; سقوط الديمقراطية | مجلة المجتمع

العنوان سقوط الديمقراطية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-مايو-1980

مشاهدات 128

نشر في العدد 479

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 06-مايو-1980

لسنا بحاجة لمناقشة صلاحية الأنظمة الدكتاتورية «الاستبدادية» لمجتمعاتنا.. فنحن- في العالم الإسلامي- كنا ولا نزال مسرح تجارب لشتى صيغ الدكتاتورية.. كنا مسرحًا لدكتاتورية الفرد... ومسرحًا لدكتاتورية العائلة والعشيرة... وبعضنا من الذين تخلصوا من دكتاتوريات الفرد والعائلة اتجهوا إلى المعسكر الاشتراكي ليقتبسوا منه دكتاتورية الحزب الواحد... أو ديكتاتورية العسكر الطائفية.

نعم لسنا بحاجة للتأكيد على عدم صلاحية النظام على اختلاف أشكاله. فلقد ذقنا المرارة والأسى من ممارساته.. ولكننا بحاجة ملحة لمناقشة مدى صلاحية النظام الآخر.. أولًا وهو الديمقراطية.. الذي يأتي دائمًا على أنقاض الأنظمة الاستبدادية الدكتاتورية.

والنظام الديمقراطي نظام غربي رأسمالي يتيح للشعب أن يقرر أمره وسياسته ليحقق ثلاثة أمور يدندن حولها ليل نهار.

● الحرية.

● العدالة.

● المساواة.

هل الشعوب الغربية تمارس الحرية بالشكل المطلوب؟!

وهل تحققت العدالة في توزيع الثروات والحقوق المدنية والإنسانية والسياسية!؟ هل هناك مساواة بين فئات الشعب؟

الإجابة عن هذه الأسئلة تكشف لنا حقيقة الديمقراطية الرأسمالية.. وتكشف الانهيار والسقوط الذي يتهاوى فيه هذا النظام.

• إن النظم الديمقراطية تحاول إقناع الفرد بأنه سيد قدره.. انطلاقًا من بطاقته الانتخابية التي يحدد فيها أعلى سلطة تنفيذية «كالرئيس» أو تشريعية «كالنائب».

ولكن هذه النظم لا تبين للفرد أن دوره ينتهي بمجرد الانتخابات، ولا تبين أن أهمية دوره تظهر عند كل دورة انتخابية فقط.. بمعنى أن خمس مرات من العمر يشعر الفرد أنه يحكم نفسه...

إن السلطة التنفيذية والتشريعية لم تكن قط ممثلة لمصالح الشعب.. إن تلك السلطات ظلت وما تزال تحافظ على مكاسب الفئة الصغيرة المحتكرة للدخل القومي..

لقد أعلن نيكسون عام ۱۹۷۱ أن السنوات العشر المقبلة ستكون حاسمة في مكافحة التلوث... وأقر مجلس الشيوخ بالإجماع نصًّا يطلب من الصناعات والبلديات أن تتخذ جميع التدابير الضرورية لإزالة تلوث المياه قبل ١٩٨٥.. ولكن المفاجأة في أن الحكومة الاتحادية وقفت ضد المشروع لأنه سيكلف رجال الصناعة مبلغًا وقدره ٩٤٥٠٠ مليون دولار في عشر سنوات. ولا شك أن خبراء البيت الأبيض قد أعدوا كل الردود التي تمتص تساؤلات الشعب الناقمة..

فقد قالوا بأن هذا الإجراء سيجعل المشاريع الكبرى تنتقل إلى مناطق ذات إجراءات أخف وطأة..

لقد وقفت مصلحة الفئة المحتكرة للدخل القومي ضد المصالح القومية وما كان من السلطات المنتخبة إلا أن وقفت مع مصالح تلك الفئة.

وفي عام ١٩٦٥ تعالت الصيحات ضد لوحات الإعلانات التجارية التي تحجب جمال الطبيعة عن الطرق.. وأعلن جونسون «أن جمال بلادنا في خطر» فقرر نزع ٨٤ ألف لوحة بمشروع يكلف ۳۰۰ مليون دولار.. ولكن رجال الصناعة وقفوا بقوة ضد هذا المشروع.. وتراجع جونسون بحجة أن المشروع يكلف مبالغ باهظة.. مع العلم أن أصحاب الشركات ورجال الصناعة يرصدون كل عام أكثر من عشرين مليار دولار للإعلان.. أي ما يزيد على تكاليف مشروعي إنقاذ الطبيعة ومكافحة التلوث.

الحقيقة المُرة في النظم الديمقراطية الرأسمالية هي أن القرار النهائي الجاهز يتخذ بأسلوب مختلف هو غير أالجاهز يتخذ باسلوب البرلمان رغم أن البرلمان يقتل القضايا بحثًا ونقاشًا وانتقادًا إلا أن نهاية الأمر وصياغة القرار ترجع إلى عوامل شتى في ركائز النظام الرأسمالي.

يقول كلود جوليان في كتابه «انتحار الديمقراطية»:- أن المجالس المنتخبة تزداد شبهًا- كل يوم- بمكاتب تسجيل بسيطة.. حفاظًا على مواجهة الديمقراطية أجيز لها أن تناقش بحرية.. وأن تعرب عن جميع الانتقادات. ولكن عليها في نهاية الأمر أن توافق على سياسة الحكومة».

ويؤكد ذلك لويد جورج قائلًا «البرلمان ليس له أي رقابة على السلطة التنفيذية.. إن هذه الرقابة وهم خالص».

إننا نستشهد بالولايات المتحدة وهي قائدة الديمقراطية الرأسمالية فنقول.. هل كان قرار حرب كوريا قرارًا شعبيًّا أقره مجلس الشيوخ؟ وهل كان كذلك قرار حرب فيتنام؟ وهل كانت كذلك الحملة الأمريكية على كوبا؟ وهل كان كذلك إرسال جيش للدومينيكان؟ بغض النظر عن مدى صحة القرار... وعندما قرر نيكسون إقامة علاقات مع الصين الشيوعية هل قراره ديمقراطيًّا؟ وعندما أعلن عدم قابلية الدولار للتحويل وزيادة الرسوم على الواردات بمقدار ١٠% هل كان قراره ديمقراطيًّا؟ إنه أحدث انقلابًا في معطيات أساسية في السياسة الأمريكية دون أن ينال مسبقًا موافقة ممثلي مجلس الشعب.

إن ما يقال عن الحرية السياسية في الديمقراطية الرأسمالية بريقٌ كاذب يلمع أثناء الدورات الانتخابية فقط.. إن القرار لا يصنعه الشعب ولا نوابه.. إن القرار يصنع من قِبَل مستشارين متخصصين في جزئيات مختلفة بعيدًا عن التمثيل الشعبي..

إن سقوط هذا النوع من الحرية جعل الكثيرين ينسحبون من اللعبة الديمقراطية ويستنكفون أن يشاركوا في انتخابات واستفتاءات تؤكد خداع وتضليل ما يسمى بالديمقراطية..

لقد استنكف ٣٩% من الناخبين الأمريكان من المشاركة في الانتخابات عام ١٩٦٨ ولا تزال هذه النسبة تزداد حتى تخطت النصف.. كما أن حوالي ٢٠٪ من الناخبين الأوربيين يستنكفون من المشاركة منذ نفس العام ولا يزال العدد في ازدياد ليؤكد سقوط الديمقراطية.

ثم أين العدالة والمساواة في الغرب الرأسمالي؟ هل حقًا هناك ممارسة فعلية أم شكلية!؟

إن مساحة الفقر تتسع يومًا بعد يوم تحت تلك الأنظمة.. والفقر- في الإطار الموضوعي وكظاهرة اجتماعية- لا يقاس بالحساب البسيط للثروات المتوفرة وتكاليف الحياة المادية.. إن الفقر- كسائر المشاكل الاجتماعية- مرتبط بالدرجة العامة لتطور المجتمع.. فالثلاجة قبل ثلاثين عامًا كانت غير ضرورية لمتوسط الدخل.. وغرفة الحمام- في الغرب- لم تكن إلا من أدوات الترف قبل قرن.. بينما اليوم تعتبر من الضروريات.

إن تطور المجتمع معيار أساسي في تحديد الفقر والغنى.. لذلك يقول جون غاليرت في كتابه المجتمع الثري «يكون الناس فقراء حين يكون دخلهم أدنى بشكل واضح من دخل الجماعة.. وقد يكون المرء فقيرًا ولديه دخل يتيح له استمرارية العيش.. إن الفقراء هم الذين لا يستطيعون الحصول على ما تعتبره الجماعة- في مجموعها- الحد الأدنى الضروري لحياة لائقة..»

إن الدخل القومي في الدول الديمقراطية الرأسمالية يتقاسم الجزء الأكبر منه عدد ضئيل من الأسر فحوالي 7% من الدخل يتقاسمه 1% من الأسر في الولايات المتحدة أي ضعف الجزء المخصص لـ ٢٠٪ من الأسر الأمريكية.

إن ناطحات سحاب أمريكا تخفي تحتها فضائح رهيبة من الحارات والمساكن البئيسة.. إن في الولايات المتحدة أكثر من أربعة ملايين مسكن بدون ماء جاٍر وأكثر من مليون مسكن بلا تدفئة.. وحوالي سبعة ملايين مسكن بلا حمام.. وأكثرها من المدن.. زد على ذلك أن هذه المساكن مزدحمة بالسكان..

وفي باريس أكثر من ٦٤% مساكن بلا حمام وأكثر من ٤٣ ليس فيها مراحيض داخلية.. وأرقام مشابهة لذلك في بريطانيا..

ويعلق كثير من الغربيين بأن الفقراء هم من مخلفات المجتمعات الإقطاعية القديمة التي أنقذتها الديمقراطية أو من النفايات الطبيعية للمجتمع الديمقراطي الغربي.. من الزنوج والهنود والأفكار العرقية القديمة.. ولكن الحقيقة هي أن مساحة الفقر في البيض الغربيين أوسع منها في غير البيض.. هناك ما يفوق ١٧ مليون من البيض الغربيين فقراء يمثلون أكثر من ثلثي مجموع الفقراء التي تم إحصاؤهم بين سكان أمريكا منذ عدة سنوات.. وأن عدد الأولاد الذين يعيشون في فقر قد ازداد بمقدار الثلث.. أي أن ربع الأولاد في أمريكا يعيشون في أسر فقيرة..

وبناء عليه يصبح تعليمهم منخفضًا عن غيرهم لأن مدارسهم ومدرسيهم أقل راتبًا وأقل كفاءة.. عوضًا على أنهم لا يجدون في بيوتهم المناخ الثقافي والضروري لزرع البهجة والتشجيع..

إن الديمقراطية الغربية لم تحقق العدالة ولم تستطع المساواة بين الناس.. والسبب الرئيسي يعود إلى أن النظام الرأسمالي والأسلوب الديمقراطي نقيضان لا يلتقيان ولا يتحققان معًا... إن فكرة الحرية والعدالة والمساواة لا تعيش في أجواء احتكار الثروات وسيطرة رأس المال.. كما أن فكرة الحرية والعدالة والمساواة قُتِلَت شر قتلة في أجواء دكتاتوريات الفرد والعائلة.. ودكتاتورية الحزب الواحد المطبق في البلدان الشيوعية..

إن الديمقراطية التي ينشدها الغرب لم تتحقق.. بل إن المكاسب الشكلية الديمقراطية الرأسمالية بدأت تتقلص شيئًا فشيئًا وبدأت تنهار وتنتحر.. والغرب يبحث عن سبيل.. ويعلم أن الديمقراطية لم تعد أفضل ما بالإمكان.. بل إنها أصبحت أهون الشرين وأخف الضررين..

ويقرر كلود جوليان في كتابه «انتحار الديمقراطية» قائلًا «لم تبلغ الديمقراطيات الغربية أهدافها رغم الإنجازات الضخمة التي حققتها لرعاياها.. ولا ينطوي هذا التحقيق البسيط على أية إدانة بحد ذاته لأنه يندر أن تكلل الجهود البشرية بالنجاح التام.. ولكن هل عبأت الديمقراطيات كل الوسائل الجاهزة لتحقيق مطامحها الخاصة؟ إن النظر في الملف يوحي بجواب تشاؤمي:

 فالمجتمعات الصناعية تبدو قد ضحت بأهدافها الديمقراطية الخالصة في سبيلاهتمامات أخرى.. وبدون أن تتنكر لها بصراحة أنزلتها إلى المستوى الثاني بحيث غابت عن أنظارها».

▪ إن سقوط الديمقراطية وفشل الديكتاتورية يجعلنا نتساءل: هل نحن بين خيارين اثنين فقط؟ هل هناك بديل ثالث؟ ..نعم.. الإسلام. الإسلام!

الرابط المختصر :