; تلك أمانيهم | مجلة المجتمع

العنوان تلك أمانيهم

الكاتب عيد عبدالحميد

تاريخ النشر السبت 15-يونيو-2002

مشاهدات 58

نشر في العدد 1505

نشر في الصفحة 66

السبت 15-يونيو-2002

ليس من شيء أصدق في كشف الخفايا التي في الحنايا، ولا أوثق في تجلية الخبايا التي في النوايا مما تختزنه نفوس من عادانا من كتاب الله مولانا.. وقد تجسدت حقائقه في أرض الواقع فبتنا ننظر إليها عيانًا، فيا لها من مزية لم يحظ بها أحد من العالمين سوانا- معشر المسلمين- في خضم مقارعتنا لأعداء الملة والدين، فقد سبر لنا كتاب الله تعالى غور النفوس لتستقي منها العبر ونستشف الدروس.

فمن تصفح آيات الكتاب المجيد، وقف على ما يختلج صدور العدى من أمنيات تجاه المسلمين في كل ميدان وصعيد، وثم إفصاح عن شواهد للإيضاح، ومن استقصى وقف على المزيد.

ففي الميدان الفكري يطالعك قوله تعالى ﴿وَدَّ كَثِیر مِّن أَهلِ ٱلكِتَـٰبِ لَو یَرُدُّونَكُم مِّن بَعدِ إِیمَـٰنِكُم كُفَّارًا حَسَدا مِّن عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعدِ مَا تَبَیَّنَ لَهُمُ ٱلحَقُّ فَٱعفُوا وَٱصفَحُوا حَتَّىٰ یَأتِیَ ٱللَّهُ بِأَمرِهِۦ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیء قَدِیر﴾ (البقرة : ۱۰۹)

 فالود محبة الشيء وتمني كونه «مفردات القرآن للأصفهاني «86»، فهي مودة مقتضية معنى التمني، وقوله «يردونكم» بصيغة الفعل المضارع يشي بأن القوم ما زالوا يودون عود المسلمين إلى الكفر، فتلك لهم غاية، أن ينسلخ المسلمون من دينهم وينخرطوا في سلم الغواية، لإدراكهم أنهم بانسلاخهم عن دينهم لن ترفرف لهم بالعز راية، وهذا ما شهد به  التاريخ وكم في  التاريخ من عظة واية، فهما يومان للعرب في  التاريخ، يوم عزوا فيه وسادوا ولغيرهم من الأمم والشعوب قادوا، ويوم ظلموا فيه واضطهدوا على أيدي النصارى والذين هادوا أما اليوم الأول يوم العزة والكرامة فحينما اتخذوا القرآن لهم دستورًا، وأما اليوم الآخر يوم الحسرة والندامة.

فحينما ولوا على أدبارهم نفورًا. وعلى الصعيد النفسي فجماع أمنياتهم فيه شخصه قوله تعالى ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّم﴾﴿(آل عمران: ۱۱۸)، أي رغبوا فيما يعنتكم، والعنت هو النصب الشديد والضرر الشاق المؤذي «السان العرب ٤٣٤/٤»، وعليه فما يلحق بالأمة من هم، وينزل بساحتها من غم، تجده مبعث فرحتهم، وما يصيبها من مواجع، ويخيم عليها من فواجع، فهو باعث غبطتهم وما يمسها من شظف في العيش، وضيف في الأرزاق وحصار يضيق عليها الخناق، ويجر عليها الأوصاب يقع عندهم موقع الشماتة والترحاب وإنها سورة كاملة السمات ناطقة بدخائل النفوس وشواهد الملامح تسجل المشاعر الباطنة والانفعالات الظاهرة والحركة الذاهبة الأبية، وتسجل بذلك نموذجًا بشريًا مكرورًا في كل زمان وفي كل مكان لا يريدون للمسلمين إلا الاضطراب والخباء لا يقصرون في إعنات المسلمين ونثر الشوك في طريقهم والكيد لهم والدس ما واتتهم الفرصة في ليل أو نهار، شر مبيت نوايا سيئة تجيش في صدورهم، ولم يجئ هذا التنوير وهذا التحذير ليكون مقصورًا على فترة فترة تاريخية معينه فهو حقيقة دائمة، نرى مصداق ذلك فيما بين أيدينا من حاضر مكشوف مشهود، «في ظلال القرآن ٤٥٢/١»

وأما أمنياتهم على الصعيد السياسي فيمثل لها بقول الباري جل شأنه ﴿وَدُّوا لَو تُدهِنُ فَیُدهِنُونَ﴾  (القلم: 9)، فالإدمان المصانعة والملاينة والمقاربة في الكلام وإظهار خلاف ما يضمر «لسان العرب ٤٣٤/٤»، فهو مأخوذ من الدهن شبه التليين في القول بتليين الدهن، إنها المجاملة في المواقف على حساب العقيدة والمساومة على حساب المبادئ والثوابت.

وما كان منهم من أمنيات على الصعيد الأمني كشفه قول الحق جل وعلا ﴿وَدَّت طَّاۤىِٕفَة مِّن أَهلِ ٱلكِتَـٰبِ لَو یُضِلُّونَكُم﴾ (آل عمران: ٦٩) أي تمنت جماعة من أهل التوراة من اليهود وأهل الإنجيل من النصارى لو يضلونكم، بمعنى لو يهلكونكم، ومنه قوله تعالى ﴿وَقَالُوۤا أَءِذَا ضَلَلنَا فِی ٱلأَرضِ أَءِنَّا لَفِی خَلق جَدِیدِ﴾  (السجدة:١٠) «تفسير الطبري (۳۰۸/۳» وأبواب الهلاك تفتح علينا من قبل هؤلاء في صور شتى فتارة عبر أفكار ضالة مضلة، من شأنها أن تلحق بأهلها خيبة وذلة، وتارة بتدفق وابل من الشبهات أو سيل من المفاتن والشهوات، وأخرى بانحياز في السياسات ليغروا بنا الطامعين الغزاة، أو حروب نفسية ترمي إلى تقويض ما قام في النفوس من عوامل الثبات، وزعزعة الاستقرار والطمأنينة في المجتمعات والدفع باتجاه شق الصفوف والإيقاع في البلايا والاضطرابات

ومن شر أمنياتهم ما يتمنونه على الصعيد العسكري وقد كشفه التوجيه الرباني الجلي ﴿وَدَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا لَو تَغفُلُونَ عَن أَسلِحَتِكُم وَأَمتِعَتِكُم فَیَمِیلُونَ عَلَیكُم مَّیلَة وَحِدَة﴾  (النساء: ۱۰۲)، فيرقب أشرار البرية أن يغفل المسلمون عن حمل البندقية فضلًا عن كفرهم بها كخيار لحل القضية، وكذا يودون غفلتهم عما حباهم الله تعالى من مقدرات، وخصهم به من دون العالمين من ثروات تكون عونًا لهم في النائبات الملمات، لتكون النتيجة عندهم فيميلون في. وذخيرة في عليكم تبقي ولا تذر  ميلة واحدة ميلة يتجرع غصتها ويحصد مرارتها أهل البوادي والحضر، فإذا كانت هذه الحال إذا ما غفل المسلمون عن السلاح فكيف إذا ما طرحوه جانبًا وكفروا به كخيار لتضميد الجراح وإعلاء الراية في الساح؟ لا ريب أن العاقبة ستكون أدهى وأمر.

 وإذا كان ذلك كذلك فالمقام يستدعي توضيح ملابسات وتصحيح فهومات، إذ يقع كثير في التباس وإشكال، إثر سماعه شنشنة أقوال تطلقها السنة من العدى واعدة بتبدل الأحوال، موهمة بتغير السياسات والأفعال، فما يلبث فنام من الناس أن يعقدوا عليها الآمال، متناسين أو غير مدركين قول الكبير المتعال ﴿یُرضُونَكُم بِأَفوَهِهِم وَتَأبَىٰ قُلُوبُهُم﴾ (التوبة: ۸) فما تكنه الضمائر، وتنطوي عليه السرائر خلاف ما يدندن به العدو في الظاهر، ولا يفوتنا أن واقع الحال أصدق من زخرفة المقال، وميدان دغدغة العواطف لا يصلح للاستناد عليه في تحديد المواقف.

وفي صدد تصحيح فهومات تقرر أنه ليس من المعقول أبدًا ولا المقبول أنه تحت وطأة الضغوطات يسلم المرء عقله لمصطلحات، ويتحرك في ضوئها وكأنها مسلمات... من ذلك ما زلت فيه إقدام ونسجت حوله أوهام، وتعثرت فيه أقدام حول مفهوم الإرهاب والسيادة التي جانب قوم في تعريفها القيم المتوارثة السائدة، فأتوا بتصورات وتوصيفات ما أظن أهل العصور البائدة والغريب أنهم بنوا عليها أفاعيل لا يقرهم عليها جيل.

سبقهم بها من أحد من أو بواطنهم عليها رعيل وإلا فأي مسوغ عقلي فضلاً عن معضد شرعي يجيز أن يوصف من وضعوا أرواحهم على الأكف ونفضوا عن الأمة الوهن والضعف، وبدمائهم وأموالهم وأرواحهم يجودون ليرفعوا عنها الظلم والحيف ليوصموا بعد ذلك بأنهم أهل إرهاب وتطرف وعنف، ويكون جزاؤهم أن يرزحوا في غياب السجون، أو يسلموا للثبور والمنون. قربانًا لما يسمى مصلحة وطنية عليا ستكون هي الفائدة، أو كيانات ذات استقلالية وسيادة ستكون هي الثمرة العائدة.. في حين يطبق إجماع العقلاء على أن السيادة الحقيقية تقتضي أن كل رجل تطأ أرض المسلمين لتعيث فيها فسادًا في الإرهاب بعينه فحقها أن تقطع، وكل يد أثيمة تجترئ على دماء مجاهد حر أصيل فتحت الأقدام يوضع غير آبهين لما الشعوب وممتلكاتهم فجزاؤها أن تشل لتودع، وكل مروع لليتامى مرمل للحرائر معتد على الأيامي مصيره أن يصرع، وكل أمر من دخيل للنيل من بعد به العدو من كيان مشيد، على أنقاض عز أمة ووحدة شعب أو دم شهيد ويتم وليد حتى وإن ضرب له المواقيت والمواعيد فوعوده هراء، وعهوده محض افتراء، فما يبدئ الباطل وما يعيد ﴿یعِدُهُم وَیُمَنِّیهِم وَمَا یَعِدُهُمُ ٱلشَّیطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا﴿ (النساء: 120). 

الرابط المختصر :