العنوان تحية للمجاهدين الأفغان
الكاتب أبو الحسن علي الحسني الندوي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-ديسمبر-1982
مشاهدات 64
نشر في العدد 601
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 28-ديسمبر-1982
«بمناسبة مرور ثماني سنوات على النضال الأفغاني البطولي ضد القوات الشيوعية في أفغانستان»
إن الثورة البلشفية «التي حدثت في مارس ۱۹۱۷م» لم تكن تتناول الجغرافية والخارطة السياسية بالتغيير والتحريف فقط ولم تكن مقصورة على مجال الاقتصاد والسياسة فحسب كما يعتقد كثير من قصار النظر- إنما كانت تهدم أسس العقيدة والعمل والأصول والمبادئ الخلقية التي اتفقت عليها الشرائع السماوية وقامت عليها المجتمعات البشرية، وقبلتها الفطر السليمة والعقول المستقيمة على مدار التاريخ بل تقوض القيم الإنسانية والشعور الإنساني الرقيق الرحيم بأسره لكي تقيم على أنقاضه بناءً جديدًا، وكانت أكبر تحد للكيان الإنساني القديم، وأكثر المؤامرات الإجرامية السلبية الفوضوية نجاحًا في التاريخ الإنساني على مدى الأحقاب والأجيال.
وكان نصيب الإسلام والمسلمين في الاستهداف للخطر والضرر والنكبة والخسارة بتقدم النفوذ الشيوعي واتساعه أعظم بطبيعة الحال من خسارة ديانات ومجتمعات أخرى لأن الإسلام هو الدين الإيجابي الواضح الوحيد. الدين المقتحم الدافق بالحيوية الحامل للرسالة العالمية وهو الذي يعلن أنه يملأ كل فراغ في الحياة، ويقدم له تعاليم مضبوطة وقوانين معينة، والمسلمون هم الذين يؤمنون بأن مسئوليتهم الحسبة على المجتمع البشري، والوصاية على العالم الإنساني في صالح الإنسانية نفسها.
ولكن مع الأسف لم يشعر المسلمون- حكومات ومجتمعات- بهذا الخطر الجذري في وقته شعورًا حقيقيًّا. وإذا كان هناك استثناء في الأفراد، فهو استثناء الرجل المؤمن المجاهد الغازي أنور باشا، وزير حرب تركيا سابقًا الذي أسس جبهة قوية ضد الشيوعيين بتنظيمه سكان تركستان في سنة ١٩٢١م- ١٩٢٢م. وسقط شهيدًا في هذه المعركة، وإذا كان استثناء في الشعوب فهو استثناء الشعب الأفغاني الباسل الذي صمد في محاربة الحكومة الشيوعية العميلة في كابل ومقاومة الأخطبوط الشيوعي القاصد لالتهام الشعوب المسلمة والبلاد المجاورة بأسرها.
وقد تحقق فضل شجاعة هذا الشعب المؤمن الغيور على دينه ومقومات شخصيته المستميت في سبيل الاحتفاظ بكيانه وشرفه على كثير من الشعوب والبلاد الإسلامية والعربية التي كانت أقدم عهدًا في احتضان رسالة الإسلام وتراثه وحضارته وأكثر أصالة وأعرق في التاريخ الإسلامي وأمجاده، وقد صدقت بذلك فراسة «أمير البيان شكيب أرسلان» في هذا الشعب والبلد، وتحقق أنه لم يكل المدح جزافًا أن قال في حواشيه التاريخية الخالدة على «حاضر العالم الإسلامي»: «لعمري لو لم يبق للإسلام في الدنيا عرق ينبض لرأيت عرقه بين سكان جبال الهملايا والهند كوش نابضًا وعزمه هنالك ناهضًا» (۱)
وهو البلد الوحيد الذي لم تضع فيه الحرب أوزارها أمام القراصنة البلديين والأجانب مدة لا يستهان بطولها في أوضاع حربية شاذة لا مثيل لها في بلد آخر، معتمدًا فيه على الغيرة الإسلامية الشعبية والحماس الديني والاستهانة بالحياة ومعرفة فضل الجهاد في سبيل الله والحنين إلى الشهادة، والتقشف في الحياة «والفتوة» التي أصبحت من خصائص الشعب الأفغاني ومميزاته منذ قرون طويلة. وطبيعة المحافظة على حدود الوطن الإسلامي واستقلاله الطبيعة التي كانت سببًا- أيام الحكم الإنجليزي في شبه القارة الهندية- في تلف الجيش الإنجليزي المسلح الكثير العدد. برمته على بكرة أبيه في طريقه إلى الهجوم على كابل ومحاولة التسلط على أفغانستان، حتى لم ينج إلا طبيب إنجليزي عاد إلى مقر القوات الإنجليزية في الهند وأخبرها بالمأساة الأليمة التي استهدف لها الجيش الإنجليزي، وكانت حادثة قلما يوجد نظيرها في تاريخ الغارات والغزوات في العهد الأخير.
ويعود الفضل في تفرد الشعب الأفغاني المسلم في القدرة على هذه المقاومة الطويلة الدقيقة ويكمن سره في شيئين:
١- الأول: الغيرة الأفغانية الإسلامية على الحرية والاستقلال، والبعد عن النفوذ الأجنبي وكراهته لذلك كراهة شديدة، فهو لا يكره العبودية والحكم الأجنبي بل يعافه ويتغير منه تغيرًا شديدًا، وذلك الذي أعانه على الاحتفاظ بحريته وشخصيته منذ ألف سنة وأكثر، فإنه لم يخضع إلا للفتح الإسلامي في القرن الأول الهجري إذ كان عن طريق الرسالة الإنسانية الرحيمة العادلة والعارفة لقيمة الإنسان المقررة للأخوة والمساواة المفيضة على الشعوب المترامية في أحضانها حياة جديدة وطموحًا جديدًا المبرزة للكوامن المفتقة للقرائح.
وقد بقي الشعب الأفغاني محتفظًا بعقيدة واحدة وشريعة واحدة، وحضارة واحدة على تغير الأسر الحاكمة والحكومات المسلمة المختلفة، وهو البلد المجاور للهند الوحيد الذي قطع الإنجليز الرجاء منه وتركوه على طبيعته.
٢- الشيء الثاني: هو أن الشعب الأفغاني حذق «صناعة الموت» وظل محافظًا عليها طيلة قرون، وهي الصناعة التي لا بقاء لأمة ولا كرامة لها بغيرها، وقد تناساها كثير من الشعوب الإسلامية والعربية، وبقيت عاطفة الجهاد قوية جياشة في صدور أفراد الشعب الأفغاني شبابًا وشيوخًا، بل غلمانًا ونساءً، في بعض الأحيان، وهو الذي يسميه الأفغان: «بالغزاء» فإن هتافًا واحدًا بالغزا يثير فيه نخوة إسلامية أفغانية ويغير الدم في عروقه ويغلي فيه مرجل الحماس فيثور كالأسد هذه العاطفة التي فترت وفقدت الكثير من قوتها في كثير من الأقطار الإسلامية والحكومات العربية هذا الفتور الذي جر على هذه الأقطار والحكومات رغم وسائلها وإمكانياتها الواسعة الغنية وصلتها بلغة القرآن والسنة ووجود كثير من المراكز الثقافية والجامعات العلمية التي تدرس الكتاب والسنة والمكتبات الهائلة التي تجري سيلًا من المطبوعات الإسلامية بما فيها من كتب التاريخ والبطولات ووجود الخطباء المصاقيع والندوات الدينية، ضعفًا كبيرًا وقلة حمية عند المآسي القومية والدينية، كانت من أكبرها مأساة بيروت الفلسطينية التي وقفت أمامها الحكومات المواجهة والأقطار الإسلامية القريبة والبعيدة مكتوفة الأيدي، مكمومة الفم مشدوهة حائرة.
فارق عجيب يجب أن يكون موضع دراسة المعنيين بدراسة واقع العالم الإسلامي ومستقبل الدعوة الإسلامية.
فتحياتي للمجاهدين الأفغان، وتحياتي لقادة الكفاح الأفغاني الإسلامي، متمثلًا بأبيات أحد شعراء «الحماسة» أبي الغول الطهوي:
قدت نفسي وما ملكت يميني*** فوارس صدقت فيهم ظنوني
فوارس لا يملون المنايا ***إذا دارت رحا الحرب الزبون
ولا تبلى بسالتهم وإن هم *** صلوا بالحرب حينًا بعد حين