; تعقيب على ما يجري في تونس | مجلة المجتمع

العنوان تعقيب على ما يجري في تونس

الكاتب الدكتور علي جريشة

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يناير-1980

مشاهدات 73

نشر في العدد 466

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 22-يناير-1980

ما يحدث في تونس تخبط في فهم الإسلام 

ما حقيقة دعوة الإخوان؟

هل يفيد القمع من مصادرة الدعوات؟

طالعت ما جاء بجريدة الشرق الأوسط في عدد الجمعة ٢ صفر ١٤٠٠ هجرية ٢١ ديسمبر ۱۹۷۹ تحت عنوان «بورقيبة أعطى إشارة الانطلاق لمقاومة نشاط حركة سياسية ترتدي طابعا دينيا من تونس»- وقد ذكر مراسل مكتب الشرق الأوسط أن الرئيس التونسي وجه إلى الشعب التونسي عبر محمد الصياح مدير الحزب الاشتراكي الدستوري بيانا حثه فيه على أن يواجه النزعة الداعية في ظاهرها إلى الدين بينما هي في الحقيقة مناهضة له، تطعن من روحه، وتعطل الاجتهاد، وتسعى إلى الاستيلاء على الحكم عن طريق الإثارة الدينية، ومقاومة النزعة الإصلاحية الكبرى، وما أفرزته من إنجازات اجتماعية عميقة منذ أن تولى الرئيس بورقيبة مقاليد الحكم في العام ١٩٥٦ عام الاستقلال.. وأضاف المراسل:

وكان ما جرى أخيرا في بعض دول المشرق العربي من الحوافز الأساسية لمجابهة جماعات «الإخوانجية» والتصدي لهم باعتبار ما يمثلونه تحت ستار الدين من اتجاهات متطرفة، وكذلك من بدع وتزمت وروح جاهلية وارتباطات خارجية مريبة، وسعي واضح لاستعمال الدين في أغراض سياسية مقيتة.

ثم يشير المراسل بعد ذلك إلى أن حركة الإخوان انتشرت في أوساط الشباب المثقف واتسعت خلال السنتين الأخيرتين اتساعا ملحوظا وإن جريدتين إحداهما أسبوعية والأخرى شهرية كانا يشكلان جهاز إعلام الحركة قد تقرر تعطيلهما كجزء من الإجراءات لمواجهة هذه الحركة، وأنه ينتظر اتخاذ إجراءات أخرى....

ولقد لفت نظري في هذا التحقيق عدة نقاط نتناولها بإذن الله فيما يلي:

1- ما وجه من اتهامات لدعوة الإخوان سواء على لسان رئيس الدولة التونسية أو على لسان صاحب التحقيق.. إذ قال الأول إنها في ظاهرها داعية إلى الدين وفي حقيقتها مناهضة له تطعن روحه وتعطل الاجتهاد... ووصفها الثاني بأنها «بدع وتزمت وارتباطات خارجية مريبة.. إلخ». ولست أنصب نفسي مدافعا أو محاميا عن الإخوان، وما ينبغي لي وما أستطيع، لكني وقد عرفتهم عن قرب وعرفت دعوتهم فليس لي إلا أن أكتم الحق أو أن أكتم العلم أو أن أكتم الشهادة، وما ينبغي لي وما أستطيع ومن ثم فأقول بعون الله ردا على هذه الدعاوي:

أ- إن دعوة الإخوان ليست بدعا.. إنها دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، وما كان حسن البنا ومن تبعه إلا مجددين لهذه الدعوة، داعين لها، مطالبين بإقامتها بين الناس.

ودعوة محمد صلى الله عليه وسلم كما أقامت في الناس عقيدة فقد أقامت فيهم دولة قامت في المدينة أول ما قامت ليكون نبي الله أول رئيس لها، وليكون من بعده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي خلفاء على الدين وعلى الدولة.. وهكذا عرفها العلماء والفقهاء «خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به».

فأي طعن في الدين، وتعطيل لروح الاجتهاد وأي بدع، وأي تزمت في مثل هذه الدعوة.. إنه طعن مباشر في دعوة محمد عليه الصلاة والسلام نرجو أن يتوب أصحابه منه أو أن يستتابوا منه!

ب- ودعوة الإخوان ترسم منهجا لبلوغ غايتها.. هو إصلاح الفرد، وإصلاح البيت، وإصلاح المجتمع.. وذلك بلوغا إلى إقامة دولة الإسلام فليسوا هم طلاب حكم لكنهم بالدرجة الأولى طلاب إصلاح، ولا يهمهم أن يتحقق إقامة حكم الإسلام على أيديهم أو على أيدي غيرهم وقد أبدوا أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة أنهم مستعدون أن يكونوا مجرد «خدم» في نظام يقوم على الإسلام مهما كان اسم من يجلس على رأسه، ولو ولي عليهم عبد حبشي رأسه كأنه زبيبة لأطاعوه.

ج- أما الأخيرة أن لهم «ارتباطات خارجية مريبة».. فهي دعوة لا أقول «ممجوجة» ولكني أطالب صاحبها بالدليل.. وأساعده فأقول:

أکانت حرب الإخوان لليهود عام ١٩٤٨ وما جره عليهم ذلك من قتل إمامهم حسن البنا وحل جماعتهم.. أكان ذلك اتصالا بجهود أجنبية!؟

أکانت حرب الإخوان للإنجليز عام ١٩٥١ وما جره عليهم ذلك من مسارعة الجهات الأجنبية بتدبير الانقلاب العسكري عام ١٩٥٢ منعا من وصول الإخوان إلى الحكم وامتصاصا لروح الدين والفداء التي أشاعوا في المجتمع المصري، ثم ما قام به هذا الانقلاب من قتل وتنكيل بهم على مدى عمر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.. أكان ذلك منهم اتصالا بجهات أجنبية...؟

أم يعتبر الكاتب وجود «تنظيم دولي لهم، وانتشار فكرهم على طول العالم الإسلامي هو الارتباطات الخارجية المريبة»..؟!

نترك للمتهمين الجواب!

2- ما بدئ فيه من إجراءات قمع للحركة الإسلامية:

منها ما ذكره المحقق من منع إصدار صحيفتين إحداهما أسبوعية والأخرى شهرية، وما ينتظر من إجراءات أخرى نتيجة اجتماعات الحزب.. ولنا على هذه النقطة الملاحظات الآتية:

أ- إن مصادرة الفكر لا تعني القضاء عليه.. وإن الدعوة القائمة على عقيدة وفكر لا يمكن انتزاعها لأن مكانها القلوب والعقول ولأنه حتى إذا قضي على هذه القلوب باعتبارها وعاء الدعوة.. فإنها سوف تنتقل بإذن الله إلى قلوب أخرى أشد ضياء وأشد مضاء، والتاريخ يؤكد ذلك، وفي التاريخ الحديث لم تقتل الدعوة بحسن البنا، ولا عبد القادر عودة، ولا سيد قطب.. ولا غيرهم ممن كانوا معهم أو ممن تبعهم!

ب- يؤكد ذلك.. أن صاحب هذه الدعوة والمدافع عنها.. هو قوة لا قبل لأحد بها، هو الله سبحانه وتعالى، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ (فصلت:15)، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ (فاطر:44) ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (التوبة:32).

ج- إن إجراءات القمع تؤدي إلى عکس ما يريدون.. تؤدي إلى زيادة انتشار الدعوة لأن الشعوب دائما تعطف على المستضعف، ولا تقف إلى جوار المستكبر المتجبر!

ثم قد تؤدي إلى ما يحذرون أن تنتقل الدعوة من ظهر الأرض إلى تحتها، ومن النور إلى الظلام، يومئذ يندبون حظهم وهم الذين خربوا بيوتهم بأيديهم، وسعوا إلى حتفهم بظلهم..

فليراجعوا أنفسهم على ضوء هذا..

وليعلموا أن بقاء الفكر حرا خير من حبسه لأن حبس «البخار» يؤدي إلى الانفجار، وتلك بدهية علمية تعمل في كل مجال.

3- ملاحظة أخيرة حول النزعة الإصلاحية الكبرى التي ظهرت في تونس بعد الاستقلال.. هل يعني بها صاحب البيان ما شاع في تونس من فساد وانحلال؟

هل يعني بها دور اللهو المفتوحة على مصاريعها، وأماكن الخمر التي ترحب بروادها، هل يعني بها نوادي العراة التي فتحت تحت الحماية أو تحت التشجيع!؟.. هل يعني بها دور الدعارة التي تنادي «الأجنبي»، وتنادي معه «الوطني» كذلك!؟

هل يعني برامج الإعلام التي تحارب عقيدة الإسلام وأخلاق الإسلام وآداب الإسلام؟ هل هذا هو الإصلاح يا دعاة الإصلاح!؟

أليس في دعوة محمد الإصلاح المطلوب..

أليس فيها «الهدى»، و «التقى»، و «العفاف»، و «الغنى»؟.. أليس فيها النور مما أنتم فيه من ظلام، والحق فيما أنتم عليه من باطل، والهدى فيما أنتم عليه من ضلال..

وسلام على من اتبع الهدى..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 98

206

الثلاثاء 02-مايو-1972

افهموا الإسلام أولًا.

نشر في العدد 99

244

الثلاثاء 09-مايو-1972

بريد القراء(99)