; تحليل سياسي: معضلة الأمن الأوروبي.. هل من جديد؟؟ | مجلة المجتمع

العنوان تحليل سياسي: معضلة الأمن الأوروبي.. هل من جديد؟؟

الكاتب محمد كمال

تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1994

مشاهدات 93

نشر في العدد 1092

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 15-مارس-1994

الأمن الأوروبي ومستقبل حلف شمال الأطلنطي بعد الحرب الباردة

خلال السنوات القليلة الماضية شهدت القارة الأوروبية العديد من التغيرات التي كان لها تأثير كبير على الأمن الأوروبي، والتي أثارت الجدل حول جدوى بقاء حلف شمال الأطلنطي كمظلة أمنية لأوروبا الغربية. كانت أهم هذه المتغيرات، والتي بدأت منذ وصول الرئيس السوفيتي جورباتشوف إلى الحكم، هي انتهاء الحرب الباردة ثم تفكك الاتحاد السوفيتي إلى جمهوريات متعددة مستقلة، وقبل ذلك انهيار حلف وارسو الذي كان يضم الاتحاد السوفيتي وحلفاءه من دول شرق أوروبا، ثم تحول تلك المجموعة الأخيرة من الدول إلى النظام الديمقراطي واقتصاديات السوق وأخيرًا طلب عدد كبير منها الانضمام إلى عضوية حلف شمال الأطلنطي.

وقد أثارت هذه التحولات الجدل في أوروبا حول جدوى بقاء حلف الأطلنطي الذي قام أساسًا لمواجهة الاتحاد السوفيتي والشيوعية، وقد أثيرت أسئلة أكثر تعقيدًا تتعلق بمفهوم الأمن الأوروبي بعد الحرب الباردة، وما هي التهديدات التي تواجهه بعد انهيار الشيوعية.

ويمكن القول إنه بالرغم من تحول العديد من أعداء الأمس إلى أصدقاء اليوم، فإن أوروبا ما زالت تواجه العديد من التهديدات ولم تتحول إلى قارة يسودها السلم والوئام، بل على العكس يرى البعض أن التهديدات الأمنية والاضطرابات قد زادت بعد نهاية الحرب الباردة، مما جعل بعض الأوروبيين يصرحون أنهم يفتقدون الحرب الباردة؛ ففي ظل تلك الحرب كانت هناك قواعد محسوبة ويمكن التنبؤ بها بالمخاطرة، أما الآن فإن القارة الأوروبية يسودها الاضطراب.

فلأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية تواجه القارة الأوروبية حربًا دموية حقيقية في قلب القارة «يوغسلافيا السابقة»، وهناك حروب واضطرابات على الحدود الشرقية للقارة وعلى الأراضي الأوروبية للاتحاد السوفيتي السابق، وقد فشلت معظم المنظمات الأوروبية مثل حلف شمال الأطلنطي واتحاد غرب أوروبا أو مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي في إيجاد حل لها أو مخرج منها. وبالرغم من انهيار الاتحاد السوفيتي، إلا أن روسيا وريثته الأساسية ما زال لديها ترسانة نووية يمكن أن تهدد الغرب، يضاف إلى ذلك ظهور صراعات جديدة ذات طابع قومي مثل مشاكل الأقليات والقوميات والاختلافات الثقافية والدينية في أوروبا الشرقية وفي جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق.

محاور المخاطر الأمنية

وقد لخص أحد الخبراء الإستراتيجيين المخاطر التي تواجه الأمن الأوروبي في ثلاث مسائل:

الأولى: حدوث تغيرات غير متوقعة في روسيا مع استمرار امتلاكها لترسانتها النووية الكبيرة.

الثانية: الصراعات العرقية، والدينية، والثقافية، والقومية في أوروبا الشرقية وجنوب أوروبا.

الثالثة: التهديدات التي قد تأتي من خارج أوروبا مثل تلك التي قد تأتي من شمال إفريقيا.

بالنسبة للخطر الأول وهو التهديد الروسي، فيتلخص أساسًا في أن روسيا يسودها الاضطراب الناتج عن تدهور الأوضاع الاقتصادية، مما يساعد على نمو العناصر اليمينية المتشددة التي تهاجم الإصلاح الاقتصادي والسياسي من ناحية، لكن -من ناحية أخرى- تسعى إلى إعادة توحيد الاتحاد السوفيتي وإقامة الإمبراطورية السوفيتية مرة أخرى مثل العناصر اليمينية بزعامة جيرينوفسكي والتي فازت بعدد كبير من المقاعد في البرلمان الروسي. فالوضع في روسيا ما زال يتسم بالسيولة وعدم اليقين، ولكن يمكن القول إن الغرب نفسه مسؤول إلى حد كبير عن الاضطرابات التي تسود روسيا؛ فالغرب ما زال مترددًا في تقديم معونات اقتصادية كافية لروسيا فهو ما زال أسير الماضي ويخشى أن يعيد الدب الروسي ترتيب بيته من الداخل ويقوي اقتصاده بجانب قوته العسكرية ويصبح -من جديد- مصدر تهديد للمصالح الغربية، ولكن هذه المرة مصدر خطر حقيقي يعتمد على القوة الاقتصادية بجانب القوة العسكرية.

ومن ثم فإن الغرب في معضلة وما زال لا يعرف كيف يتعامل بالضبط مع الدب الروسي؛ فالغرب يقع بين مطرقة أن يقدم لروسيا مساعدات حقيقية ومن ثم يخلق منافسًا قويًا له، وسندان أن يترك الأمور كما هي مع تقديم مساعدات قليلة، وما قد ينتج عن ذلك من ظهور قوى يمينية متشددة سوف تكون بالضرورة معادية للغرب. ولكن العديد من المخططين الغربيين يرون أن الوضع في الشرق الأوسط بصورة عامة الآن أفضل مما سبق، فحتى في حالة استعادة روسيا لقوتها فإنها قد فقدت حلقاتها في أوروبا الشرقية، وأصبحت تلك الدول تمثل منطقة عازلة بين أوروبا الغربية وروسيا.

أما بالنسبة للخطر الثاني وهو المتعلق بأوروبا الشرقية فيشار هنا بوجه خاص إلى الحرب في يوغسلافيا السابقة، وخطورة هذه الحرب أنها قد تمتد إلى مناطق أخرى في أوروبا ويمكن أن يتسع نطاقها ليشمل دولاً أخرى منها تركيا وألبانيا واليونان، بل وروسيا أيضًا، فالحرب العالمية الأولى بدأت من نفس المنطقة وبأحداث مماثلة إلى حد كبير وقد فشلت كافة الآليات التي استخدمتها أوروبا لحل هذا الصراع.

أما الخطر الثالث الذي قد يواجه الأمن الأوروبي فربما يأتي من الخارج، من شمال إفريقيا أو الشرق الأوسط؛ فنتيجة لتدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية في منطقة الشمال الإفريقي قد يؤدي ذلك إلى هجرة واسعة من أبناء شمال إفريقيا للقارة الأوروبية نفسها بسبب وجود عدد كبير من أبناء تلك المنطقة في الدول الأوروبية وخاصة فرنسا. أما الخطر الذي قد يتأتى من منطقة الشرق بصورة عامة فيتمثل في احتمال قطع إمدادات البترول من تلك المنطقة أو ارتفاع أسعاره بشكل كبير مما يهدد بحالة كساد اقتصادي في أوروبا التي ما تزال تعتمد على بترول الشرق الأوسط بشكل أكبر من أي منطقة أخرى في العالم. الخطر الآخر الذي يتحدث عنه الكتاب الأوروبيون هو تعرض أمن دولة إسرائيل للخطر بشكل يفرض على أوروبا التحرك، أو تعرض المستعمرات الإسبانية في شمال المغرب «سبتة ومليلة» للهجوم.

ويرى الخبراء والاستراتيجيون أن الأخطار المحتملة من تلك المنطقة يمكن احتواؤها أو مواجهتها في ظل التفوق العسكري الأوروبي على دول تلك المنطقة، لكن الموقف سوف يختلف إذا ما استطاعت مصادر التهديد تلك أن تطور قدرة نووية أو أسلحة كيماوية أو بيولوجية لها قوة الردع؛ فقطع البترول مثلاً معناه رد فعل قوي وغير عادي من جانب أوروبا، ومن ثم فإن امتلاك أسلحة الردع من جانب مصادر التهديد تلك سوف يوفر لها القدرة على اتخاذ مثل هذا القرار دون الخوف كثيرًا من رد الفعل العسكري بسبب قدرتها على الردع.

المؤسسات الأمنية الجماعية

بعد التعرف على مصادر التهديد تلك يثار سؤال حول كيفية مواجهتها، وما هي المؤسسات الجماعية التي يمكن أن تقوم بتلك المهمة؟ ويبرز لدينا اسم أكثر من مؤسسة مثل مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا CSCE، والجماعة الأوروبية EC التي تعرف الآن باسم الاتحاد الأوروبي (EU)، وأيضًا حلف شمال الأطلنطي (NATO).

سوف نستعرض جوانب الضعف والقوة في تلك المؤسسات:

بالنسبة لمؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا، فأهميته أنه يضم كل دول القارة الأوروبية بالإضافة لأطراف أخرى من خارج القارة مثل الولايات المتحدة وكندا، وقد استطاعت هذه المنظمة أن توفر إطارًا للتشاور والتفاهم بين الدول الأوروبية أثناء الحرب الباردة ولكن يغلب على أنشطته الطابع السياسي أكثر من الطابع العسكري مثل قضايا حقوق الإنسان.. إلخ، كما أنه بعد الحرب الباردة زادت العضوية في ذلك المؤتمر لتصبح 50 دولة وهو ما يعيق عملية التوصل إلى سياسة مشتركة.

أما بالنسبة للجماعة الأوروبية أو الاتحاد الأوروبي EU الآن، فهي قد بدأت أساسًا كجماعة اقتصادية تهدف إلى إقامة سوق أوروبية مشتركة وفقًا لاتفاقية روما 1957، وكانت الفكرة الأساسية خلفها هي البدء من الاقتصاد ثم الانتقال منه إلى السياسة؛ أي البدء من التعاون الاقتصادي ومنه إلى التعاون السياسي والأمني بعد ذلك. وبرغم مرور أكثر من 35 عامًا على إنشاء الجماعة وتحويلها إلى سوق أوروبية مشتركة بمعنى الكلمة منذ نهاية عام 1992، إلا أن التعاون في الجانب السياسي والأمني لم يحالفه نفس الحظ من النجاح. فقد توصلت دول الجماعة في أواخر الستينيات إلى آلية تعاون سياسي أطلق عليها التعاون السياسي الأوروبي، ولأن قرارات تلك الآلية كانت غير ملزمة لدول الجماعة، كما أن قراراتها كان يجب أن تؤخذ بإجماع الأصوات.

أما بالنسبة للتعاون الأمني؛ فلم تستطع دول الجماعة أن تتخذ أي قرارات للتعاون بشأن ذلك بسبب حياد بعض تلك الدول مثل أيرلندا، أو رغبة البعض الآخر في عدم التنازل عن جزء من سيادتها في ذلك المجال الحيوي مثل الدنمارك، وارتباط بعضها بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة مثل بريطانيا ورغبتها في تدعيم الوجود الأمريكي في أوروبا عن طريق حلف شمال الأطلنطي. وبعد نهاية الحرب الباردة حاولت كل من ألمانيا وفرنسا إنشاء نواة لقوة عسكرية أوروبية تعتمد بشكل أساسي على قوات من تلكما الدولتين، ولكن تلك الجهود واجهت معارضة شديدة من جانب بريطانيا التي تخشى من تزايد نفوذ هاتين الدولتين داخل الجماعة الأوروبية.

وهكذا ظلت الجماعة الأوروبية غير قادرة على مواجهة التحديات الأمنية التي تواجهها بشكل مستقل وخارج إطار حلف شمال الأطلنطي بسبب عدم وجود رؤية واحدة واختلاف المصالح بين تلك الدول حول شكل وأهداف التعاون الأمني؛ نتيجة لذلك ظلت أوروبا عاجزة عن مواجهة التطورات في البوسنة على الرغم من كونها قضية أوروبية بالأساس وتحدث في قلب القارة الأوروبية.

دور حلف الناتو

أما الإطار الثالث فهو حلف شمال الأطلنطي أو الناتو NATO ويضم هذا التحالف معظم دول الجماعة الأوروبية بالإضافة إلى تركيا والولايات المتحدة وكندا، وقد استطاع هذا الحلف وتحت القيادة الأمريكية ضمان أمن أوروبا الغربية في مواجهة الاتحاد السوفيتي. وبعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي أثار العديد من الباحثين فكرة أهمية تطوير الحلف بحيث يستطيع التكيف مع أوضاع مرحلة ما بعد الحرب الباردة، ويشمل التطور المقترح بعدين أساسيين: يتعلق الأول بعدم اقتصار ولاية الحلف على الجوانب العسكرية فقط بل يمتد ليشمل التعاون في المجال الاقتصادي أيضًا.

أما الاقتراح الثاني فيتعلق بتوسيع عضوية الحلف ليشمل دول أوروبا الشرقية «الأعضاء السابقين في حلف وارسو»، وقد تقدمت بالفعل خمس دول من أوروبا الشرقية بطلبات للعضوية في الحلف في اجتماعه الأخير وهي بولندا والمجر والجمهوريات التشيكية والسلوفاكية وليتوانيا. وقد أثار هذا الإجراء الأخير معارضة شديدة من روسيا التي تخشى من محاصرتها بحلف شمال الأطلنطي، كما أن الرئيس الروسي يلتسين أعلن أن انضمام تلك الدول إلى الحلف سيؤدي إلى زيادة نفوذ وشعبية القوى اليمينية المعادية للإصلاح والتي تسعى إلى استعادة الإمبراطورية السوفيتية.

نتيجة لذلك، فقد رفض الاجتماع الأخير إعطاء العضوية الكاملة لتلك الدول في الحلف واقترح بديلاً عن ذلك انضمامها بشكل تدريجي للحلف في إطار ما أطلق عليه "المشاركة من أجل السلام"، والذي يسمح لتلك الدول بالمشاركة في بعض المناورات والتدريبات المشتركة دون العضوية الكاملة التي تعني مظلة أمنية كاملة تقوم على مبدأ أن أي عدوان على دولة من الدول الأعضاء يكون عدوانًا على جميع الدول الأعضاء في الحلف. واستطاعت الولايات المتحدة بهذا الاقتراح أن تقلل من مخاوف روسيا التي تخشى من العزلة، وأن تزيد من طمأنينة دول أوروبا الشرقية التي ما تزال تخشى من الأطماع التوسعية الروسية.

وهكذا يمكن القول أخيرًا إنه على الرغم من نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، فإن معضلة الأمن الأوروبي ما تزال قائمة، كما أن حلف شمال الأطلنطي ما زال هو أفضل الهياكل للمساهمة في توفير الحماية لدول تلك القارة.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل