; تساؤلات حول التحالف الليبي – السوري- الإيراني | مجلة المجتمع

العنوان تساؤلات حول التحالف الليبي – السوري- الإيراني

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 10-سبتمبر-1985

مشاهدات 66

نشر في العدد 732

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 10-سبتمبر-1985

* ممارسات النظام الإيراني تتناقض مع الشعارات التي يرفعها.

 

* طبيعة التحالف تسقط كافة الشعارات التي ترفعها الأنظمة المتحالفة.

 

الزيارات العديدة والمتبادلة بين مسؤولين سوريين وليبيين وإيرانيين خلال الشهور الماضية والتي كان آخرها اللقاء الذي تم في دمشق وجمع وزراء خارجية الدول الثلاث أكد على مدى تمكن العلاقات الإيجابية بين هذه الدول، والتي وصلت إلى حد التحالف الإستراتيجي فيما بينهم، وقد أثار هذا التحالف تساؤلات عديدة في المحيط العربي والإسلامي على السواء مقرونة بموجة عارمة من الاستغراب والدهشة لا لكون هذا التحالف ضم دولتين عربيتين هما سوريا وليبيا ودولة غير عربية هي إيران، ولكن لكون هذه الدول الثلاث معروفة بتنافرها السياسي والاجتماعي والاقتصادي.. ويتمثل.

 

التنافر السياسي: في كون تبني كل من سوريا وليبيا «ولو ظاهريًا» للقومية العربية كفكرة عقائدية جعلتها أساسًا لقيام نظام الحكم. ومرتكزًا ثابتًا في تحركها وتعاملها مع الجماهير والأنظمة على حد سواء، واعتمدت هاتان الدولتان على شعار الوحدة العربية وجعلته هدفًا أساسيًا لنظام حكمهما، ومن خلال هذين الشعارين رسم النظامان السوري والليبي اتجاهاتهما السياسية على الصعيدين الداخلي والعربي. أما النظام الإيراني فيقف على النقيض من ذلك تمامًا، فبداية لا تمت إيران إلى الفكر القومي العربي بأية صلة فهي دولة فارسية من حيث الانتماء التاريخي، والنظام الإيراني الجديد قام على أساس الفكر الإسلامي الشيعي حتى من قبل تمكنه من إسقاط نظام الشاه، وقد رفعت الثورة الإيرانية الشعارات الإسلامية منذ البدايات الأولى لها، وأسقطت الفكر القومي فارسيًا كان أم عربيًا، داعية إلى تبني الفكر الإسلامي كأساس ثابت لنظام الحكم، كما رفعت شعار الوحدة الإسلامية التي تتجاوز أي وحدة تقوم على أساس قومي بحت، وقد رسمت إيران اتجاهاتها السياسية على الصعيدين الداخلي والخارجي على هذا الأساس.

 

"ولابد أن نشير هنا إلى أن ما ذكرناه لا يتعلق بالحقائق الموضوعية إنما بالشعارات التي ترفعها الدول الثلاث لأن الحقائق تثبت أن ما أعلنته هذه الدول لم يخرج عن حيز الشعارات في يوم من الأيام".

 

التنافر الاجتماعي:

 

ونقصد هنا التباين الواضح في الاتجاهات الاجتماعية التي يعمل من خلالها النظامان السوري والليبي، والاتجاهات التي يعمل من خلالها النظام الإيراني، والتي تصل في تنافرها وتناقضها إلى حد المجابهة، فالنظامان السوري والليبي على سبيل المثال يؤمنان بالحرية الاجتماعية البعيدة عن الضوابط الأخلاقية بحيث تصل إلى حد الإباحية وخاصة فيما يتعلق بأوضاع المرأة والشباب.. فكل منهما لا يضع في منهجه أي ضوابط لعلاقة المرأة بالرجل وكذلك في مسألة الفنون وأيضًا في الأخلاقيات المختلفة التي درج عليها المجتمع السوري، وكذلك الليبي منذ مئات السنين، وهذان النظامان ينطلقان في ذلك من خلال نظرتهما العلمانية وتوجههما المعادي للدين.. بينما تقف إيران على العكس من ذلك تمامًا، فاتجاهاتها الاجتماعية تتفق مع شعاراتها الإسلامية التي حددت القواعد الأخلاقية للمجتمع وهذا ما نراه واضحًا في الاتجاهات الاجتماعية السائدة في المجتمع الإيراني "مع ملاحظة أن اجتهاد إيران بتطبيق الجانب الاجتماعي لا يعني أن اتجاهاتها الأخرى تتفق مع الشريعة الإسلامية".

 

التنافر الاقتصادي:

 

من المعروف أن كلًا من النظامين السوري والليبي يرفعان شعار الاشتراكية كمنهج اقتصادي تلتزم به الدولتان ولفظ الاشتراكية اقترن باسم الدولة الليبية كما جعل أحد الأهداف الثلاثة الرئيسية للنظام السوري الذي ينادي دائمًا بأنه يسعى لتحقيق الوحدة والحرية والاشتراكية!!

 

والقواعد الاقتصادية في الدولتين المذكورتين تنطلقان من خلال النظرية الاشتراكية «وإن كانت في الواقع لا تتفق مع أسس النظرية الاشتراكية» فالاقتصاد الموجه هو السمة الأساسية للنظامين فالمؤسسات الاقتصادية الكبرى ملك للدولة وحركة التجارة الخارجية تتم من خلال أجهزة الدولة وحتى التجارة الداخلية تخضع لمراقبة الدولة.. إلخ.

 

بينما النظام الإيراني يتبنى سياسة اقتصادية حرة إلى حد ما، فالتجارة الداخلية وحتى الخارجية لا تخضع للدولة إلا في حدود معينة تفرضها المصالح العامة والتأميم لا يعمل به نهائيًا... وبشكل عام فإن التناقض والتنافر بين الجانبين في التوجهات الاقتصادية واضح بشكل لا يحتاج إلى كثير من البيان والشرح.

 

سقوط الشعارات:

 

ما ذكرناه عن طبيعة التنافر بين النظامين الليبي والسوري من جهة والنظام الإيراني من جهة أخرى، يتبعه بالتالي سقوط الشعارات التي رفعتها تلك الأنظمة والتي مازالت ترهق مسامعنا بها حتى هذه اللحظات. فشعار الوحدة العربية التي ترفعه سوريا وليبيا سقط بمجرد تحالفهما مع نظام غير عربي، وشعار القومية العربية سقط فور تحالفهما مع قومية أخرى تعتبر بمنطق القوميين معادية لقوميتهم العربية وخاصة أن هذه القومية تخوض حربًا ضروسًا مع أحد الأطراف العربية وهو العراق، وشعار الاشتراكية التي ترفعه الدولتان العربيتان لا يفهم إلا من خلال كونه ستارًا يتخذه النظام لفرض هيمنته على الشعب وإثراء الطبقة الحاكمة على حساب طبقات الشعب الأخرى، فمن المفهوم أن تتحالف دولتان ترفعان شعار الاشتراكية أما أن تتحالف دولة اشتراكية كما تدعي سوريا وليبيا مع دولة تدعي أنها تأخذ بالنظام الاقتصادي الحر المبني على قواعد إسلامية!!! فهذا أمر لا يمكن فهمه أبدًا، بل وتذهب هذه الدولة العربية الاشتراكية إلى حد محاربة نظام عربي آخر يرفع أيضًا شعارات الوحدة والقومية والاشتراكية!!

 

وكما أسقطنا من خلال هذا التنافر شعارات الوحدة والقومية والاشتراكية التي تدعيها كل من سوريا وليبيا فإننا كذلك نسقط تلك الشعارات التي يرفعها النظام الإيراني فمحاربته للقومية لا يتفق وتحالفه مع أنظمة قومية، ورفعه للشعارات الإسلامية لا يتفق بحال مع تحالفه مع النظامين السوري والليبي العلمانيين، ورفع الشعارات الإسلامية يتناقض تمامًا مع تحالف إيران مع هذين النظامين المعروفين بعدائهما للاتجاهات الإسلامية ومحاربتهما للفكر الإسلامي، ورفع شعار الأخوة الإسلامية والتضامن الإسلامي يتناقض تمامًا مع تحالفه مع النظامين السوري والليبي اللذين جعلا من محاربة الإسلاميين مرتكزًا ثابتًا لسياستهما الداخلية، وادعاء التضامن الإسلامي لا يمكن قبوله وهو يتحالف مع نظامين معروفين برفضهما لأي توجهات إسلامية تضامنية بل ويتعدى ذلك إلى وقوفهما إلى جانب أعداء المسلمين، كما هو واضح في تعامل هذين النظامين مع النظام الشيوعي في أفغانستان وتأييدهما للغزو السوفياتي، ووصف المجاهدين الأفغان بأنهم عملاء للإمبريالية!! وادعاء النظام الإيراني تضامنه مع الشعوب المستضعفة يتنافى تمامًا مع تحالفه مع هذين النظامين اللذين تتعارض اتجاهاتهما مع اتجاهات الشعبين السوري والليبي، والمفارقة المضحكة هنا أن إيران تصف النظام المغربي بأنه إمبريالي وعميل و... و... وفي المقابل تتحالف مع النظام الليبي الثوري المسلم!! مع أن النظام الثوري والمسلم في ليبيا يدخل في وحدة مع النظام المغربي الإمبريالي!!

 

الإسلام ليس شعارات

 

أصابع الاتهام التي يمكن توجيهها للنظام الإيراني أكثر من تلك التي نوجهها للنظامين السوري والليبي، نظرًا لطبيعة الشعارات التي يرفعها النظام الإيراني.

 

إن ممارسات النظام الإيراني تتناقض تمامًا مع تلك الشعارات التي يطلقها على لسان قادته وعبر وسائل إعلامه المختلفة والتي أرهقت مسامع المسلمين في كل مكان، إن الإسلام لم يكن في يوم من الأيام شعارات ترفع هنا وهناك ودولة الإسلام الصحيح ما أقامتها الشعارات ولكن الممارسات الفعلية على أرض الواقع هي المحك الحقيقي لصدق الأقوال والشعارات و... إن ادعاء تحرير القدس لا يتم تحقيقه عبر التحالف مع الأنظمة التي عملت وما زالت تعمل على قتل العمل الفدائي الفلسطيني، وتشتيت قواعده وزرع الخلاف بين فصائله و... ولا يتم من خلال تحريض إيران لفئة من الفلسطينيين على أخرى تجاوبًا مع النظامين السوري والليبي كما فعلت مع ما يسمى بجبهة الإنقاذ التي يقودها النصراني جورج حبش والنصراني الآخر نايف حواتمه، ولا نفهم كيف استقبلت إيران مندوبي حبش وحواتمه في عاصمتها طهران، في الوقت الذي تصرخ ليل نهار في هجومها على النصراني ميشيل عفلق ولا ندري هنا ما الفرق بين جورج وميشيل، وهل تعادي إيران ميشيل لأنه من بعث العراق وتحابي جورج لأنه من أتباع سوريا؟

 

ألا يحق لنا بعد ذلك كله أن نشير بأصابع الاتهام إلى ذلك التحالف؟

الرابط المختصر :