العنوان الأهداف الحقيقية لزيارة وزير التجارة الأمريكي للمنطقة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 21-فبراير-1995
مشاهدات 74
نشر في العدد 1139
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 21-فبراير-1995
لم تمض أربعة أشهر فقط على اختتام القمة الاقتصادية
في الدار البيضاء التي شاركت فيها «إسرائيل» للمرة الأولى في تاريخها مع 66 دولة،
حتى كان المحامي النيويوركي الذي وصفه الرئيس بيل كلينتون «بالقائد القوي»
و«المدافع الصلب»، يجول الضفة وغزة، وعمان، وتل أبيب، والدوحة، وأبو ظبي، مبشرا
بسلام دافئ ومثمر إذا ما أحسنت أطرافه العمل لدعمه والتصدي لخصومه في زيارته
الثانية للمنطقة في أقل من عام، كان وزير التجارة الأمريكي رون براون ينشر على
شعوب المنطقة رائحة «خبز شهي» في محاولة لإقناع المحبطين بجدوى الاستمرار في طريق
الأشواك نحو السلام.
رافق الوزير براون الذي يشغل منصب رئيس اللجنة
القومية في الحزب الديمقراطي الأمريكي الحاكم في زيارته عشرة من الرؤساء
التنفيذيين لكبرى الشركات الأمريكية، وقال بيان أصدرته وزارة التجارة الأمريكية:
إن من بين أهداف الزيارة «بحث سبل زيادة النشاط الاقتصادي الأمريكي في منطقة الشرق
الأوسط وإيجاد وظائف في الولايات المتحدة»، وتشير إحصاءات نشرت مؤخرًا في العاصمة
الأمريكية واشنطن إلى ازدياد معدلات البطالة في صفوف الشعب الأمريكي.
من زاوية أخرى، فإن الجولة التي قام بها براون
في المنطقة تأتي عقب القمة الاقتصادية التي عقدت في الدار البيضاء، لترسي علاقات اقتصادية
شرق أوسطية تكون إسرائيل فيها عضوا فاعلا بعد أن طالبت دول عربية برفع المقاطعة الاقتصادية
عن «إسرائيل»، فقد حددت القمة الخطوط العريضة الاستراتيجية لتنمية اقتصادية
إقليمية، وجاء اجتماع طابا الخماسي بين الولايات المتحدة، ومصر، والسلطة
الفلسطينية، والأردن، وإسرائيل، ترجمة لهذه الخطوط، ووصف مسؤولون من الأطراف
المشاركة اللقاء الذي عقد على هامش زيارة براون بأنه تمهيد لمؤتمر عمان الاقتصادي
والذي سيعقد في شهر أكتوبر «تشرين الأول» المقبل.
وإذا كان براون يصطحب معه مديري الشركات
الأمريكية فإن فكرة السوق الشرق أوسطية برمتها خرجت من أدراج وزير الخارجية
الإسرائيلي شمعون بيريز، ويمكن ملاحظة اتجاه التعاون من خلال المشاريع التي اقترحت
«إسرائيل» معظمها، وتركز المشاريع الإسرائيلية التي تدعمها الإدارة الأمريكية على
إقامة نظام اقتصادي في المنطقة يلغي هوية المنطقة الثقافية.
وينظر الأمريكيون والإسرائيليون إلى التكامل
الاقتصادي من زاوية جعل «إسرائيل» مركزا إقليميا للصناعات التكنولوجية غالية الثمن
والاستراتيجية المنفعة في المنطقة مقابل توزيع أدوار أقل شأنا على الدول العربية
مثل توفير الطاقة والأيدي العاملة، والصناعات الاستهلاكية والتكميلية.
تمويل السلام من جيوب أطرافه
رغم الزخم الذي حاولت أجهزة الإعلام الأمريكية
والغربية إعطاءه لعملية السلام في المنطقة فإن الحماس لدعم العملية كان فاترا،
خاصة وأن الأمريكيين سعوا إلى توفير دعم ياباني وأوروبي للعملية التي فصلوها على
مقاسهم ومقاس «إسرائيل».
ويمكن في هذا السياق الإشارة إلى بنك التنمية
الإقليمي الذي اقترحته «إسرائيل» وأيدته الولايات المتحدة في قمة الدار البيضاء،
إذ قوبل بفتور دولي تلاه إحجام عن المشاركة أو الدفع باتجاه إخراجه إلى حيز الوجود
رغم المحاولات الأمريكية المستمرة.
ولذلك فإن النظرية الأمريكية الحالية التي
تقوم على دعم عملية السلام ليس عن طريق الهبات والقروض وإنما توفير سيولة في جيوب
«فريق السلام» الذي بشر بيريز بقيامه بعد قمة القاهرة الرباعية.
ويقول بان غاليتشي مستشار وزارة التجارة
الأمريكية: «لدينا شعور بأنه سيتم اتخاذ تدابير عملية لدعم اقتصاديات دول المنطقة
المشاركة في عملية السلام، ولا نتوقع أن يتم البحث في المساعدة «المالية» تحديدا،
وإنما سيتم التركيز على التجارة وتنمية القطاع الخاص»، مشددا في نفس الوقت على
ضرورة إحراز تقدم في عملية السلام في الشرق الأوسط، غير أن المراقبين لا يتوقعون
إحراز مثل هذا التقدم في ظل فشل ما تم حتى الآن من ناحية، وعدم وجود حوافز مالية
وسياسية كافية لإقناع المحجمين عن الانخراط في المشروع.
وفي الوقت نفسه، يؤمن صناع السياسة الغربية
والإسرائيلية أو معظمهم على الأقل أن تحسن الوضع الاقتصادي في المنطقة من شأنه أن
يجفف منابع دعم «الأصولية»، و«الإرهاب» الإسلامي الذي ينظر إليه على أنه العقبة
الوحيدة أمام اندفاع عجلات عربة المشروع في المنطقة حسب المسار الذي حدده
المنتصرون في حرب لم يخضها أحد، ويقول مسؤول أمريكي: «معارضو السلام سيفقدون كثيرا
من مناصريهم فيما إذا تحسن الوضع الاقتصادي للمنطقة».
الزيارة أثمرت عن المزيد من
الوعود والآمال
ووصف الوزير براون -وهو عضو في المجلس الاقتصادي
القومي التابع للرئاسة الأمريكية- الموضوعات التي وردت في البيان الختامي للقاء
طابا الخماسي بأنها «تشكل أرضية جديدة وصلبة للعلاقات الاقتصادية والتجارية بين
الدول المشاركة»، مشيرا إلى أنه «جرى الاتفاق عليها بشكل لم يسبق له مثيل وعلى أسس
عميقة تمثل مدى التزامنا كشركاء ونظراء، وبروح طيبة تعكس وضوح الرؤيا والهدف
المشترك».
وقال براون الذي وصفته الخارجية الأمريكية
بأنه محام ومفاوض وباني جسور بين الأطراف في نفس الوقت: «عندما نتحدث عن المشاركة
التجارية الكاملة فهذا يعني وضع حد للمقاطعة الاقتصادية العربية على إسرائيل»، مشيرا
إلى ضرورة «تطور الوسائل العملية التي تتم من خلال زيادة حجم التبادل التجاري وصولا
لتحقيق التنمية الاقتصادية لدول المنطقة وبخاصة في الضفة الغربية وقطاع غزة لتحسين
الأوضاع المعيشية وتخفيف حدة التوتر فيها».
فيما قال وزير التجارة الأردني علي أبو الراغب:
«إن اللقاء سيكون فرصة طيبة لإيجاد ديناميكية جديدة للتعاون بين دول المنطقة
وإيجاد الحوافز الداعمة للاستثمار والتنمية في مرحلة السلام»، مؤكدا على أن «أي
عمل اقتصادي تنموي إقليمي يسهم في استمرارية عملية السلام يعد أمرا إيجابيا»، غير
أنه أشار خلافا لرغبة الإسرائيليين والأمريكيين إلى أن «الإنجازات الاقتصادية يجب
ألا ينظر إليها بمعزل عن التطورات السياسية في المنطقة».
وهو ما عاد وأكده مسؤول التعاون الدولي في
مجلس الحكم الذاتي الفلسطيني الدكتور نبيل شعث الذي قال: «إن تحقيق وتنمية وتوسيع
التجارة لا يمكن أن تنجح في تقرير السلام في المنطقة دون ضمان حرية انتقال الأشخاص
والبضائع في المنطقة»، مشيرا إلى أنه «حان الوقت للانتقال من سياسة الاحتواء
والمجابهة إلى تعزيز فرص التعاون وتوطيد السلام».
ويعكس هذا التباين في التصريحات التباين في
المواقف بين أطراف «فريق السلام»، الذي لا يبدو موحدا تحت الراية الأمريكية، غير
أنه يجب عدم إغفال الوضع العالق لعملية السلام على المسار الفلسطيني الذي تمت
الزيارة في ظله، وقد تكون زيارة براون كانت إحدى الوسائل الأمريكية لتحسين أجواء
السلام في المنطقة عبر التبشير بالثمار المرجوة.
السوق الشرق أوسطية ليست قدرا
تشير أرقام نشرتها دائرة الإحصاء المركزي
الإسرائيلية إلى أن زيادة كبيرة سجلت في ميزان العجز التجاري الإسرائيلي في شهر
يناير «كانون الثاني» الماضي بلغت مليار دولار، إذ استورد الإسرائيليون 2.37 مليار
دولار، فيما بلغ حجم صادراتهم خلال الفترة 1.37 مليار دولار مسجلة نسبة هبوط بلغت
14 في المائة خلال الأشهر الثلاثة الماضية.
من جانب آخر، دعا تقرير اقتصادي مصري إلى
تعزيز التعاون الاقتصادي العربي ودعم المؤسسات الاقتصادية العربية المختلفة لتقليل
المخاطر الاقتصادية على الدول العربية في حال قيام سوق شرق أوسطية في المنطقة.
واستعرض التقرير تجارب سابقة في التكامل الاقتصادي،
مشيرا إلى أن إقامة السوق تحمل عدة صيغ ومدلولات غير أن المقصود منها في المنظور
القائم حاليا هو بمعنى إقامة منطقة تجارة حرة بين الدول العربية والدول العبرية.
ويؤكد التقرير الذي نشر مؤخرا أن تجارب
التكامل الاقتصادي بين الدول النامية شهدت فشلا ذريعًا، مشيرًا إلى أنه «ليس هناك
ما يدعو إلى الاعتقاد بأن مصير السوق الشرق أوسطية سيكون مختلفًا عن مصير هذه
التجارب».
ويحذر التقرير الذي حمل عنوان «الإستراتيجية
المصرية في مواجهة تحديات السلام» من الموافقة على نظام مزايا تفضيلية في التبادل
التجاري أو أية تخفيضات جمركية متبادلة مع الدولة العبرية في إطار التعاون
الإقليمي معها، وقالت اللجنة المعدة للتقرير -وتضم خبراء اقتصاد مصريين من بينهم
عدد من خبراء وزارة الخارجية المصرية: «إن ذلك سيكون في غير مصلحة مصر، في ظل وجود
قصور في النظام الاقتصادي المصري».
وقال التقرير: «في هذه الحالة فسيكون الطرف
الثاني «إسرائيل» هو المستفيد في التعاون الاقتصادي، حيث ستصبح منتجات «إسرائيل»
أكثر قدرة على منافسة المنتجات المصرية»، وأشارت اللجنة إلى مخاطر تحول مصر إلى
سوق للصناعة الإسرائيلية «في ضوء عدم توافر الندية حاليا»، بين مصر والدولة
العبرية في المجال الصناعي.
ودعا الخبراء إلى إجراء سلسلة من الإصلاحات
السياسية والاقتصادية في الدول العربية على الصعيدين الجماعي والفردي، مؤكدين أنه
«لا يجوز أن يكون إنشاء مشروعات أو مؤسسات شرق أوسطية على حساب المشروعات أو
المؤسسات العربية، بل يجب استمرار دعم هذه الأخيرة، وتعميق صور التعاون بين البلاد
العربية».
وأوصت اللجنة في تقريرها بأنه «ليس من المصلحة
العربية ولا من مصلحة قضية السلام ذاتها إنهاء المقاطعة الاقتصادية العربية إلا
بعد الاتفاق على تسوية تامة لكل القضايا المعلقة» بين الدول العربية
والإسرائيليين، مشددة على ضرورة أن يكون إنهاء المقاطعة على المسارات العربية «في
آن واحد وبقرار من الجامعة العربية».
كما يدعو التقرير المصري إلى سلسلة من إجراءات
التنسيق العربية تشمل «إنشاء مركز عربي موحد» لخدمة لجان التفاوض الفنية العربية
مع الإسرائيليين، و«عقد مؤتمر عربي- عربي من أجل الأمن والتنمية في الشرق الأوسط،
بحيث يكون الجانب العربي فاعلا في عملية رسم المنطقة مستقبلا».
وهكذا فإن السوق الشرق أوسطية التي يصر
الإسرائيليون على أنها قدر المنطقة في حال توقيع اتفاقيات سلام مع الدول العربية،
تلقى تحفظًا شديدًا حتى من أطراف الفريق المؤيد للمشروع الجاري الترويج له في
المنطقة، مما يضع علامات استفهام متزايدة حول مستقبل العملية برمتها في ظل التعثر
السياسي والمأزق الاقتصادي، خاصة أن جولة براون التي حاولت دفع المشروع على
المسارين لم تنجز أكثر من وعود جديدة وآمال واسعة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل