العنوان تقرير حقوقي بريطاني: الانتهاكات الإسرائيلية في القدس عملية تطهير عرقي
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1997
مشاهدات 64
نشر في العدد 1260
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 29-يوليو-1997
أصدرت لجنة «محامون من أجل حقوق الإنسان الفلسطيني البريطانية» الشهر الماضي تقريرًا موسعًا حول حقوق الإنسان الفلسطيني في القدس بعد 30 عام من الاحتلال تناولت فيه بالتفصيل ما وصفته بأنه عملية تطهير عرقي منظمة ضد الفلسطينيين في المدينة المقدسة تتسارع خطواتها الآن بغرض فرض حقائق على الأرض قبل بدء مفاوضات الوضع النهائي بين الحكومة اليهودية ومنظمة التحرير الفلسطينية التي تأجلت حتى العام المقبل بعد أن كان من المقرر بدؤها في شهر مايو عام 1996م، وجاء التقرير بعد جولة قام بها أعضاء اللجنة وهم محامون بريطانيون مستقلون في مدينة القدس وعدد من المناطق الفلسطينية وسجلوا مشاهداتهم والانتهاكات الإسرائيلية لحقوق المقدسيين المدنية والسياسية والدينية.
وقد ركز التقرير البريطاني على المحاولات الجادة والمتسارعة التي تقوم بها الحكومة الإسرائيلية ممثلة بوزارة الداخلية والبلدية اليهودية للمدينة برئاسة الإرهابية ايهود أولمرت من أجل تغيير الوضع الديمقراطي المدينة المقدسة لصالح المستوطنين اليهود عن طريق مصادرة الأراضي الفلسطينية وتهجير السكان العرب من المدينة ومنعهم من البناء وجمع شمل عائلته وغيرها من الحقوق الأساسية.
ولخص المحامون أهداف السياسة الإسرائيلية المتعلقة بالإقامة في القدس المحتلة وتسجيل المواليد وجمع شمل عائلاتهم:
- مصادرة أراضيهم لبناء المستعمرات اليهودية عليها وشق الطرق الالتفافية للربط بين هذه المستعمرات.
- منعهم من بناء منازل جديدة أو توسيع بيوتهم القائمة بغرض قوانين تنظيمية تعجيزية خاصة بالبناء.
- منع الأنشطة الاجتماعية والصحية والثقافية والفنية المختلفة التي تقوم بها المؤسسات الفلسطينية في المدينة.
وقد لاحظ التقرير جهود الحكومات الإسرائيلية على اختلافها في تشجيع هجرة اليهود إلى القدس الشرقية المحتلة لتحقيق أغلبية يهودية فيها ولتكريسها عاصمة أبدية للدولة اليهودية، بموجب ما يسمى بقانون العودة عام 1950 ميلادية يسمح لأي يهودي في العالم الإقامة في القدس والحصول على الجنسية الإسرائيلية، وعلى الرغم من قرار الحكومة الإسرائيلية في عام 1968 بضم القدس الشرقية إلى الدولة العبرية إلى أن فلسطينيي القدس، ما زالوا يعتبرون بحكم المقيمين لا المواطنين، ولذلك منحوا تصاريح إقامة أو هويات تحاول سلطات الاحتلال الآن تجريدهم منها بطرق مختلفة.
وقد وصف تقرير المحامين الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق المقدسيين بأنها عملية تطهير عرقي تتم بأسلوب منظم دقيق وبدون عنف ظاهر، ويؤكد أن الفلسطينيين باتوا اليوم أكثر تشاؤم بخصوص ما يسمى بعملية السلام مع الاحتلال، ولاحظ التقرير أن السياسة الإسرائيلية منذ بدء عملية السلام عام 1993م، غلب عليها التوسع في أعمال العنف العسكرية ضد الفلسطينيين وعمليات إغلاق وحصار المناطق المحتلة وتدمير القدرات الزراعية الفلسطينية ومصادرة الأراضي، إضافة إلى سياسة هدم المنازل بحجة عدم حصول أصحابها على رخص بناء أو كعقوبات ضد منفذي العمليات الجهادية ضد سلطات الاحتلال.
بطاقات الهوية.
يبدو التمييز العرقي والدين واضحًا في التعامل مع المواطنين الفلسطينيين من ناحية حقوقهم في الإقامة في القدس، وقد وضعت وزارة الداخلية تنظيمات جديدة لقائمة تعدد الفلسطينيين فقدان حقهم في الإقامة في مدينتهم إذا أقاموا خارج المدينة أكثر من سبع سنوات، حتى لو كانت إقامتهم في ضواحي القدس التي تقع خارج حدود بلدية القدس الكبرى، أو إذا ما تقدموا بطلبات الحصول على إقامة دائمة أو جنسية بلد أجنبي.
وفي هذا السياق شجعت السلطات الإسرائيلية الفلسطينيين في الأراضي المحتلة ومن بينها القدس على السفر إلى الأردن لغرض إبعادهم عن أرضهم، وأرسلت إنذارات إلى المئات من أهالي القدس الذين يعيشون في مناطق مختلفة من الضفة الغربية تشعرهم فيها بأن إقامتهم في القدس انتهت وتطلب منهم تسليم وثائق سفرهم (يمنح أهالي القدس وثائق سفر إسرائيلية صالحة لثلاثة أشهر فقط) إلى السلطات الإسرائيلية ومغادرة المناطق المحتلة.
وتفرض سلطات الاحتلال الإسرائيلي غرامة تصل إلى 1800 شيكل حوالي 750 دولار أمريكيًا على الفلسطينيين الذين يقيمون في القدس بدون تصريح منها مما يضطرهم إلى العيش خارج حدود البلدية كما يضطرون إلى سحب أفراد عائلاتهم المقيمين رسميًا في القدس مما يعني فقدان هؤلاء لحق الإقامة في المدينة، كما أن المقدسيين الذين يدرسون في الخارج معرضون لسحب هويتهم منهم حسب التنظيمات الجديدة وحسب التقرير البريطاني تصدر القنصلية الأمريكية في القدس تأشيرات هجرة وسمات دخول إلى الولايات المتحدة لأهل القدس الفلسطينيين بسهولة ودون تعقيدات بعكس ما هو متبع مع غيره من الفلسطينيين في البلاد العربية وغيرها من الدول.
وقدرت دراسة أجريت عام 1993م أعداد الفلسطينيين الذين هاجروا مع عائلاتهم منذ عام 1967 وحتى ذلك العام بما يلي:
- حوالي17 ألف فلسطيني من القدس العربية المحتلة هاجروا إلى الخارج.
- حوالي 12ألف فلسطيني اضطروا بشكل أو بآخر الانتقال إلى خارج المناطق التي تم ضمها بطريقه غير شرعية إلى إسرائيل وذلك بسبب منعهم من بناء منازل في القدس الشرقية.
- أكثر من سبع آلاف مقدسي يعيشون منذ عام 1967 خارج الأراضي المحتلة أو خارج حدود القدس البلدية ولم يحصلوا على بطاقات إقامة.
- إضافة الى وجود عدة آلاف فقدوا حقهم في الإقامة في القدس بسبب عيشهم خارج القدس الشرقية لأكثر من سبع سنوات.
واستنتج التقرير أن السياسات الإسرائيلية أدت إلى إبعاد أكثر من 50 ألفًا من أهالي القدس الفلسطينيين إلى خارج حدود القدس الكبرى أو خارج المناطق المحتلة منذ عام 1967 م.
ويواجه الفلسطينيون الذين لا يحملون بطاقات إقامة في مدينتهم القدس عددًا من الاجراءات القانونية كالإبعاد والاعتقال ودفع الغرامات الباهظة إضافة إلى حرمانهم من الحصول على تصاريح «مغادرة وعودة» تمكنهم من السفر خارج بلدهم والعودة اليه، كما أنه ليس بوسعه تسجيل أطفالهم كمواطنين في المدينة المقدسة، و يستتبع ذلك حرمان هؤلاء الأبناء من دخول مدارسها أو جامعاتها أو حتى استئجار شقق فيها، ونتج عن ذلك اضطرار الألاف من العائلات إلى النزوح عن المدينة أو الاختباء وعدم الخروج من منازلهم واعتبرت لجنة المحامين سحب السلطات الإسرائيلية هويات المقدسين انتهاكًا صريحًا لحقوق الانسان بما في ذلك حرية التنقل والسفر والعودة.
جمع شمل العائلات
يجب على كل زوجين يريدان الإقامة في القدس الشرقية أن يتقدم بطلب جمع شمل إلى وزارة الداخلية الإسرائيلية مقابل 150 دولارًا أمريكيًا، وهو أمر مطلوب، حتى لو كان أحد طرفي العلاقة الزوجية مقدسيًا لكنه يقيم لسبب ما في الضفة الغربية أو خارج حدود المدينة، ويستغرق الرد على طلب جمع الشمل فترة تتراوح بين عام وثلاثة أعوام.
ولا تطبق قوانين جمع الشمل على اليهود حيث يسمح لهم بدخول فلسطين المحتلة والحصول على الجنسية الإسرائيلية بدون عناء يذكر، وخلال فترات الحصار المتعاقبة كانت السلطات تسمح للإسرائيليين والأجانب غير الفلسطينيين بالتنقل بين الضفة الغربية والقدس الشرقية، أما العائلات المقدسية التي يعود جزء منها داخل المدينة والجزء الآخر خارجها فلم يسمح لها حتى بالقيام بزيارات قصيرة منذ الحصار الذي فرض على الفلسطينيين في شهر فبراير من العام الماضي.
ووضعت سلطات الاحتلال في أواخر العام الماضي شرطًا قاسيًا للموافقة على طلبات جمع الشمل، وهو أن يكون مقر مقدم طلب في القدس، أين يكفي أن يكون حاملًا لبطاقة الإقامة ووفقًا لتقديرات منظمات حقوق الإنسان قدمت حوالي 10.000 عائلة مقدسية طلبات جمع الشمل وهي بانتظار البت فيها.
ولابد من تسجيل الأطفال حتى يحصلوا على الإقامة الدائمة في القدس المحتلة، وتكمن المشكلة إذا ما كان والد الطفل غير مقيم في القدس ووالدته مقدسية حيث تشترط القوانين الإسرائيلية تسجيل في بطاقة والده وهو شرط لا ينطبق على الأطفال الإسرائيليين الذين يتبعون والدتهم دينًا وقانونًا.
وتقدر الدوائر الفلسطينية الموجود أكثر من 100 ألف طفل فلسطيني مقدسي غير مسجلين لدى وزارة الداخلية الإسرائيلية وهو ما يعني حرمانهم من دخول المدارس في القدس الشرقية، وحتى لا تضيع فرصة التعليم عليم أرسلهم آباؤهم إلى مدارس خارج القدس الشرقية، كما لا يستطيع الأطفال غير المسجلين من تلقي العلاج في مستشفيات القدس، الأمر الذي يدفع ذويهم لعلاجهم في الأردن أو غيرها من الدول.
وفي عام 1991 ميلادية أصدر سلطات الاحتلال قانونًا يلزم الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية قطاع غزة بالحصول على إذن مسبق من وزارة الداخلية إذا ما رغبوا بزيارة القدس، وفي عام 1993 شددت السلطات إجراءاتها وإقامة حواجز تفتيش دائمة خارج القدس لفصلها عن بقية الفلسطينيين لأعمالهم في القدس، مما أضر أيضًا برجال الأعمال المقدسيين الذين يعتمدون على الأيدي العاملة الفلسطينية القادمة من خارج القدس.
التراخيص التجارية
ويتوجب على التجار الفلسطينيين في القدس الشرقية الحصول على التراخيص اللازمة قبل مزاولة أعمالهم التجارية، وهي تراخيص تخضع لشروط ومتطلبات بالغة التعقيد، كما تخضع بعض المهن لشروط مستحيلة التطبيق كالإدلاء السياحيين الذين يطلب منهم الحصول على موافقة وزارة السياحة الإسرائيلية التي تضع بدورها شروطًا تعجيزية لإصدار التصريح اللازم، ولذلك لا يوجد في القدس الشرقية كلها سوى أربعة أدلاء فلسطينيين على الرغم من أن صناعة السياحة تعتبر مصدرًا حيويًا للدخل الإسرائيلي، لكن السياسات الإسرائيلية تهدف إلى إبراز الطابع اليهودي للمدينة أمام السياح الأجانب وبالتالي ليس من مصلحتها تعيين أدلاء فلسطينيين، وينقل تقرير اللجنة عبارة قالها موشيه ديان: من أنه يفضل أن يقوم الفلسطيني بقيادة طائرة فانتوم إسرائيلية على أن يعمل دليلًا سياحيًا في القدس الشرقية.
وتسعى سلطات الاحتلال عن طريق الأدلاء الإسرائيليين إلى تدمير السياحة العربية في القدس الشرقية ببث دعايات مشوهة للسياح الأجانب عن القطاع السياحي العربي في المدينة، فقد اشتكى فلسطيني يمتلك فندقًا في القدس الشرقية من أن الأدلاء اليهود يحذرون السياح الأجانب عند مغادرتهم الفنادق اليهودية في القدس الغربية إلى فنادق عربية في القطاع الشرقي بأن حياتهم ستكون في خطر هناك، كما يروج اليهود بين السياح الاجانب بأن القدس الشرقية مركز لتجارة المخدرات والدعارة.
ويوجد في القدس الشرقية ثمانية مستشفيات فلسطينية من أصل 17 مستشفى في مدن الضفة الغربية والقطاع، ولكن ينبغي على فلسطينيي الضفة والقطاع الراغبين في الاستفادة من خدمات مستشفيات القدس الحصول على تصاريح، وهي مسألة صعبة وخصوصًا في فترات الحصار، ولذلك يتوجه هؤلاء المرضى إلى مستشفيات الأردن وهي أسهل لهم دخول مستشفيات القدس أو إلى مستشفيات أوروبا وأمريكا إذا كانت حالتهم المادية تسمح لهم بذلك.
وتتبع مستشفيات القدس الشرقية نظام التأمين الصحي الإسرائيلي لكنها لا تحصل إلا على 50% أو 60% من الامتيازات التي تحصل عليها المستشفيات الإسرائيلية على الرغم من أنها تدفع رسوما متساوية.
الجامعة الوحيدة
وفي مجال التعليم فإن جامعه القدس هي الجامعة الفلسطينية الوحيدة في القدس الشرقية وينتظم بالدراسة فيها حوالي ثلاثة آلاف طالب ثلثهم من أهالي القدس والثلثان الآخران من الضفة الغربية وقطاع غزة، ويواجه الطلبة القادمون من خارج القدس ظروفًا صعبة في سبيل الحصول على تصاريح دخول المدينة وكذلك في فترات الحصار والاغلاقات، وفي بعض الأحيان وعند إغلاق الطريق بين الضفة والقطاع على وجه التحديد يضطر الطلاب القادمين من قطاع غزة إلى السفر إلى مصر ومنها بالطائرة للأردن ثم إلى الضفة الغربية للوصول إلى جامعتهم في القدس، وأحيانًا يتعرض هؤلاء للاعتقال أو إعادتهم إلى غزة بعد كل هذه المعاناة.
كما أن مدارس القدس الشرقية مهددة بالإغلاق، فعلى الرغم من أن تلاميذ هذه المدارس من سكان القدس الشرقية إلا أن غالبية المعلمين من المقيمين خارج القدس الذين يتوجب عليهم الحصول على التصاريح اللازمة لدخول للمدينة وهي تصاريح تجدد كل ثلاثة أشهر، وإذا ما قررت السلطات العسكرية إغلاق المناطق المحتلة تصبح هذه التصاريح لاغية ويتوجب على أصحابها تجديدها.
وفي ختام تقريرها دعت لجنة المحامين الحكومة البريطانية وأعضاء الاتحاد الأوروبي إلى الضغط على الحكومة الإسرائيلية لكي تلتزم بمعاهدات جنيف الرابعة المتعلقة بمعاملة سلطات الاحتلال المواطنين الخاضعين للاحتلال وبالقوانين الإنسانية والقرارات الدولية ووقف الانتهاكات التي وردت في التقرير، كما دعت اللجنة الحكومة الإسرائيلية إلى وقف بناء المستوطنات في القدس الشرقية وجمع شمل العائلات الفلسطينية المقدسية، وأوصت اللجنة الحكومة البريطانية ودول الاتحاد الأوروبي بالضغط على الحكومة الإسرائيلية لوقف سياساتها المتعلقة ببناء المستعمرات والطرق في القدس الشرقية و سياسة الإغلاق وفصل القدس الشرقية عن الضفة الغربية.
وأخيرًا طالبت اللجنة الحكومة الإسرائيلية بالاعتراف بحق فلسطينيي القدس باعتبارهم شعبًا له كيانه السياسي المستقل والسماح لهم بالسفر والعودة بحرية ودون مصادرة هذا الحق.
34 و35 المجتمع العدد 1260 24 ربيع الأول 1418 هجرية 29/7/1997 ميلادية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل