; تفسير جديد لحرب أكتوبر | مجلة المجتمع

العنوان تفسير جديد لحرب أكتوبر

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1975

مشاهدات 77

نشر في العدد 240

نشر في الصفحة 6

الثلاثاء 11-مارس-1975

تفسير جديد لحرب أكتوبر ● بتجميل وجه الحكم العسكري في المنطقة. ● الصلح مع العدو في بريق البطولات. ● إنعاش حركة التغريب تحت المظلة الأمريكية. على الرغم من أن ذوي السلطان في عالم المسلمين يفتقدون روح الأبداع وتتجمد عقولهم أمام اليهودي العالمي كيسنجر فإنهم لم يقصروا في كتم الحقائق عن شعوبهم ولم يخب وعيهم لحظة في عملية الاستخفاف بهذه الشعوب. فمن الحقائق التاريخية والسياسية التي شهدتها المنطقة في الحقبة الأخيرة أن الحكام يحرصون أشد الحرص على كتم الحقائق ويدفنون خيوط الأحداث لكي يرى الناس من هم على المسرح فحسب أما المنتج والمخرج والمؤلف فيظلون باستمرار في دائرة الظل أو في عتمة كاملة. ولا تعرف الشعوب شيئًا من الحقائق إلا بوسيلتين جبريتين: ● الأولى: ان ينهي الموت حياة الحاكم أو الزعيم فيرفع الستار عن مقدار من الحقائق يفسر المواقف الغامضة أو الأحداث المحيرة. ● الثانية: أن يقوم انقلاب عسكري مضاد يطيح بالحاكم أو الزعيـم فيكشف كذلك مقدارًا من الحقائق. يعينه على حجب حقائق جديدة عن الناس. ونحن نرى أن الجنود الطيبين قد قاتلوا بشجاعة وإقدام في حرب أكتوبر وهؤلاء الجنود هم الذين أثبتوا أن الأمة تستطيع أن تضرب اليهود وتنال منهم. لكن الجنود في أي حرب إنما هم وقودها لا قادتها يقاتلون فيقتلون ويقتلون ولكنهم لا يقررون مصائر الحروب ولا يستثمـرون نتائجها. وبغض النظر عن كلام روجرز في أول هذا الشهر من أن ما يفعله كيسنجر اليوم لا يخرج عن إطار مشروع روجرز الشهير وأن الفرق- كما يقول روجرز- هو أن مشروعه احتاج إلى حرب لكي يتحرك ويطبق. وبطرح نظرية كيسنجر جانبًا نظريته في أن حل أي مشكلة يقتضي عيدها وتسخينها حتى يعجن حديد المشكلة وهو ساخن ويصاغ وهو ملتهب. بصرف النظر عن كل هذه الاعتبارات فإن المتتبع المنتبه لمجريات الأحداث بعد حرب أكتوبر يؤدي إلى ظهور حقائق موضوعية تفسر تلك الحرب تفسيرًا جديدًا. ولئن سأل أحد: وما هي الحاجة إلى تفسير جديد؟ قلنا: إن حربًا تقوم ويموت فيها الناس ثم تكون نتائجها الاعتراف باحتلال العدو لفلسطين وتدويل القدس وفرض الوصاية الأمريكية على المنطقة حرب هذه نتائجها لا بد أن تطرح- بالضرورة- سؤالًا صادقًا طبيعيًا جادًا: ولماذا قامت الحرب إذن؟ والحقيقة أنه سؤال بديهي جدًا ومع ذلك لم يطرحه لا المفكرون ولا المثقفون ولا رجال القانون ولا زعماء الحركات الشعبية ولا علماء الدين. وهذه هي المشكلة الجديدة أن يلتزم هؤلاء الصمت المطبق ويبنون ذواتهم بينما بناء الأمة يتهدم. ويعمرون بيوتهم بينما بيت الأمة الكبير يخرب. لقد اتضح أن من أهداف حرب أكتوبر تحقيق هذه الانجازات: ۱ - تجميل وجه الحكم العسكري وتمديد عمره فقد زعمت الأنظمة العسكرية القهرية أنها ما قامت وما صادرت الحريات وضيقت على الناس في معايشهم وما أنفقت الأموال الهائلة على التسليح ما فعلت ذلك إلا لكي تتمكن من تحرير فلسطين وإزالة «عار» ١٩٤٨من وجه الأمة. هذا هو المبرر الذي صدر في كل بلاغ عسكري انقلابي في الوطن العربي وصبر الناس طويلًا وانتظروا طويلًا وإذا بالأنظمة العسكرية تضيف إلى هزيمة ٤٨ هزائم جديدة وإذا باليهود يتوسعون بإسراف في الأراضي العربية في ظل هذه الأنظمة. وجاءت هزيمة ١٩٦٧ لتبطل آخر دعاوى الأنظمة العسكرية في التحرير والنصر ومنذ ذلك الحين. سقطت هيبة الأنظمة العسكرية وأزداد وجهها غبرة. وظهر أن سبب وجودها يقتضي تمديد عمرها وتجميل وجهها فالمهمة لم تنته بعد. صحيح أن دین رأسك وزير الخارجية الأمريكي الأسبق قد صرح في جريدة «النهار» اللبنانية بتاريخ ٦ - ٣ - ١٩٧٥ فقال: «ويمكن القول إن حكومات منطقة الشرق الأوسط لا تستطيع أن تصنع السلام وتبقى في الحكم». بید أن دین رأسك يتحدث عن المرحلة التي تلي توقيع وثيقة الذل واتفاق المهانة التاريخية. أما المرحلة التي تسبق ذلك فتقتضي تجميل الوجوه وتلميعها خاصة إذا أدركنا أن هذه الحلول الاستسلامية من العسير جدًا أن تمر عبر برلمانات حرة منتخبة ولعل كيسنجر كان يعبر عن هذا المعنى حين قال: «إن النقاط التي سأقدمها لتحقيق السلام تحتاج إلى موافقة البرلمان اليهودي». قال: البرلمان اليهودي ولم يذكر ذلك بالنسبة للعرب. تجميل وجه الحكم العسكري-إذن- هدف من أهداف حرب أكتوبر. ٢ - الهدف أو الإنجاز الثاني هو: الصلح مع العدو في بريق البطولات بمعنى أن الذين يتولون كبر التوقيع على وثائق الاعتراف بالعدو والصلح معه تفرض عليهم قواعد اللعبة أن يكونوا أبطالًا. ومن يناقش البطل؟ من يعترض على البطل؟ من يرفض شيئًا من تصرفات البطل وهو الذي قام بدور البطولة؟ وليس المهم وضع شروط حقيقية للبطولة المهم أن يصنع بطل ما يستطيع في بريق البطولة إنجاز الصلح مع العدو. 3-والانجاز الثالث من إنجازات حرب أكتوبر إنعاش التغريب والأمركة تحت المظلــة الأمريكية. وهذا ما يجري فعلًا الآن. فبعد الحرب بأيام رأينا عملًا سياسيًا في القمة يكافح من أجل تجميل الوجه الأمريكي لدى الشعوب العربية ورأينا قطاعات إعلامية ضخمة تقوم بنفس الدور. وفي مجال الثقافة والفكر برز إلى السطح بفعالية أكبر دور الجامعة الأمريكية في بيروت كما أقیمت ندوة أزمة التطور الحضاري في الكويت. وتفشى الجنون الاجتماعي بالحياة الاجتماعية الأمريكية في جو الرضي السياسي والترويح الإعلامي. وهذه الانجازات كلها أغطيــة تخفى - سياسيًا- خطة ضرب الإسلام وتطويق إنتعاشته الحديثة. فإنجاز تجميل الوجه العسكري معناه الإبقاء على الأوضاع القهرية التي تخنق حرية الإسلام في الفكر والعمل وتجميع الناس حول رايته. ونحن نعرف أن من أسباب إلغاء الحريات العامة التضييق على الإسلام وعرقلة نشاطه فالخصوم يعلمون - كما نعلم نحن أن الإسلام يزدهر وتتألق حقائقه في مناخ الحرية وهو الاتصال بالناس. وانجاز الصلح مع العدو مقصود به ضرب الإسلام فالسيادة في المنطقة - وفق المعتقد القرآني- للإسلام وحده وإذا اتخذنا القدس رمزًا فإن السيادة على القدس- وما حوله- إنما هي للمسلمين وحدهم. والصلح معناه فرض الوصاية اليهودية على مقدسات المسلمين ووجودهم العقائدي والسياسي. والصلح معناه إنهاء الصراع لصالح اليهودية العالمية ومعناه إتلاف التصور الإسلامي الذي يقرر بوضوح أن هذه الأمة في معركة مستمرة مع اليهود. وإنجاز: إنعاش حركة التغريب والأمركة الهدف منه احتلال اجتماعي أمريكي غربي يستعمر المسلمين في السلوك الاجتماعي والتقاليد والأذواق وعلاقات الجنس وفلسفة الحياة وأنماط العرف والعادة. إن الرؤية واضحة جدًا وإن تعجب فمن أولياء الإسلام وحماته الذين لا نطالبهم اليوم بأكثر من إبداء الرأي والصدع بالحق. إن الإسلاميين يقترفون معصية مغلظة بهذا السكوت العجيب. وإذا كان الحكام قد منحوا أنفسهم حق ارتكاب الأخطاء والانحرافات ألا يمنح الإسلاميون أنفسهم حق الكلام وحق نقد الأخطاء. إن التسويف وانتظار صلاح الأمور من تلقاء نفسها وهم لا يليق بمؤمن. فالقافلة الشاردة تمضي من غير هدى والتسويف لا يزيدها إلا مضيًا في طريق الضلال.
الرابط المختصر :