; تحليل سياسي: الحزب الاشتراكي اليمني.. والانتحار بخنجر الانفصال | مجلة المجتمع

العنوان تحليل سياسي: الحزب الاشتراكي اليمني.. والانتحار بخنجر الانفصال

الكاتب ناصر يحيي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-سبتمبر-1994

مشاهدات 67

نشر في العدد 1115

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 06-سبتمبر-1994

·       مشروع الوحدة جدد رصيد الحزب المحتضر بعد أن طلى جلده بشعارات الوحدة والديمقراطية وحقوق الإنسان.

·       كانت لحظة الانفصال هي شهادة الوفاة للحزب الاشتراكي اليمني بملامحه الماضية وأركانه السابقة.

 في بداية الثمانينات كان فرع الحزب الاشتراكي اليمني في الشمال اليمني يتلقى هزائم عسكرية قاسية جعلته يعلن تجميد نشاطه التخريبي المسلح ضد نظام صنعاء، فيما نجح الرئيس السابق علي ناصر محمد في ترتيب صلح غير معلن بين الرئيس علي صالح والاشتراكيين المناوئين له، وفي مقابل إنهاء التمرد المسلح يكون من حق المتمردين ممارسة عملهم السياسي سلميا وفي إطار القوانين المعمول بها. وعلى الصعيد الآخر من اليمن كان الصراع على السلطة في "عدن" يشهد سنوات هدوء ظاهري بعد استتباب الأمور لعلي ناصر محمد حتى 1980م، عندما بدأت نذر الخلافات تعود من جديد لتنتهي بكارثة 13 يناير 1986م.

البحث عن شهادة وفاة

خرج الحزب الاشتراكي من كارثة يناير 1986م، وهو يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة، ولولا أن المعارضة الخارجية له كانت جثة هامدة بالفعل لكان يمكن أن يحدث شيء ما شبيه بما حدث في أوروبا الشرقية بعد ذلك بسنوات قليلة جدا. ومع اقتراب تحلل المنظومة الاشتراكية العالمية، كان نظام الحزب الاشتراكي يزداد تأزما، مع اشتداد الأزمة الاقتصادية وانهيار الأحلام الثورية، وتحول الحزب الأممي إلى مجموعات مناطقية وقبلية تفرض وجودها بقوة السلاح والتحالفات الثنائية بعد انقضاء زمن الشعارات الثورية والأممية.

صحوة الموت

وكالعادة في علاقات شطري اليمن قبل الوحدة، أدت بعض الاحتكاكات الحدودية في مناطق استكشاف البترول إلى إعادة الروح إلى الحوارات الوحدوية الثنائية، وبدأ النظام في "صنعاء" يمسك في يده خيوط المبادرات الهجومية لتحقيق مزيد من الخطوات نحو الوحدة في وقت كان النظام في "عدن" ما يزال يلعق جراح كارثة يناير 1986م، التي تركته مثخنا بالجراح ينتظر رصاصة الرحمة. وفي عامي 1988 – 1989م تسارعت الخطوات الوحدوية بصورة ما يزال البعض يحتار في أسبابها وسرعتها وتلاحقها!! وفي ذكرى جلاء المستعمر البريطاني عن عدن كان وفد من صنعاء برئاسة "علي عبد الله صالح" يزور "عدن" ويقترح بجرأة إعلان توحيد شطري اليمن في دولة فيدرالية، بينما طرح الماركسيون صيغة كونفدرالية كمحاولة لامتصاص المفاجأة غير المتوقعة التي وضعتهم في موقف حرج. انتهت الاجتماعات في "عدن" بالتوقيع على اتفاق أكثر إثارة يقضي بإحالة مشروع دستور دولة الوحدة للاستفتاء عليه شعبيا؛ الأمر الذي يعني قيام وحدة اندماجية فور الموافقة عليه. أنعش اتفاق "عدن" النظام الماركسي وأمده بطاقة جديدة للاستمرار، بعد أن نجح الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني "علي سالم البيض" في انتهاز الفرصة وتجديد حيوية الحزب بالمشاركة في مشروع الوحدة الذي جدد من رصيد الحزب ونفخ خطابه الإعلامي بالقوة والحياة، وبدا أن الحزب المحتضر قد انتفض من جديد، وأوحى بتخليه عن النهج الماركسي وجدد شعاراته ليقدم نفسه بأنه حزب الوحدة والديمقراطية وحقوق الإنسان!! وعندما أعلن قيام دولة الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990م، كان الحزب الاشتراكي قد نجح في فرض شروطه في اقتسام السلطة من قمة القيادة حتى مستوى مدير عام، فيما بقيت المحافظات الجنوبية والشرقية تحت سيطرته الكاملة، مع احتفاظه بهيمنة حقيقية على جيشه السابق، ومعداته العسكرية. كان الهاجس الذي يقلق الاشتراكيين هو خوفهم من خسرانهم لمواقعهم في القيادة نتيجة الانتخابات النيابية المتوقع إجراؤها وفق اتفاقية الوحدة في نهاية 1992م. وبرغم سيطرتهم على المحافظات الجنوبية والشرقية، إلا أن المحافظات الشمالية والغربية مثلت رعبا حقيقيا، حيث يعيش أغلبية السكان الذين لا تستطيع آلة الحزب -بأي حال- إجبارهم على انتخاب المرشحين الاشتراكيين بالإضافة إلى وجود قوى أخرى معادية تتمثل في القبائل والتيار الإسلامي. ومنذ انتهاء العام الأول للوحدة في مايو 1991م بالاستفتاء على الدستور، انتهى شهر العسل بين الاشتراكيين والرئيس "علي صالح"، وبدأت عقدة الانتخابات تفرض وجودها مع اقتراب موعد انتهاء الفترة الانتقالية، الأمر الذي فرض على الحزب الاشتراكي سرعة تقرير أحد الخيارات التالية: أ- التوحد مع حزب المؤتمر الشعبي وبالتالي ضمان البقاء في السلطة. ب- خوض الانتخابات بصورة منفردة وتحمل النتائج مهما كانت. ج- التنسيق مع المؤتمر الشعبي دون التوحد.

كان الخيار الأول يمثل حلا مثاليا لأزمة الحزب، لكن الأجنحة المتنافسة داخله عجزت عن اتخاذ موقف إيجابي منه، وفرض الحزبيون العقائديون وجهة نظرهم الداعية إلى استمرار بقاء الحزب الاشتراكي اليمني. أما الخيار الثالث فاصطدم برفض المؤتمر الشعبي فكرة التنسيق دون التوحد؛ لأن معناه أن يصعد الاشتراكيون إلى السلطة من جديد على أكتاف حزب المؤتمر، دون أن يقدموا مقابل ذلك شيئا يذكر. وهكذا لم يبق إلا الخيار الديمقراطي المتمثل بإجراء انتخابات حرة لتحديد الحجم الحقيقي لكل حزب. ومع ذلك، فإن الاشتراكيين أثاروا أكثر من أزمة سياسية و"اعتكاف" لإجبار المؤتمر الشعبي على التفكير بخيار التنسيق أو تأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى ووصل الأمر إلى تحريض النقابات الموالية للحزب الاشتراكي وتأجيج النزعات القبلية والمناطقية والمذهبية، والتلويح بتحريك الشارع في انتفاضات شعبية، كل ذلك لإجبار المؤتمر الشعبي على التنسيق الانتخابي أو تأجيل الانتخابات. وبعد فشل كل محاولات الحزب الاشتراكي، كان لا بد من الرضوخ للرغبة الشعبية في إنهاء الفترة الانتقالية، ويقال إن من أسباب الموافقة هو تأكيدات تلقتها قيادة الحزب الاشتراكي من منظمات الحزب في محافظات "تعز"، و"إب" بقدرتها على تحقيق نتائج مذهلة في الانتخابات؛ الأمر الذي يحقق موقعا ممتازا للحزب في أي مفاوضات.

صدمة أبريل!!

عندما تم الإعلان رسميا -في مؤتمر صحفي عالمي- عن نتائج الانتخابات اليمنية لاحظ الصحفيون تغيب ممثلي الحزب الاشتراكي عن المؤتمر.. وهو ما يمكن تفسيره الآن بأنه أول احتجاج غير مباشر على التراجع الذي جعل الحزب الاشتراكي يتحول إلى الحزب الثالث في اليمن. أما الصدمة الثانية التي تلقاها الاشتراكيون، فهي حصول خصومهم الإسلاميين على المركز الثاني، واكتساحهم الدوائر الانتخابية في معاقل الاشتراكيين في "تعز" و"إب". وبرغم أن الحزب الاشتراكي أعلن قبوله لنتائج الانتخابات، ثم مشاركته في الائتلاف الثلاثي مع المؤتمر الشعبي والإصلاح، إلا أن "البيض" وعددا من المقربين إليه أيقنوا أن الحزب في طريقه إلى مقاعد المعارضة عاجلا أم آجلا، وأن استمرار التجربة الديمقراطية سوف يؤدي إلى فقدانه السلطة التي صارت عامل القوة الوحيد في الحزب. وفيما كانت موجة من التفاؤل تنتشر في اليمن بعد منح ثقة مجلس النواب للحكومة الائتلافية برئاسة "حيدر العطاس"، عاد "البيض" من رحلة علاج إلى أمريكا رأسا إلى "عدن" مدشنا بدء أزمة سياسية طويلة. كان سيناريو الأزمة قد تم وضعه بطريقة ذكية وتدرجت حلقاته من رفض التعديلات الدستورية التي تم الاتفاق عليها بين الأحزاب الثلاثة الرئيسية إلى المطالبة ببقاء نصيب الحزب الاشتراكي في مجلس الرئاسة كما هو.. ثم تطورت الأمور إلى المطالبة بإصلاح الأوضاع الإدارية والمالية والأمنية وتوسيع نطاق المشاركة الشعبية... إلخ، وفي كل تلك الخطوات استخدم الاشتراكيون خطابا إعلاميا ديماغوجيا، واستغلوا معاناة الناس ومواجعهم وهيجوا المشاعر المناطقية والمذهبية والقبلية حتى فرضوا على حلفائهم في الائتلاف الموافقة على كل شروطهم التي صاغوها بعد ذلك في وثيقة العهد والاتفاق التي تم التوقيع عليها في "الأردن" في وسط احتفال سجل انتصارا للاشتراكيين.

بداية النهاية!!

كانت الخطة المحكمة للاشتراكيين قد أربكت حلفاءهم في السلطة!! وساعد على ذلك أن كثيرين لم يستوعبوا حقائق الأزمة في بدايتها، لكن المؤتمر والإصلاح نجحا في الأخير في انتهاج سياسة ذكية لفضح حقيقة المخطط الاشتراكي، وتم تجاوز كل العقبات والعراقيل التي وضعها الاشتراكيون، وكان إعلان الموافقة على التوقيع على وثيقة العهد والاتفاق في الأردن هو الخطوة الأخيرة التي كشفت أن الهدف الأخير للحزب الاشتراكي هو فصم الوحدة اليمنية وإعادة دولته السابقة بأي أسلوب كان. ومنذ ظهور الزعماء اليمنيين على شاشة التلفاز في "عمان"، بدأت كفة الصراع تميل لغير صالح الاشتراكيين، رغم أن اللحظة نفسها سجلت آخر انتصار سياسي لهم. وبدأت مشاعر اليمنيين تتعاطف مع الرئيس "علي صالح" وهم يرون الصلف الاشتراكي في استمرار الأزمة وعدم عودتهم إلى العاصمة صنعاء لتنفيذ الوثيقة. على الصعيد العسكري بدأت سلسلة من التداعيات العسكرية في عدد من المحافظات، لكن أهميتها تكمن في اتضاح ضعف الآلية الحربية التي يمتلكها الاشتراكيون، أما دلالتها الأولى فهي وصول الجميع إلى قناعة بأن كل المناورات السياسية قد انفضحت ولم يبق إلا أسلوب الحسم العسكري للحفاظ على الوحدة أو تحقيق أهداف الحزب الاشتراكي. كانت القيادة الاشتراكية تراهن على تفجير انتفاضات شعبية ضد الدولة تمكنها من الانفراد بحكم "الجنوب" أو فرض كونفدرالية وعندما حققت القوات الحكومية انتصارات كبيرة في بداية الحرب، لم يكن أمام الاشتراكيين سوى تجربة الخيار الأخير المتمثل في إعلان دولة انفصالية لكسب الدعم الدولي وحماية المجتمع الدولي لهم. وعندما أعلن "البيض" قيام دولة انفصالية في اليمن كانت اللحظة المناسبة لذلك قد ضاعت، لكن الأهم أن الإعلان كان بمثابة شهادة وفاة للحزب الاشتراكي اليمني بملامحه الماضية وأركانه السابقة، ودليل على أن الماركسيين القدامى ما يزالون على نهجهم القديم في التآمر وعدم الإيمان بالتداول السلمي للسلطة. ورغم أن الاشتراكيين لم يعلنوا وفاة حزبهم رسميا، إلا أن المستقبل لا يبدو سهلا أمامهم بعد أن تعدد الوارثون الذين ظهروا للاستحواذ على ميراث الحزب الذي انتحر يوم أعلن الانفصال، وبقي في التاريخ رمزا للحزب الذي يقتل أبناءه كل بضع سنوات حتى إذا قربت نهايته عمد إلى خنجر مسموم ليغمده في قلبه وهو يظن أنه يغرسه في أجسام خصومه!!

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل