تعود إلى مرحلة الطفولة» ويتم ذلك عن طريق الاستقراء الذاتي أو التحليل النفسي أو العلاج الجماعي.
الاسترخاء.
العلاج الطبي بالأدوية المهدئة.
وهناك ألوان أخرى من العلاج، كالعلاج المهني، وهو أن يتم شغل المريض بالعمل لصرفه عن التفكير في مشكلته.
ولكن ينبغي أن نعلم أن علاج القلق بالوسائل الطبية والنفسية الحديثة يجدي في بعض الحالات ولا يجدي في بعضها الآخر، إذ إن العلاج الذي تقدمه المدرسة الطبية والنفسية الحديثة في أغلبه علاج للحالة، وليس علاجًا للجذور.
ويعطينا «ديل كارينجي» في كتابه «دع القلق وابدأ الحياة» وصفات جاهزة لمحاربة القلق، فهو يقول لنا: لا تعبر الجسر قبل أن تصله «بمعنى لا تقلق للشيء قبل حدوثه»، ولا تبك على اللبن المراق «بمعنى ما فات مات»، ولا تشتر الصفارة بأكثر من ثمنها «أي: لا تعط الأمور أهمية أكثر مما تستحق»، ويقول أيضًا: أغلق الأبواب على الماضي والمستقبل وعش في حدود يومك.
العلاج القرآني
هذا بالنسبة للعلاج الطبي، فهل يمكن استخدام العلاج الروحاني بالقرآن الكريم؟
كتاب الله يجمع بين بين دفتيه الوقاية والعلاج، فأسباب القلق -كما قلنا- كثيرة وأهمها:
1- التوجس وتوقع السوء.
۲- الصراع بين نوازع الإنسان من جهة والقيود التي تحول دون هذه النوازع من جهة أخرى.
وهناك أسباب عامة تكمن وراء هذين السببين منها: التفكك العائلي والفردية والوحدة والانحلال الخلقي، وقبل هذا كله افتقاد الصلة بالله سبحانه وتعالى.
والقرآن يتناول هذه العوامل جميعًا طورًا بالوقاية وطورًا آخر بالعلاج، وذلك كما يلي:
الوقاية فحياتنا بكل ما فيها، وما حولها متصلة بالله سبحانه وتعالى.
كما أن دين الإسلام منهج حياة، لا يقتصر على أداء الشعائر، وإنما يحدد مسالك حياتنا ودروبها وعلاقاتنا ومعاملاتنا، ومن هذا المنطلق نجد أن القرآن الكريم يهدينا إلى الوسائل السليمة لاتقاء القلق، ويمهد لنا أرضًا صلبة نقف عليها بثبات وطمأنينة، هذا لو تدبرناه وعقلناه قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: 24).
مم يخاف المؤمن؟
إذا تناولنا السبب الأول من أسباب القلق وهو الخوف والتوجس نسأل لماذا يخاف المؤمن؟ ومم يخاف ما دام كل شيء بيد الله؟
إن على المؤمن أن يتخذ من الأسباب ما يقيه غوائل الجوع والفقر والمرض، وليعط الأسباب حقها، ثم يترك الأمر بيد الله، ولا يعيش خائفًا يترقب.
فالرزق أولًا، وقبل كل شيء، بيد الله سبحانه. قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (العنكبوت: 60).
﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (الذاريات: 22).
وهل يخشى الإنسان مصائب الحياة فليتق إذن أسبابها ما استطاع، ثم ليدع الأمر لله تعالى وليطرح عن نفسه أثقال الخوف. قال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (الحديد: 22)، وقال: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الأنعام: 17).
هل يخشى المرض؟ عليه إذن أن يأخذ بأسباب الوقاية والعلاج في حدود استطاعته والأمر لله.
قال سبحانه على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهۡدِينِ *وَٱلَّذِي هُوَ يُطۡعِمُنِي وَيَسۡقِينِ * وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ *وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحۡيِينِ﴾ ومن بعد هذا كله فإن مقدرات الكون بيده جلت قدرته: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ ﴾(الطلاق: ٣).
أما السبب الثاني من أسباب القلق فهو الصراع داخل النفس بين رغباتها من جهة والقيود التي تحد هذه الرغبات من جهة أخرى، وهنا نجد أن القرآن يربي المسلم على الحق الذي يعلو ولا يعلى عليه، وأن الحلال بين والحرام بين، وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ﴿إنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: 9).
الصلة بالله علاج روحي
ما البرنامج الإيماني الذي يمكن أن يتبعه مريض القلق للنجاة منه؟
الصلة الدائمة بالله التي توفر للإنسان كل مقومات العلاج الروحي، فتنتفي الوحدة والضياع والفراغ الروحي، ويتحقق الانتماء للقوي الأعلى. وتتحقق هذه الصلة عن طريق:
أولًا- الصلاة التي هي صلة بين العبد المؤمن وربه، تستغرق العقل والشعور والوجدان، وهي علاج روحي يوفر للمؤمن سكينة النفس وطمأنينتها.
فالنبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا حزبه أمر صلى، وكان يقول: أرحنا بالصلاة يا بلال، وكان يقول أيضًا: جعلت قرة عيني في الصلاة، ولكن كم من المسلمين يخشعون في صلاتهم حتى لا يعود يربطهم بالحياة من حولهم شيء، وتبقي صلتهم بالله وحده؟ هذه هي الصلاة التي عناها القرآن بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (المؤمنون: ١- ٢).
ثانيًا- ذكر الله دائمًا وفي كل وقت: مما يبعث في النفس إحساسًا بالاتصال بالله، كما أن التوكل عليه يقي الإنسان من الوحدة والضياع والعزلة، يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28).
ويقول «عليه الصلاة والسلام»: «لا يجتمع قوم يذكرون الله تعالى إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله تعالى. وإلى جانب الذكر هناك الدعاء بالفرج من الهموم، وباب الله مفتوح على مصراعيه لصاحب الهم والكرب قال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: 60).
ثالثًا- تلاوة القرآن: تبعث في النفس السكينة والهدوء، فقد كان مشركو مكة يتواصون فيما بينهم بعدم الإنصات للذكر الحكيم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: 26).
وذلك حتى لا يتأثروا ببيانه وعظمته فتميل قلوبهم إلى الإيمان ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: 26).
رابعًا تقوى الله: الأعمال السابقة كلها تبعث في النفس الطمأنينة شريطة أن تقترن بالعمل الصالح والقول الصالح. قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 97).
اعرف نفسك
هناك جانب آخر من العلاج الروحي الذي يوفره كتاب الله الكريم، هو أن يعرف الإنسان نفسه، فمن خلال هذه المعرفة يكون أقرب إلى الاهتداء إلى بواعث القلق وأسبابه.
ومن أقوال أبي حامد الغزالي: «من عرف نفسه عرف ربه، إلا أن هناك خيطًا رفيعًا يفصل بين معرفة الإنسان لنفسه، وبين أن يستغرق فيها بصورة تزيد المشكلة.
وأحد أسباب القلق ما يقع فيه الإنسان في حياته العملية من تفريط أو إفراط، فالحياة لا تستقيم إلا بالاعتدال والتوازن، كما أمرنا الله سبحانه وتعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: 77).
كما يعلمنا القرآن الكريم ألا نستسلم لعقيدة الإحساس بالذنب؛ لأنه إحساس يثقل كاهل الإنسان بالقلق والهم، قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ﴾ (طه: 82).
وكذلك يعلمنا ألا نتحاسد، فالحسد يولد اضطراب النفس، ولو وعى الحسود أن الله تعالى هو الواهب والمعطي، وأن معيار الخير عند ربه قد يختلف عما يظنه ما كبد نفسه مشقة الحسد. قال سبحانه:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13).
فعلى الإنسان ألا يحمل نفسه فوق طاقتها والقرآن يدعونا إلى الموازنة بين رغباتنا وقدراتنا حتى نتجنب اضطراب النفس، وقلقها.
من أسبابه بيت يسوده الشقاق، إهمال الأبوين، مادية المجتمع وثورة التطلعات.
من أعراضه الإحساس بالانقباض، عدم الطمأنينة، اضطرابات النوم والتفكير.
الصلة الدائمة بالله توفر كل مقومات العلاج الروحي، والطمأنينة الإيمانية تأتي بالسكينة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل