العنوان تحليل سياسي 1099
الكاتب د. أحمد يوسف
تاريخ النشر الثلاثاء 10-مايو-1994
مشاهدات 104
نشر في العدد 1099
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 10-مايو-1994
التناقض البشع للسياسة الأمريكية في المأساة البوسنية
ما تشهده مدن وقرى البوسنة من فظائع وأهوال يومية، وإبادة جماعية على الهوية الدينية، وسط تجاهل أوروبي – غربي فاضح هي حالة لا يمكن تفهمها إلا في إطار غياب البعد الأخلاقي وفقدان القيم والمبادئ الإنسانية في السياسة الغربية، تلك السياسة المبنية على تغليب اعتبارات المصالح، وهيمنة عالم الشمال على مقدرات وثروات عالم الجنوب... وهي السياسة التي لا ترى في جغرافية العالم إلا رقعة شطرنج، وأن الدول والأقطار فيها ما هي إلا بيادق قليلة الشأن في لعبتها الكبيرة.
إن دماء المسلمين التي غطت سهول وجبال سراييفو وموستار وجورازدي لهي الشاهد الحي على موت الضمير الغربي، وغلبة الأنا السياسية في العلاقات الدولية. إن هذه «الأنا السياسية» التي سادت مرحلة الحرب الباردة، ولا تزال على حالها لم تتغير حتى بعد انتهاء هذه المرحلة وظهور ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، وأدبياته السياسية المنطلقة من ادعاءات الحماية للديمقراطية وحقوق الإنسان. إن غلبة هذه «الأنا السياسية» على مضامين القرارات والتوجهات الغربية وتناقضها مع أدبيات الخطاب الأخلاقي، جعلت الكثير من علماء السياسة يتوجهون باللوم والانتقاد إلى صانعي القرار في واشنطن مطالبين بضرورة وجود انسجام بين المبادئ الأخلاقية والسياسة الخارجية.
لقد عقد معهد الولايات المتحدة للسلام ومركز كارتر ندوة حول هذا الموضوع في جامعة إيموري في ربيع 1989، شارك فيها نخبة من المختصين، وكانت نقاشات المنتدى حول إيجاد مخرج آخر للسياسة الأمريكية، التي ظلت ومنذ الخمسينيات أسيرة لأفكار جورج كينان واضع استراتيجية الاحتواء للاتحاد السوفيتي «Policy of Containment» ومدرسته التي لا ترى للأخلاق أي مكانة في اعتبارات الأمن القومي... ولا تزال هذه السياسة –كما أشار ديفيد ليتل من معهد الولايات المتحدة للسلام– لها تأثير عظيم في واشنطن.
أما ديل باول –مدير مركز كارتر– فقد عقب قائلاً بأن غلطة واشنطن هي «أن عملية صناعة القرار فيها لا تعطي أي اهتمام للاعتبارات الأخلاقية في التحليل».. والحقيقة؛ فإن تتبع الموقف الأمريكي خلال سنوات الحرب الباردة يكفي لتوفير عشرات الأمثلة على ذلك.. ولكن تجلي مأساة البوسنة كشاهد حي يجعلنا في غنى عن إعادة تقليب صفحات التاريخ والاكتفاء بقراءة الحاضر حيث تكتنز شواهده بالدلالات.
السياسة الأمريكية في البوسنة: جعجعة دونما طحن
لقد تم توجيه الانتقادات إلى الأسلوب الذي تعالج به إدارة كلينتون تطورات الوضع في البوسنة، وتبعاً لأقوال العديد من المراقبين السياسيين فإن السياسة الخارجية للرئيس كلينتون تعاني من غياب الجدية ووضوح الأهداف... وإن هذه السياسة لا تعبر عن شيء أكثر من الرغبة في التخلص من البوسنة كخبر مثير يحظى بتغطية الصفحات الأولى للجرائد.
وقد علق فيليب زيليكو –الأستاذ بجامعة هارفارد وأحد المسؤولين السابقين بوزارة الخارجية– على ذلك بالقول: إن سياستنا في البوسنة هي أسوأ مثال على طريقة استخدام الرئيس للقنوات الأمريكية بالخارج منذ التدخل في لبنان عام 1983... وفي تعقيبه على ذلك في نفس الصحيفة «كريستيان ساينس مونيتور 25 أبريل 94» أشار المحرر السياسي مارشال إنجويرسون إلى أن هذه السياسة ستجعل المسلمين يستسلمون للشروط التي يفرضها الصرب عليهم، وإن التردد في استخدام القوة الجوية بشكل رادع لن يؤدي إلى وجود حالة استقرار، وسيدفع بالمسلمين –فيما يسمى بالمناطق الآمنة– إلى الهجرة عاجلاً أم آجلاً!!
وفي محاولة رده على الانتقادات التي وجهت لسياسته في البوسنة خلال ندوة تلفزيونية أوضح الرئيس كلينتون أنه حبذ رفع حظر الأسلحة المفروض على البوسنة، كما حبذ استخدام القوة الجوية للناتو لتكون «تحت تصرف الحكومة البوسنية لإيقاف عدوان الصرب» إلا أن فرنسا وبريطانيا لا تزالان تعارضان رفع حظر الأسلحة، وإن الولايات المتحدة مع شجبها للتطهير العرقي، إلا أنه من غير المتصور أبداً مباشرتها باتخاذ إجراء أمريكي من جانب واحد.
ومع غياب الإجماع على موقف واحد تجاه البوسنة، تبقى السياسة الأمريكية تراوح في مكانها دونما فعل، وتصدق مقولة أحد رؤساء المشيخة الدينية في البوسنة للصحفي روبرت فيسك –صاحب المسلسل الوثائقي "من بيروت إلى البوسنة"– بأن أمريكا قد لعبت دوراً خيانياً حينما تركت لدينا الانطباع بأنها ستقف إلى جانب قضيتنا، وهي كما ترى قد تخلت عنا!!
الرئيس نيكسون: البوسنة وشهادة للتاريخ
لعل فيما أشار إليه الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون في كتابه الأخير "بعد السلام" الشيء الكثير مما يمكن أن يقال حول مأساة العصر في البوسنة.. إن الترجمة لملخص ما جاء في كتابه حول البوسنة تصلح أن تكون خير شاهد على ما أسلفناه من قول حول التواطؤ الغربي -الظاهر والمستتر- في الإبادة الجماعية الصامتة لمسلمي البوسنة.
يستشهد نيكسون في تحليله لعواقب الحرب الدائرة في البوسنة بما قاله صامويل هنتنجتون –الأستاذ في جامعة هارفارد– بأن التعاطي الغربي غير الحكيم لقضايا العالم الإسلامي سوف يقود إلى صراع بين الحضارات، حيث تلعب الخلفيات الدينية دوراً كبيراً في التحريض والمواجهة، ويتم بالتالي تفسير الصراعات على أنها ذات دوافع أيديولوجية بحتة.
إن توصيف ما يجري في البوسنة على أنه حرب سافرة ضد المسلمين يقودها الصرب المسيحيون، وإن التجاهل الغربي -المسيحي الواضح لنداءات النجدة والاستغاثة التي تطلقها الأحياء السكنية المحاصرة والمدمرة لمسلمي البوسنة لن يقود إلا إلى تجسيد عقلية «صراع الحضارات»، وإن من المتوجب على الولايات المتحدة ألا تدع «صراع الحضارات» يصبح سلوكاً مهيمناً في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
ويمضي الرئيس نيكسون في إشاراته إلى ملاحظات هنتنجتون القائلة: «إن الخطر الحقيقي ليس في كون الصراع حتمياً، ولكن في جعل هذه النبوءة حقيقة حتمية، باستمرار تجاهلنا وعدم تفاعلنا مع الصراعات التي تكون فيها الأمم الإسلامية هي الضحية... إن هذا سيكون بمثابة دعوة للصراع بين الأمم الإسلامية والدول الغربية».
ويرى الرئيس نيكسون في كتابه "بعد السلام" بأن المعالجة الأمريكية للصراع في يوغسلافيا تشكل واحداً من وجوه الفشل المريع للسياسة الخارجية، وإن الولايات المتحدة وحلفاءها قد عجزتا عن الرد على العدوان الصربي وحماية الضحايا... وقد طالب الرئيس نيكسون الأمم المتحدة برفع الحظر وإعطاء الضحية حق الدفاع عن نفسها أمام الصرب المعتدين...
وفي لحظة من لحظات عذاب الضمير، تحدث الرئيس نيكسون بمرارة قائلاً: «إنها الحقيقة البشعة التي لا يمكن لأحد إخفاؤها، فلو كان سكان سراييفو هم أغلبية مسيحية أو يهودية ما كان هناك أحد في الغرب ليسمح بمحاصرتها إلى الحد الذي يجعل القصف يطال الأماكن المكتظة فيها، كما حصل في مجزرة السوق بتاريخ 14 فبراير. ففي تلك الحالة فإن الرد الغربي سيكون سريعاً، وسيباركه الجميع».
ويمضي الرئيس نيكسون في تلك اللحظة إلى القول: «إن حصار سراييفو كان يمكن أن تتمخض عنه بعض المعطيات الإيجابية لو تعلم الغرب منه شيئين اثنين؛ أولاً: أن الشعوب المتحضرة لا يمكنها أن تكون محابية في شجبها للعدوان والمجازر، ثانياً: إن كون أمريكا تمثل القوة العظمى الباقية، فإن حدوث أي أزمة لا يمكن أن يكون بمنأى عن مصالحها. إن متطلبات القيادة تفرض عليها الآن الدفاع عن شعب البوسنة، وإن التقاعس سيجعل منها طرفاً متحيزاً، وسيساعد على تعميق صورة العداء لنا كوننا حماة لليهود والنصارى ومتخاذلون وقساة عندما يكون المسلمون هم الضحايا».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكلنشر في العدد 2176
101
الأربعاء 01-فبراير-2023