; ترتيب أوراق سقوط الخلافة- الحلقة السادسة- سقوط الخلافة | مجلة المجتمع

العنوان ترتيب أوراق سقوط الخلافة- الحلقة السادسة- سقوط الخلافة

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يناير-1980

مشاهدات 99

نشر في العدد 467

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 29-يناير-1980

  • «السلطان عبد الحميد يقاوم وحده مؤامرات اليهود والصليبية»
  • «عبد الحميد يرفض المساومة على جزء من فلسطين مقابل ١٥٠مليون ليرة ذهبًا ويقول لو دفعتم ملء الأرض ذهبًا فلن أقبل»

السقوط الفعلي: يعتبر٢ آذار ١٩٢٤ تاريخ سقوط الخلافة الرسمي أمام العالم الإسلامي والعالم أجمع، إلا أن سقوط الخلافة الفعلي الحقيقي إنما تم على مرحلتين أو في فترتين.

 الأولى: في عهد خلافة السلطان عبد المجيد والد السلطان عبد الحميد فهو أول سلطان من آل عثمان يضفي على حركته تغريب الدولة العثمانية صفة رسمية حيث أمر بتبني الدولة لهذه الحركة وأمر بإصدار فرماني التنظيمات عام ١٨٥٤ و ١٨٥٦م وبهما بدأ في الدولة العثمانية ما سمي بعهد التنظيمات وهو اصطلاح يعني شؤون تنظيم الدولة وفق المنهج الغربي وبهذين الفرمانين تم استبعاد العمل بالشريعة الإسلامية وبدأت الدولة تستلهم الروح الغربية في الحياة وتستلهم الفكر الغربي في التقنين وإقامة المؤسسات وبإقصاء الشريعة الإسلامية فقدت دولة الخلافة شرعيتها لأنها ما استحقت الخلافة ولا الشرعية والسمع والطاعة من الرعايا المسلمين في شتى البقاع إلا بتطبيق شرع الله عز وجل وحده على الدولة الإسلامية.

ومجرد هذا الإقصاء يعني السقوط الحقيقي الفعلي للخلافة الإسلامية.

الثانية: مرحلة إقصاء السلطان عبد الحميد عن الخلافة في ۲۷ نيسان سنة ۱۹۰۹ وتعتبر هذه المرحلة الخطوة الثانية بعد إقصاء الشريعة الإسلامية عن دولة الخلافة فلقد كان السلطان عبد الحميد حجر عثرة أمام حركة التغريب وكان عدوًا لدودًا لهذه الحركة وبذل كل ما في وسعه لإعادة دولة الخلافة إلى سابق عهدها ونبذ القوانين الغربية، الأمر الذي جر عليه ما جر من مؤامرات كثيرة لإقصائه كان آخرها تأثيرًا حادثة اشتهرت بحادثة «٣١ مارت» وحدثت في ١٣ أبريل ۱۹۰۹ في إسطنبول بتدبير من الدول الأوروبية ورجال الاتحاد والترقي دخل على إثره يهود سلاتيك إسطنبول وحملوا السلطان عبد الحميد تبعة ما دبروه ثم تم عزله ونذكر خلاصة هذه الحادثة كما رواها شكيب أرسلان فبعد إعلان الدستور بمدة بدأ الخصام بين جمعية الاتحاد والترقي والأحزاب المناوئة لها واشتد الخلاف وانقسمت الجرائد إلى شطرين وقام فريق من أعداء الاتحاديين وحسادهم والناقمين عليهم والمعزولين من مناصبهم يطالبون بإلغاء الدستور وبالعمل بالشريعة وهيجوا العلماء المعجبين وطبقة الشعب وانتفضوا على الحكومة وكان السلطان عبد الحميد لايزال سلطانًا ولكنه خسر نفوذه بإعلان الدستور فصار من مصلحته ومصلحة أعوانه أن يتغلب هذا الحزب المقاوم لجمعية الاتحاد والترقي  على الحزب السائر  على مبادئها ولذلك يظن الناس أن السلطان أو بعض أعوانه كان لهم يد في هذه الثورة. 

وما زالت الأمور تتفاقم حتى انتفض العسكر وهاجموا مجلس المبعوثين وشاع يومئذ أن الثائرين يريدون الاعتداء على الأجانب وعمل مذبحة في الأستانة انتقامًا من الحكومة الاتحادية حتى تجر المذبحة إلى احتلال أجنبي، فلما شاع الخبر واتصل بالمبعوثين «ويقصد بهم المبعوثين الذين انتخبتهم أقطارهم الإسلامية إثر إعلان الدستور ليتكون منهم المجلس» تخبأ أكثرهم ولم يذهب إلى المجلس نهار الثورة وكان قواد العسكر الثائر قد دخلوا إلى المجلس وطلبوا من النواب إعلان العمل بالشريعة وإلغاء الدستور فقرر الحاضرون من المبعوثين إرسال وفد من المجلس إلى السلطان مؤلف من عشرة أشخاص يلتمسون منه إصدار الإرادة السلطانية إلى العساكر بالتزام السكينة إلى أوامر الدولة ولما خرج الوفد من المجلس قاصدًا يلدز مقر السلطان هاج العسكر وصدوهم عن الذهاب وأطلق العسكر النار على محمد أرسلان «ابن عم شكيب أرسلان» وناظم باشا ناظر العدلية وبعد أن قتل هذان الشهيدان وجرى الدم أمام المجلس خشى الثوار العاقبة وأخذوا يطلقون الرصاص في الفضاء تخويفًا والحقيقة أنهم كانوا يطلقونه خوفًا.

 وأما النواب الذين كانوا لايزالون في المجلس يرتعدون خوفًا بعضهم تخبأ من وجه العسكر وبعضهم وقف ينتظر ساعة الموت وكان الثوار قتلوا أيضًا كثيرين من طلبة المدارس وقتلوا عددًا من أشياع الاتحاديين وشاعت الأخبار بما جرى في الأستانة ووصلت إلى سلاتيك حيث كان مركز جمعية الاتحاد والترقي فقرر الاتحاديون الزحف إلى الأستانة والقضاء على الثورة الرجعية وزحف الجند الذي كان في سلاتيك إلى الأستانة تحت قيادة محمود شوكت باشا وأعلن القائد المشار إليه تكوين جيش الحرية قاصدًا إلى الأستانة لتأييد الدستور والاقتصاص من الذين عملوا الثورة وسفكوا الدماء ولما وصل الجيش إلى الأستانة لم تحصل له مقاومة من العساكر التي كانت فيها وذلك بفضل سياسة توفيق باشا «الصدر الأعظم» الذي أشار على السلطان باجتناب الحرب الداخلية فدخل محمود شوکت باشا بسلام تقريبًا ولم تحصل إلا مناوشات طفيفة وكان الاتحاديون قرروا خلع السلطان عبد الحميد وجعلوه مسؤولًا عما وقع فلما انتهوا إلى يلدز أبلغوه قرار الخلع.

حيث تقدم ثلاثة أشخاص للسلطان عبد الحميد بصك التنازل وكان أحدهم يهوديًّا وهو قره صوه.

بعد أن شكلوا لجنة منهم لإبلاغ خليفة المسلمين بقرار الخلع وكانت هذه اللجنة مؤلفة من:

  1. إيمانويل قراصو: وهو يهودي إسباني الأصل كان من أوائل المشتركين في حركة تركيا الفتاة وكان مسؤولًا أمام جمعية الاتحاد والترقي عن إثارة الشغب وتحريضه ضد السلطان عبد الحميد وتأمين التخابر بين سلاتيك وإسطنبول فيما يتعلق باتصالات الحركة وقراصو هذا محام عملت جمعية الاتحاد والترقي بنجاح على تعيينه في المجلس النيابي العثماني نائبًا عن سلاتيك مرة وعن إسطنبول مرتين وصفته المصادر الإنجليزية بأنه من قادة الاتحاد والترقي عمل أثناء الحرب مفتشًا للإشاعة واستطاع أثناء وجوده في الوظيفة أن يجمع أموالًا كثيرة لحسابة الخاص ولعب دورًا هامًا في احتلال إيطاليا لليبيا نظير مبلغ من المال دفعته إليه إيطاليا واضطر نتيجة لخيانته للدولة العثمانية أن يهرب إلى إيطاليا و يحصل على حق المواطنة الإيطالية واستقر في تريستا حيث مات عام ١٩٣٤ وكان أثناء وجوده في الدولة العثمانية الأستاذ الأعظم لمحفل مقدونيا ريزولتا الماسوني .

 ۲- آرام: وهو أرمني عضو في مجلس الأعيان العثماني.

3- أسعد طوبطاني: وهو ألباني نائب في مجلس «المبعوثان» عن منطقة دراج.

4 - عارف حكمت: وهو فريق بحري وعضو مجلس الأعيان وهو كرجي العرق. (1)

ويشير السلطان عبد الحميد إلى إبلاغ هذه الأيدي الخبيثة بإقالته وإسقاط الخلافة في رسالته إلى شيخه والتي تعتبر وثيقة تدين يهود سلاتيك «٢» فيقول:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد رسول رب العالمين وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين إلى يوم الدين.

أرفع عريضتي هذه إلى شيخ الطريقة العلية الشاذلية إلى مفيض الروح والحياة إلى شيخ أهل عصره الشيخ محمود أفندي أبي الشامات وأقبل يديه المباركتين راجيًا دعواته الصالحة.

 بعد تقديم احترامي أعرض أنني تلقيت كتابكم المؤرخ في ۲۲ مارس من السنة الحالية وحمدت المولى وشكرته أنكم بصحة وسلامة دائمتين. 

سيدي.

إنني بتوفيق الله تعالى مداوم على قراءة الأوراد الشاذلية ليلًا نهارًا وأعرض أنني مازلت محتاجًا لدعواتكم القلبية بصورة دائمة.

بعد هذه المقدمة أعرض لرشادتكم وإلى أمثالكم أصحاب السماحة والعقول السليمة المسألة المهمة الآتية كأمانة في ذمة التاريخ... أنني لم أتخل عن الخلافة الإسلامية لسبب ما سوى أنني -بسبب المضايقة من رؤساء جمعية الاتحاد والترقي باسم «جون تورك» وتهديدهم- اضطررت وأجبرت على ترك الخلافة. 

 إن هؤلاء الاتحاديين قد أصروا وأصروا عليَّ بأن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة «فلسطين» ورغم إصرارهم فلم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف فرفضت هذا التكليف بصورة قطعية أيضًا وأجبتهم بهذا الجواب القطعي الآتي:

«إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهبًا فضلًا عن ١٥٠ مائة وخمسين مليون ليرة إنكليزية ذهبًا فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي لقد خدمت الملة الإسلامية والأمة المحمدية ما يزيد على ثلاثين سنة فلم أسوّد صحائف المسلمين آبائي وأجدادي من السلاطين والخلفاء العثمانيين لهذا لن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي أيضًا. وبعد جوابي القطعي اتفقوا على خلعي وأبلغوني أنهم سيبعدوني إلى سلاتيك فقبلت بهذا التكليف الأخير.

هذا وحمدت المولى وأحمده أنني لم أقبل أن ألطخ الدولة العثمانية والعالم الإسلامي بهذا العار الأبدي الناشئ عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة: فلسطين وقد كان بعد ذلك ما كان ولذا فإني أكرر الحمد والثناء على الله المتعال وأعتقد أن ما عرضته كان في هذا الموضوع الهام وبه أختم رسالتي.

ألثم يديكم المباركتين وأرجو وأسترحم أن تتفضلوا بقبول احترامي بسلامي إلى جميع الأخوة والأصدقاء يا أستاذي العظيم لقد أطلت عليكم التحية ولكن دفعني بهذه الإطالة أن تحيط سماحتكم علمًا وتحيط جماعتكم بذلك علمًا أيضا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (۳)

في ٢٢ أيلول ۱۹۲۹

خادم المسلمين

عبد الحميد بن عبد المجيد

 

(1) السلطان عبد الحميد الثاني مذكراتي السياسية الهامش ٣٥

(2) وهم يهود يسمون «الدونمة» وكانوا يقطنون في ولاية سلاتيك «اعتنقوا الإسلام بعد الفتح العثماني التماسًا للحظوة والنفع أسوة بيهود إسبانيا الذين انتصروا في عهد فردیناند وإليزابيت وولد في سلاتيك مصطفى كمال أتاتورك وسلاتيك ميناء في اليونان الآن.

(۳) مذكرات السلطان عبد الحميد 6

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل