; تركيا ... أربكان يواجه العسكر بالـشعب.. والإعلام بالقضاء | مجلة المجتمع

العنوان تركيا ... أربكان يواجه العسكر بالـشعب.. والإعلام بالقضاء

الكاتب محمد العباسي

تاريخ النشر الثلاثاء 20-مايو-1997

مشاهدات 138

نشر في العدد 1250

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 20-مايو-1997

يبدو أن تراجعات نجم الدين أربكان -رئيس الوزراء التركي - أمام تقدم العسكر بإصرار على جبهة العلاقات التركية - الإسرائيلية التي شهدت تقدمًا غير مسبوق، وتحققت فيها إنجازات لم تحدث طوال الـ ٥٠ سنة الماضية حتى أصبحت علاقات إستراتيجية هذه التراجعات كانت بهدف الانقضاض على هدف آخر والتقدم في مواجهة الجيش على صعيد الجبهة الدينية، أربكان اتبع تكتيكًا بارعًا اقتضى ابتعاده عن المواجهة سواء بصفته الرسمية كرئيس للوزراء، أو الحزبية كزعيم حزب الرفاه وترك مهمة ذلك للجماهير التي نزل منها حوالي نصف مليون مواطن الأسبوع الماضي إلى ميدان السلطان أحمد التاريخي، يحملون علم تركيا في مظاهرة سلمية مرخص لها دفاعًا عن مدارس الأئمة والخطباء التي يريد العسكر إغلاقها من خلال تطبيق نظام تعليمي جديد يقضي باستمرار التعليم الإلزامي لمدة ثماني سنوات بدون انقطاع، مما يعني أوتوماتيكيًا إغلاق إعداديات الأئمة والخطباء.

أراد الرفاه من خلال ارتداء المظاهرة لزي قومي وليس حزبي التأكيد على قومية المطالب، ووضع الجيش لا في مواجهة الحكومة أو البرلمان أو حزب الرفاء فقط، ولكن في مواجهة الشعب، وإن كان أيضًا قد أكد وقوفه خلف هذا التحرك الشعبي من خلال ياسين خطيب أوغلي نائب رئيس مجلس الشعب ونائب رئيس المجموعة البرلمانية للرفاه مؤسس جمعية خريجي مدارس الأئمة والخطباء، ويقدر جميل شيشك نائب حزب الوطن الأم عدد أعضاء هؤلاء الخريجين بمليوني شخص لا يمكن تجاهل أصواتهم، لذلك أعلن أنه لن يصوت على مشروع قانون إغلاقها، وهو نفس الموقف الذي اتخذه المئات من النواب اليمينيين.

مخاوف الجيش من المدارس الدينية

وبالطبع فإذا كانت للمؤسسة العسكرية تبريراتها لإغلاق تلك المدارس بناء على تقرير أمني قدم لمجلس الأمن القومي يشير إلى أنه في حالة استمرار مدارس الأئمة والخطباء التي تمثل المورد الأساسي لحزب الرفاه من الأعضاء والكوادر النشطة، إلى جانب مدارس تحفيظ القرآن -غير الرسمية- وهي التي تغلق حاليًا لعدم وجود تراخيص قانونية لها، فسيؤدي ذلك إلى حصول حزب الرفاه في السنوات العشر المقبلة على نسبة ٦٠% من الأصوات في أي انتخابات، مما يعني استطاعته الحكم منفردًا وتطبيق برنامجه المعروف باسم النظام العادل، وهو مستمد من مبادئ الإسلام، فإن اختيار المؤسسة العسكرية حزب الرفاه ليقوم بإغلاق المدارس كان اختيارًا خبيثًا، إذ إنها أرادت إبلاغ الرأي العام الإسلامي في الداخل والخارج رسالة فحواها أن تلك المدارس فتحت في زمن حكم العلمانيين، خاصة أن أكبر عدد منها تم افتتاحه في عهد الجنرال كنعان إيفرن قائد الانقلاب العسكري عام ١٩٨٠م - والذي كان يستهدف حينها امتصاص مظاهر الصحوة الإسلامية عبر «إسفنجة» حكومية، بينما لم تفتح أي مدرسة في عهد رئاسة أربكان  للوزارة رغم أنه دعم إنشاء تلك المدارس في السبعينيات عندما تولى منصب نائب رئيس الوزراء ثلاث مرات، وها هو أربكان الإسلامي يأتي اليوم ويغلق المدارس الدينية، وبذلك يمكن تشويهه داخليًا وخارجيًا من خلال الإيحاء بأن السلطة جعلته يبيع كل المبادئ والأفكار التي كان يبشر بها، بدءًا من العلاقات مع إسرائيل والغرب والذي كان يعد بقطعها، فإذا به يوطدها، وانتهاء بالمدارس الدينية، فبدلًا من تعميمها يقوم بإغلاقها.

أربكان بذكائه الشديد رأى أن يقدم تنازلات تكتيكية للعسكر على جبهة إسرائيل مقابل الاستعداد لمواجهة إستراتيجية في قضية المدارس الدينية مع استمراره في الحكم لتأكيد قدرة الإسلاميين على توليه وقبولهم -ضمن مجموعة- تداول السلطة ولترسيخ كوادره في دولاب الدولة. علاوة على وضع العسكر في مواقع دفاعية لأول مرة، وهي مكاسب إستراتيجية بدون شك. خاصة وأنه في حالة عدم إغلاق المدارس الدينية وهو المتوقع، خاصة بعد مظاهرة السلطان أحمد - سيكون أربكان أول رئيس تركي لم ينفذ توصيات مجلس الأمن القومي التركي منذ تأسيسه بصفته الاستشارية عام ١٩٦١م. والدستورية عام ۱۹۸۲م، وكان المجلس قد أصدر في ۲۸ فبراير الماضي ۱۸ توصية لتجفيف المنابع الدينية وأهمها تطبيق النظام التعليمي الجديد، وإغلاق المدارس الدينية لها. وبالتالي فإن عرقلة أربكان ذلك الأمر سيكون سابقة سياسية ستضع العسكر في موقف صعب، خاصة إذا ما رضوا بالبقاء في المواقع الدفاعية، وهو ما يبدو أنه سيحدث، ولكن على أربكان نفسه البحث لهم عن وسيلة لحفظ ماء الوجه خاصة أن نائب حزب الرفاه خليل شليك كان قد غمر العسكر بما يهز هيبتهم عندما قال: كيف يستطيع الجيش الذي لم يستطع مواجهة عدة آلاف من عناصر حزب العمال الكردي أن يواجه 6 ملايين من الإسلاميين.

وبالطبع لا يمكن لشليك الإدلاء بذلك التصريح لمجرد شهوة الحديث خاصة أن عناصر الرفاه لا تتحرك ولا تنبس ببنت شفة إلا في إطار خطوط عريضة متفق عيها.

وإذا ما نجح أربكان في تقويض خطة العسكر الخاصة بإغلاق تلك المدارس فإنه سيقتن فيما يبدو المدارس القرآنية غير المرخصة، ويكون بذلك قد حقق نصرًا جديدًا إذ إنها كانت تعمل منذ أكثر من ٢٠ سنة بدون ترخيص، ولا تعتبر تلك المؤسسات مدارس بالمفهوم المتعارف عليه، ولكنها فصول تابعة للجمعيات الدينية والطرق الصوفية لتحفيظ النشء القرآن، دون أن تعطي شهادات بذلك، أي أنها لا تؤهل الطالب لأي مرحلة تعليمية، فهدفها هو تحفيظ القرآن وحفظه في صدور الأطفال الأتراك فقط.

استمرار الحرب النفسية

وتأتي تصريحات المسؤول العسكري - الذي لم تسمه صحيفة صباح التركية يوم 12/5/1997م والتي هدد فيها إما بتنفيذ التوصيات، أو استقالة الحكومة - في إطار الحرب النفسية التي يخوضها الإعلام بجانب العسكر ضد أربكان، وقد قرر من ناحيته مواجهة حملة الإعلام هذه بتحويل عدد من الصحفيين إلى النيابة بتهمة التحريض على الانقلاب العسكري، بالإضافة إلى كشف مصادر تمويل المؤسسات الصحفية التي تفرض إتاوة على الدولة، وإن كان قد أوكل ذلك الملف إلى ثانيته تانسو تشيلر زعيم حزب الطريق القويم التي كشفت حصول مجموعتي دوغان هولدينج التي تصدر ملليتي وحريت وراديكال وغيرها من الصحف وصاحبة محطتي تلفاز دكا، وشو تي في، ومجموعة صباح التي تملك صحيفة صباح ويني يوزيل ومحطة تلفاز  آ . تي. في - على ١٤٤ مليون دولار من بنوك الدولة كقروض بفوائد بسيطة.

فخطة أربكان تعتمد التحرك على جناحين: الأول الشعب لمواجهة الجيش وإحراج الأحزاب التركية في موضوع التعليم حتى لا تجد أمامها سبيلًا سوى رفض التصويت على مشروع القانون في البرلمان، وبذلك يكون قد استخدم السلاح الدستوري لمواجهة الدبابات والثاني القضاء المواجهة أكاذيب الإعلام وإذا ما نجح في تلك الحالة، وهو المتوقع، فإنه سيقدم على المواجهة الثانية الخاصة بإطلاق حرية اللباس، مما يعطي الفرصة للمحجبات للعمل في الدوائر الرسمية، وعند ذلك سيعود إلى الجبهة الإسرائيلية لعرقلة وتقييد ما قد تم الاتفاق عليه، إلا أن ذلك قد يكون مع تولي تانسو تشيلر رئاسة الوزراء في يونيو ۱۹۹۸م. فهل يتمكن من تنفيذ خطته؟ ..

إيران

الانتخابات الرئاسية في إيران

المحافظون والراديكاليون في معركة حاسمة

طهران: المجتمع

هناك إجماع في إيران على أن الانتخابات الرئاسية الإيرانية المقررة في الثالث والعشرين من الشهر الحالي ستشكل محطة جديدة في تاريخ البلاد، وستكون أكثر جدية من الدورات الرئاسية الست الماضية، بسبب وجود منافسة حقيقية وليست شكلية بين المرشحين المعلنين على الأقل بين اثنين رئيسيين هما رئيس البرلمان مرشح اليمين المحافظ علي أكبر ناطق نوري والمرشح المستقل وزير الإرشاد والثقافة السابق المدعوم من اليسار الإسلامي، الراديكالي وتيار «کوادر بناء إيران» المعروف بتيار أنصار الرئيس الإيراني محمد خاتمي.

ومن يرصد خطاب المرشحين وبرامجهم ويتابع الحركة السياسية البيئة التي أوجدتها المنافسة الانتخابية، ويلحظ بالخصوص اهتمام الرأي العام الإيراني قبل الإقليمي والدولي بهذا الاستحقاق الدستوري الذي تشهده البلاد كل أربع سنوات، يدرك أن المخاض السياسي القائم يتجاوز شخص الرئيس المقبل ليطاول هوية فريق عمله وخصوصًا توجهاته في الحكم وبرنامجه في السلطة التنفيذية بما أن رئيس الجمهورية هو الشخص الثاني في النظام السياسي الإيراني بعد «ولي الفقيه» «مرشد الثورة»، هذا فضلًا عن أن المرشحين المذكورين يعبران عن جوهر الصراع الفكري والسياسي القائم داخل نظام الحكم، ولا شك أن هذه المحطة الانتخابية، أيًا كانت نتيجتها واسم الفائز فيها ستكون بداية عهد جديد في التدافع القائم، بمستويات وآليات جديدة، واضح أنها ستأخذ أشكالًا مختلفة.

لا يمنح الدستور الإيراني الصلاحية لرئيس الجمهورية أن يبقى في موقعه لأكثر من دورتين متتاليتين، مدة كل دورة أربع سنوات، ولذلك وجب على الرئيس الحالي أكبر هاشمي رفسنجاني، أن يتخلى عن السلطة بما أنه يتولى منصبه منذ عام ۱۹۸۹م، وعلى رغم أن أنصاره من كوادر البناء شددوا طويلًا العام الماضي على ضرورة وأهمية تعديل الدستور لمنح رفسنجاني فرصة إدارة البلاد الولاية ثالثة، بسبب الحاجة الماسة لوجوده على رأس الجمهورية ليستكمل تنفيذ برنامج الإنماء والإعمار، الذي بدأه قبل سنوات، فإن محاولاتهم باءت بالفشل بسبب رفض مرشد الثورة آية الله علي خامنئي.

وطبعًا كان اليمين المحافظ -التيار الأقوى في البلاد والمتنفذ في الحكم والنظام- أشد الرافضين لهذا الخيار، بما أنه كان يهيئ منذ سنتين على الأقل لأحد رموزه رئيس مجلس الشورى الإسلامي الشيخ ناطق نوري أن يتولى الموقع، ويحكم المحافظون بذلك قبضتهم على كل مؤسسات الدولة، بما أنهم يتمتعون بالغالبية في البرلمان، ويتمتعون بالقول الفصل في المؤسسة الدينية التقليدية وهياكل الإدارة. 

وكان قليلون جدًا يتصورون أو يتوقعون أن تشهد البلاد انتخابات رئاسية جدية ينافس فيهامرشح ناطق نوري، لكن دخول خاتمي إلى ساحة المنافسة قلب الموازين وأخل بعناصر التحليلات السائدة، والأهم أنه دفع بالرأي العام الإيراني إلى النظر للانتخابات من زاوية جديدة، والتعاطي مع المنافسة باندفاع جدي، وليس شكليًا، يؤكد حاجة المواطن الإيراني إلى التعبير عن رأيه، وأن يحدد جانبًا من مصيره كما يراه عبر صناديق الاقتراع. وليس من خلال اللامبالاة، أو إفساح المجال أمام معارك فوقية تعني رجال الحكم قبل أبناء الشعب ولعله يحسن في هذا الإطار التوضيح أن جوهر المنافسة يتم من داخل فضاء نظام الجمهورية الإسلامية، وليس من خارجه، أو على هامشه، وأن واجهة المعركة ستتم بين تياري النظام الرئيسيين الأول هو اليمين المحافظ، وهو عبارة عن تحالف بين المؤسسة الدينية التقليدية، وقوى «البازار»، أي فئات الرأسمالية التجارية، والثاني هو اليسار الراديكالي الذي يجمع عددًا من الفئات الدينية والثقافية والسياسية التي تحمل أفكارًا تقول إنها الأكثر وفاء لمؤسس الجمهورية الإسلامية آية الله الخميني وتشكل جمعية علماء الدين المجاهدين «روحانيت» الغطاء الديني - السياسي لجماعات المحافظين ويعتبر تجمع علماء الدين المجاهدين «روحانيون» المحور الديني - السياسي للراديكاليين هؤلاء عادوا إلى الساحة السياسية قبل أشهر قليلة بعد مرحلة انكفاء عن النشاط لنحو أربع سنوات، احتجاجًا على فرض المحافظين هيمنة مطلقة وإقصاء منافسيهم.

أما تيار «كوادر البناء»، فهو يضم رموزًا في حكومة الرئيس هاشمي رفسنجاني ونخبًا من المثقفين والتكنوقراط، وهؤلاء جزء من السلطة وليس فقط من نظام الحكم، ويبدو أن امتناع المحافظين عن منحهم دورًا أكبر من حجمهم السياسي وقاعدتهم الاجتماعية هو الذي دفعهم إلى تأييد خاتمي، على رغم وجود تباينات في عدد من رؤى الحكم، خصوصًا الاقتصادية منها..

لكن مع ذلك، ينبغي الإقرار بأن أسماء المرشحين في حد ذاتها أضافت للمنافسة نكهة خاصة، وهناك توافق على سبيل المثال أنه لو كان شخص غير خاتمي منافسًا لناطق نوري ومرشحًا للراديكاليين، لما كان يمكن للمحافظين وناطق نوري بالخصوص أن يشعر بأي هاجس، والسبب أن خاتمي، الذي تولى منصب وزير الإرشاد والثقافة لمدة «۱۱» عامًا، يتمتع بمواصفات دينية وعلمية وثقافية تمنحه شعبية خاصة، فهو أولًا «سيد»، وما لهذا من تأثير معنوي لدى الإيرانيين، وهو رجل دين، أي أنه حصن نفسه سلفًا من أي تهمة بأنه يشكل امتدادًا للرؤى التي تحارب دور رجال الدين في النظام والحكم، وهو يتمتع بثقافة عالية، حتى أنه يلقب بالدكتور ويدرس الفلسفة في الجامعة على رغم أنه لا يحمل شهادة دكتوراه، لكن الأهم هو جرأته في التعبير عن توجهات فكرية وسياسية متفتحة في وقت يشهد المجتمع هجمة محافظة لا سابق لها، ولذلك يعول خاتمي وأنصاره كثيرًا على أصوات الشباب التائقين إلى التغيير، وأصوات النساء الراغبات في مزيد من الحقوق، وجماعات النخبة الفكرية والمثقفة التي لم تتوقف عن المطالبة بتحقيق واقع من الحريات العامة أفضل من القائم على رغم إقرار الجميع بأن المناخ السياسي والإعلامي يشهد هامشًا واسعًا من الحرية يعكسه تنوع وسائل الإعلام، وتعدد مشاربها السياسية والفكرية، وتؤكده الحملة الانتخابية الرئاسية.

لكن ناطق نوري -وهو المرشح الذي يتمتع بأوفر الحظوظ للفوز- يملك أوراق قوة قد تكون أكثر فاعلية، فقوى الضغط ومؤسسات الحكم المدنية وغير المدنية، ورجال الدين المنتشرون في كل قرية وزاوية من البلاد، ووسائل الإعلام المؤثرة والقوة المالية، كلها تشكل عناصر أساسية لفوزه.

وبما أن الفائز في الانتخابات يتعين عليه أن يحصد الغالبية المطلقة من الأصوات، فإن التوقعات ترجح أن يحتكم المرشحون إلى دورة ثانية، يتنافس فيها المرشحان اللذان حصلا على أعلى نسبة من الأصوات، ويتوقع الجميع أن يكون في الدورة الثانية ناطق نوري وخاتمي، بما أن منافسيهما الآخرين، وزير الاستخبارات السابق محمد محمدي ريشهري، ومعاون رئيس القضاء على رضا وزارتي، لا يتمتعان بشعبية واسعة ولايستندان إلى قاعدة مجتمعية قادرة على ترجيحكفة أحدهما.

الرابط المختصر :