; تحليل سياسي.. شياطين تجفيف الينابيع | مجلة المجتمع

العنوان تحليل سياسي.. شياطين تجفيف الينابيع

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أكتوبر-1993

مشاهدات 69

نشر في العدد 1072

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 26-أكتوبر-1993

الصراع على القيم والحضارة

هناك قوى معينة تصر على إشعال نار الحقد لدى بعض الشعوب ضد المسلمين في كل مكان ولا يكفيهم محاربة المسلمين، وإنما يريدون القضاء على الإسلام ذاته لأنه يوفر لمن يؤمنون به القيم الخالدة الثابتة التي تؤهلهم في المستقبل لقيادة الحضارة الإنسانية، في حالة انهيار الحضارة الأوروبية- التي يتوقعون أن يقضي عليها الغلو في الترف المادي والجشع الرأسمالي الذي يتحكم اليوم في كثير من الأمم المتقدمة.

من حرب الأفيون إلى الليبرالية المطلقة

كلنا يذكر حرب الأفيون التي أعلنتها دول أوروبا على الصين باسم حرية التجارة لمجرد أنها أوقفت تجارة الأفيون التي كان الرأسماليون الاستعماريون يجنون من ورائها أرباحًا طائلة.

وانتهت الحرب بإلزام الصين بترك الحرية للتجارة أي تجارة الأفيون والمخدرات وهذا ثابت تاريخيًا ومنذ ذلك الحين بدأت الدعاية الاستعمارية بتخويف العالم من الخطر الأصفر واليوم يتكلمون عن الخطر الإسلامي، لأن هناك أوساطًا استعمارية تحالفت مع الصهاينة بقصد الاستيلاء على ثروات العالم الإسلامي (وخاصة البترول) لتجني من ورائها أرباحًا طائلة.

وهناك شواهد كثيرة تدل على أن هذا التحالف الشيطاني الرأسمالي الصهيوني هو الذي يستغل مظاهر الفساد والانحلال في المجتمعات المتقدمة ويروج لحركة الفسق والفجور والفساد باسم الليبرالية المطلقة التي لا تتقيد بحدود أخلاقية أو دينية ويرى عملاؤه أن الإسلام له شريعة مقدسة تضع حدودًا يلتزم بها المسلم لحمايته من هذه الأوبئة التي تستغلها وتروجها القوى الرأسمالية المتحكمة في مصائر الشعوب باسم ليبرالية السوق وحرية التجارة التي بدأت بالأفيون ووصلت إلى الشذوذ الجنسي والانحلال الخلقي ولن تقف عند أي حد إنهم يرون أن القيم الإسلامية التي تحرم الربا والخمر والانحلال الخلقي والفساد الاجتماعي هي التي تتحدى دعواتهم إلى ما يسمونه الليبرالية المطلقة التي بدأت بحرية الاتجار في الأفيون في العصور الوسطى- والتي وصلت إلى تقنين الشذوذ الجنسي بجميع أنواعه بحجة أنه حرية شخصية في بعض النظم الديمقراطية.

تفكيك الأسرة وسيطرة الرأسمالية

إنهم يعلمون أن الإسلام يوقظ ضمير الإنسان ويفرض عليه حدودًا أخلاقية لحماية الأسرة التي هي نواة المجتمع وهم يسيرون في عكس هذا الاتجاه.

 وقد شاهدنا في الانتخابات الأمريكية الأخيرة أن المرشح الذي جعل محور برنامجه حماية ما سموه القيم الأسرية، قد هزم إن هذا الشعار الأخلاقي ودعاته هزمتهم وسائل الدعاية التي تسيطر عليها قوى رأسمالية متحالفة مع الصهيونية أعلنت شعارها بإعطاء ما يسمونه حقوقًا مدنية لذوي الشذوذ الجنسي بما في ذلك تجنيدهم في القوات المسلحة. إن هذا يدل على اتجاه تلك القوى الرأسمالية نحو استغلال نزوات الأفراد وترويج الانحلال الخلقي فلا ندهش إذا كانت هي التي تثير المجتمع الأمريكي والأوروبي ضد الإسلام لأن قيمه الثابتة لا تسمح للشعوب بالتجاوب مع هذه التيارات الانحلالية.

 إن مبدأ تحريم الربا في الإسلام يكفي وحده لكي تعلن القوى الرأسمالية الاستغلالية عليه حربًا لا هوادة فيها- لأن الرأسمالية تمارس سيطرتها على الشعوب وعلى العالم أجمع بواسطة الفوائد الربوية والقروض التي أصبحت قيودًا في رقاب جميع الحكومات وفخاخًا تنصب ليقع فيها حكام الدول الصغرى والكبرى على حد سواء.

استراتيجية الإبادة وتجفيف المنابع

والقضاء على الإسلام في نظرهم لا يستلزم حتمًا إبادة جميع المسلمين، بل إن سلاح الإبادة والتخويف به وممارسته من حين لآخر يكفي في نظرهم لإخضاع المسلمين لكي يتبرؤوا من المبادئ الإسلامية التي تخشاها القوى الرأسمالية العالمية التي تسير= تُسير النظام العالمي الجديد وتهدد به جميع الشعوب.

 إنهم يعتقدون أن المحن التي يسلطونها على بعض شعوبنا وتصل إلى حد إبادة السكان أو طردهم من بلادهم كما هو حادث الآن في فلسطين أو في البوسنة والهرسك أو طاجيكستان ستكون كافية لإبعاد المسلمين عن التمسك بشريعتهم وعقيدتهم ومبادئهم وكلما تبين لهم أن هذه الاعتداءات الوحشية لا تزيد المسلمين إلا إيمانًا بعقيدتهم وتمسكًا بشريعتهم.

 زاد ذلك في غيظهم ودفعهم إلى الغلو في محاربة الإسلام ذاته ومحاولة اقتلاع جذوره بوسائل الدعاية والتشويه والافتراءات من أجل إبعادنا عن النصوص القطعية في الكتاب والسنة التي لا يفرط فيها المسلمون بأي حال من الأحوال.

 إن فكرة اقتلاع جذور القيم الإسلامية هي ما يعبرون عنه بتجفيف المنابع الإسلامية في المجتمع، وهذه المنابع هي النصوص القطعية التي تتضمنها عقيدة التوحيد ذاتها والإيمان بالله واليوم الآخر.

فريضة الجهاد وحتمية الانتصار

إن هذا الإيمان باليوم الآخر يزعجهم كثيرًا لأنه هو أساس فريضة الجهاد في سبيل الله التي تدفع المسلمين لمواجهة الموت في سبيل عقيدتهم وأمتهم واثقين بأن جزاءهم بعد الموت هو النعيم المقيم في الحياة الآخرة.

 منذ بدأت الهجمات الاستعمارية على بلادنا في الحروب الصليبية إلى اليوم وهم يواجهون صمودًا وشجاعة في القتال لا مثيل لها، لأن المسلمين يريدون إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة، أما الاستسلام للعدو فلا يدخل في قاموس الفرد أو المجتمع المسلم، لهذا فإن من أهم أهداف ما يسمونه بتجفيف المنابع هو استبعاد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي يعتبرها المسلمون أساسًا لفريضة الجهاد الذي يؤمنون أنه ماض إلى يوم القيامة طالما أن المسلمين لا يقبلون فكرة الاستسلام لطغيان أعدائهم مهما تكن قوتهم ومهما تكن الوسائل والأساليب الوحشية التي يستخدمونها فإنهم في النهاية سوف ينتصرون لأن عدوهم سوف ينهار من داخله بفعل الفساد الذي يدب في مجتمعه ويبقى الإسلام لينقذ البشرية من الفساد الذي حطم قوى الشر والطغيان وأعوانهم.

إن مبدأ الجهاد والاستشهاد في سبيل الله ليس إلا واحدًا من المبادئ الإسلامية التي يحاول أعداؤنا إبعادنا عنها لأن التزامنا بها هو الذي يعدنا لكي نكون صالحين للخلافة في الأرض ونحن نؤمن بقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ وَٱلْعَٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: 128) وإلى جانب ذلك مبادئ أخرى خالدة مثل مبدأ الوحدة الإسلامية وتضامن المسلمين في الدفاع عن الإسلام فضلًا عن المبادئ الاجتماعية التي تحمي الأخلاق والأسرة وتبني المجتمع على أساس التكافل والتضامن لمقاومة الاستغلال والتحكم الذي تمارسه اليوم قوى رأسمالية استغلالية تحركها الصهيونية وتتحالف معها ضد الإسلام والمسلمين ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: 30).

 


انظر أيضا:

"تجفيف الينابيع" راهنا وفي تجارب سابقة


 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 45

120

الثلاثاء 26-يناير-1971

هوية الأمة

نشر في العدد 116

221

الثلاثاء 05-سبتمبر-1972

الصفحات الأخيرة من حضارتنا