العنوان الماسونية وجهاز أمن الدولة السوفييتي «كي. جي. بي»
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يونيو-1997
مشاهدات 86
نشر في العدد 1253
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 10-يونيو-1997
بقلم: فالنتين بروسكوف - نقلًا عن صحيفة البرافداء الروسية. ترجمة : د. حمدي عبد الحافظ.
هذا المقال للكاتب الروسي فالنتين بروسكوف يسلط الضوء على تاريخ الماسونية في الأراضي السوفييتية، ودورها الخطير في انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، ويكشف عمليات التغلغل السري التي امتدت إلى كل المستويات المؤثرة والمهمة، وسيطرة مذهلة على المواقع الإستراتيجية المهمة، وإلى تفاصيل المقال.
حضرت منذ عدة سنوات حشدًا وطنيًا، سمعت فيه ما تناقلته الألسن عن أن البيرسترويكا وانهيار الاتحاد السوفييتي جاءا نتيجة لمؤامرة ماسونية أعد لها إعدادًا محكمًا، وتساءل أحد الحضور في دهشة واضحة:
أين كانت عيون «الكي. جي. بي»؟ إنه سؤال مشروع، لكن لا يحتمل أن يهتم بالرد عليه من له علاقة بتلك المؤسسات العتيدة في «لوبيانكا» فهم يؤثرون الصمت أو طبع المذكرات التي لا تنفع كثيرًا، مثل: مذكرات لجنة أمن الدولة والسلطة التي كتبها الجنرال فيليب بوبكوف، لكن الحياة تتطلب الرد على حد القول الحكيم.
ومن المعروف أن لجنة أمن الدولة ضمت لسنوات طويلة قسمًا تخصص في مكافحة الصهيونية والماسونية، وعندما بدأ كسر آلة الدولة السوفييتية مع بداية البيرسترويكا، تم حل ذلك القسم وفارق بعض الأشخاص -المرتبطين به ارتباطًا مباشرًا مثل يفغيني يفسييف- حياتهم وسط ظروف غريبة وغامضة، وبالمناسبة لا يندر أن يلقى مؤرخو الماسونية في الغرب حتفهم وسط ظروف مبهمة، مثل البريطانيين «جيمز ديب» و«ستيفن نايت» اللذين تركا مؤلفات قيمة عن تأثير الجمعيات السرية في السياسة، وفي نفس الفترة تقريبًا عامي (۱۹۹۰م - ۱۹۹۱م)، فتحت منظمة «منابي بريت» مكتبها في موسكو، ونشرت الصحف أخبار تأسيس أول المحافل الماسونية في روسيا ونصوص الأحاديث الصحفية التي أدلى بها زعماء «شرق فرنسا الكبير.«
ونعود إلى السؤال: «أين كانت عيون الكي جي بي؟» لنعلن -بثقة تامة- أن تلك المؤسسة الرهيبة لم تكن في يوم من الأيام جهازًا موحدًا؛ خلافًا لما يحاول البعض أن يصوره عادة، فمختلف الناس الذين عملوا فيها نظروا إليها نظرة مختلفة، ومن المشكوك فيه جدًا أن ينظر كل العاملين فيها نظرة مشتركة إلى خير ومستقبل بلادهم.
وعندما تغيب وحدة الصف في جهاز حيوي مثل لجنة أمن الدولة، فإن ذلك يشبه مرض السرطان الذي ينخر في الخلايا السليمة، ويحتم الموت، وهناك قدر من المنطق، وقوة الناموس في الارتباط الزمني بين تفكيك لجنة أمن الدولة وانهيار الاتحاد السوفييتي.
ضباط في المنظمات الماسونية:
كثيرًا ما عمل في لجنة أمن الدولة وفي مناصبها القيادية أشخاص لم يسمعوا بالماسونية على لسان الغير مثل نظيرتها القيصرية قبل الثورة، وقد أصبح بعض الضباط «الأماجد» أعضاء في المنظمات الماسونية، وهم يمارسون العمل غير العلني في الخارج، ومنذ الخمسينيات بدأ المواطنون السوفييت المتواجدون في البعثات الخارجية ينضمون إلى المنظمات الطلابية السرية، الجدير بالذكر أن بينهم أشخاصًا أسهموا في الفترة اللاحقة بقسط كبير في تدمير الدولة السوفييتية، لعل أكثرهم شهرة ممن نذكرهم بالاسم ألكسندر رياكو الأب الروحي للبيروسترويكا، والجنرال أوليغ كالوجيني، وقد أصبحا من «أصحاب السر»، منذ عام (١٩٦٠م) عندما درسا في جامعة كولومبين بنيويورك، وإذ نكتب ذلك لا نستعجل بإلقاء تهم الخيانة والغدر؛ لأن أيًا منهما لم يكن يجرؤ على هذه الخطوة بدون استحسان قيادته في موسكو.
واضح أن عشرات السنين الماضية شهدت التداخل والتعارف بين الجانبين؛ حيث أقام العملاء السوفييت اتصالات بين أعضاء أكثر المحافل سرية وامتيازًا، واستمر من أشهر ماسونيته راغبًا أو راهبًا، ثم عاد إلى وطنه، يتمشى في دهاليز لوبيانكا مستريحًا.
ويقال إنه حتى يوري أندربوف كان من الماسونيين، وقد نشر ذلك في مجلة "atlantic RRvrew" الأمريكية الشهيرة قبل أسبوعين من وفاة ذلك الزعيم السوفييتي الذي يعد من بين الواقفين على رأس الاتحاد السوفييتي إلى جانب ميخائيل جورباتشوف بالطبع، والذي يذكر الغرب اسمه بكل خير، بالطبع فإنه لا يجدي أن نصدق أي كلام مثير، ولكن لا يستبعد أن هناك بين مديري «لوبيانكا» من أقدم على محاولة اللف على الشيطان نفسه مفتونًا بعزته وجبروته.
قبل قيام الدولة السوفييتية:
كانت الماسونية عاملًا خطيرًا في الساحة السياسية الروسية قبل أن تقوم الدولة السوفييتية بمدة طويلة، فلنتذكر مثلًا أن الإمبراطور بأقل الأول قتل على يد الماسونيين، وأن الذين فجروا الانتفاضة ضد الحكومة الروسية في عام (١٨٢٥م) انتموا إلى جمعيات سرية، وأن اغتيال راسبوتين الذي ينسبه من لا يفقه شيئًا إلى المنجزات الوطنية خطط له في أحد المحافل الماسونية، كما تفجرت في فبراير (۱۹۱۷م) ثورة قادتها العناصر الماسونية، وبطبيعة الحال كانت الحكومة المؤقتة قد ضمت عناصر ماسونية فقط، وعندما تفجرت ثورة أكتوبر (۱۹۱۷م) بالكسندر كبرنسكي وأعوانه خارج البلاد توجهوا إلى الغرب، ولم يلبثوا أن أنشئوا في باريس محفلًا يعمل تحت رعاية شرق فرنسا الكبير، ومن المعروف تمامًا أن صفوف البلاشفة صوت عددًا لا بأس به من الماسونيين، حيث اعتنق مؤسس الجيش الأحمر ليون تروتسكي الماسونية في عام ١٩١٦م أثناء بقائه في نيويورك، فيظهر اسمه على الدوام في «القوائم الخاصة بالماسونيين الروس» التي نشرتها صحف المهجر الروسي، لكن أحدًا لم يورد برهانًا أو شهادة محددة في أي يوم أو في أي إصدار، وبعد قيام الدولة البلشفية بقليل تم حظر الماسونية بالقانون، إلا أنها بقيت موجودة على حد ما تؤكده أبحاث المؤلفين الروس.
من الجدير بالذكر أن الماسونية أصبحت موضع بحث شامل ودقيق من قبل اللجنة الاستثنائية التي سبقت لجنة أمن الدولة، منذ السنوات الأولى للسلطة البلشفية.
عمل مخالف للقانون:
ويعتبر الاستيطان الصهيوني للأراضي العربية عملًا مخالفًا للقانون الدولي، ويستمر رغم خطوات التصالح بين إسرائيل من جهة، والدولة الفلسطينية والدول العربية من جهة أخرى، فإن المستوطنين اليهود يعدون بمثابة «الحرس الوطني» حيث يقومون بحراسة الحدود والمستوطنات التي تعد أهم منفذ يدخل منه يهود العالم إلى إسرائيل.
شروط لدخول إسرائيل:
الملاحظ أن يهود روسيا يدركون جيدًا الشروط التي عليهم أن يلتزموا بها لدى دخول إسرائيل، فهم يأخذون المسكن بالمجان، وتتاح لهم فرص التشغيل رسميًا في الأراضي العربية المحتلة، بينما يدبرون أنفسهم في المناطق الهادئة بأنفسهم -عدد قليل منهم من الذين لم يشاهدوا إطلاق النار إلا على الجنود الروس في الشيشان عبر التليفزيون الروسي، ويتصورون بأن أي سلطة غير روسية قادرة على فرض النظام- يرون الوضع على حقيقته، ويقولون: «نريد أن نضرب النار، هذه الحياة ليست من أجلنا»، ويرجعون أو يسافرون إلى أي مكان آخر، والأغلبية تبقى وتتحول إلى غلاة المتحمسين للدفاع عن المستوطنات بحكم الظروف.
وقد أثار المواطنون الروس والعرب المقيمون في موسكو مشكلة الاستيطان الإسرائيلي على ضوء قواعد القانون الدولي العام في أكثر من مناسبة، مثلًا عند السفير «فلاديمير بيتروفسكي» نائب وزير الخارجية في عام (۱۹۹۰م) مؤتمرًا صحفيًا، وتلقى سؤالًا حول الإجراءات القانونية التي تنوي السلطات اتخاذها بحق اليهود السوفييت، الذين يدخلون المستوطنات بصفتهم أشخاصًا يحافظون على الجنسية السوفييتية، ويشتركون في عمليات استعمار لأراضي الغير، وكان رده بلا شيء.
وإذ خلص حراس الثورة الذين لا تلين قناتهم إلى وجوب الاستفادة من الخبرات الماسونية، وكانوا يعاملون الماسونيين المقبوض عليهم معاملة أفضل بالمقارنة مع بقية «العناصر الغريبة».
ومن المهم أن نلاحظ أن «اللجنة الاستثنائية» أكدت في أحد تعاميمها الأولى: «من الضروري مراقبة كل منظمة على الإطلاق، ومهما تكن غاياتها السياسية أو الروحية أو الاجتماعية» وإلخ...، والاهتمام الأكبر يجب أن يبذل مع المنظمات ذات النمط الماسوني؛ لأن سوابق التاريخ تكشف أن الثورات والهزات الاجتماعية تكون معدة من قبلها بالذات.
وجاءت البراهين الكثيرة التي تثبت أن لجنة أمن الدولة لم تضن بالمبالغ والجهود لتدريب العلماء بهدف التوغل في المنظمات الماسونية ليس في مستهل العهد السوفييتي وحده، بل خلال السنوات اللاحقة، وزعم ميخائيل جلوتشيف رجل المخابرات البلغاري الهارب إلى بريطانيا بأن مراكز تدريب خاصة أنشئت لذلك الغرض في عام (١٩٣٦م)، بتوجيه من ستالين شخصيًا، ومن رأى «فاسيلي إيفانوف» مؤرخ المهجر الروسي أن حملات التطهير الستالينية في عامي (۱۹۳۷ م - ۱۹۳۸م) استهدفت تطهير صفوف الحزب من الماسونيين، وإن كانت كلمة «الماسوني» قد غابت على الإطلاق عن كل القضايا التي أثيرت آنذاك خلال محاكمة أعداء الشعب، ويعتقد «فاسيلي إيفانوف» بأن ستالين تصرف في منتهى الحذر والحيطة علمًا منه بمصدر السلطة والواقعية في الغرب، وعدم تمتعه بالقوة والإمكانات الكافية لمواجهته، إضافة إلى صعوبة الموقف السياسي للاتحاد السوفييتي، واحتياجه إلى المساعدات الاقتصادية، واضطراره إلى مغازلة الدوائر المعروفة تمامًا.
كتب الباحث البريطاني ستيفن نايت أنه بعد عام (١٩٤٥م) استغلت آلة التجسس السوفييتية الأوعية الماسونية لتتغلغل إلى قمة الأجهزة البريطانية السرية، وبرأيه أن فضائح العملاء البريطانيين الذين عثر على آثارهم بموسكو آخر المطاف- لا تمت بصلة إلى الأممية اللوطية وحدها، بل كذلك إلى الماسونية.
اللعب بورقة الماسونية:
أجاد مخرجو «لوبيانكا» استخدام ورقة الماسونية بكل ثقة، وهم على علم بمختلف دقائق المجتمع الغربي، ويقول جيركيلوف العميل السوفييتي السابق الذي قضى أكثر من (٣٠) سنة وهو يعمل صحفيًا في مكتب لجنة أمن الدولة في جنيف، ثم بقي في الغرب ولم يرد العودة إلى الاتحاد السوفييتي يقول: «لا شك أن الكي جي بي استفاد من دور الماسونيين في المؤسسة السياسية، وقد تلقى العملاء تعليمات حول طرق التوغل إلى المحافل السرية والانضمام إليها».
كما انفجرت في إيطاليا عام ١٩٨١م فضيحة كبيرة حول المحفل الماسوني، وكثر الحديث عنها في الصحف السوفييتية وكذلك في صحف البلدان الأخرى العديدة عن مؤسس هذا المحفل كيشوجيلي «الفاشي» الذي شارك في عدد كبير من حملات التأديب في الحرب العالمية الثانية، وأسفرت الفضيحة عن توجيه ضربة قاصمة إلى حزب الديمقراطيين المسيحيين والأحزاب الأخرى التي كانت تحكم البلاد، وتضررت بالفضيحة كل الأحزاب السياسية تقريبًا في إيطاليا، عدا الحزب الشيوعي، هذه هي نتيجة حملة الفضائح التي استهدفت «الفاشيستي القديم»، ولاحظ «ستيفن نايت» بهذا الصدد في كتابه «الدموية عالم الماسونيين السري»، (درست برس نيويورك (١٩٨٦) يقول إنه نقلًا عن مصدر موثوق به في قمة المخابرات البريطانية يعتبر جيلي عميلًا للجنة أمن الدولة منذ زمن طويل، وأسس محفل (1 - ٢) بتوجيه من رؤسائه، وكان محفل (1 - ٢) ينفذ خطة مرسومة من لجنة أمن الدولة تستهدف تقويض الأوضاع في إيطاليا، وإضعاف الجناح الجنوبي من الناتو.
وصدرت في عام ۱۹۹۰م بموسكو مذكرات جورج بليك رجل المخابرات البريطاني الذي عمل لحساب لجنة أمن الدولة، ويقيم الآن في موسكو، فهو مولود في مصر لأسرة يهودية ثرية «اسم بليك هو طبعًا اسمه المستعار»، واستطاع التوغل في جهاز بريطاني مشبوه، والوصول إلى منصب لا يستهان بمستواه، ووصف بليك في كتابه تفاصيل هربه من السجن الذي زجوا به فيه بعد كشف أمره والقبض عليه، حيث تمكن من الفرار في جو قد لا يقارن بغير الظروف التي هرب فيها «الكونت مونتي كرستو»، لكنه لم ينبس ببنت شفة عن انتمائه إلى الأخوية التي يدين لها بسهولة وتخلصه من جميع المشاكل التي تربصت به في شتى البلدان؛ لأن الإخوان الماسونيين موجودون في كل مكان، وكالعادة يحتلون أرقى المناصب وأكبرها مسؤولية.
ونقول بالمناسبة فإن يفغيني بريماكوف المدير السابق للمخابرات الخارجية ذكر في حديثه الصحفي الذي أدلى به إلى جريدة كوسومولسكايا برافداء (۲۰) ديسمبر عام (١٩٩٥) أن بليك ما زال يعمل في دائرته حتى في التسعينيات.
وإذا كانت لجنة أمن الدولة تحاول استخدام الماسونية لأغراض، فمن الطبيعي حدوث محاولات مقابلة، وقد أوردت المعلومات الخاصة بالماسونيين الروس التي حررها أوليغ بلاتونوف، ونشرها في جريدة «القدس» عام ١٩٩٥م أسماء كل «آباء البيرسترويكا بلا استثناء تقريبًا».
ضم يوم (۱۱ فبراير ۱۹۸۸م) في الصالة البيضاوية من البيت الأبيض الأمريكي أكبر قادة المحفل الماسوني في واشنطن، وقد تواردوا على مقر الرئيس الأمريكي ليهنؤوا «الأخ» ريجان بالنجاحات «الخارقة» في مكافحة «إمبراطورية الشر» (د. فينكن مؤامرات وجرائم)، نيويورك (۱۹۹۲م)، ولم يذكر السادة المجتمعون في البيت الأبيض بأسمائهم أبدًا، فهم يفضلون عدم الكشف عن الأسماء مثل رجال المخابرات، وعلى حد قول فرانسيس بيكون الذي يعامل الماسونيون ذكراه في إجلال في القرن السادس عشر: «بعض الأشياء سر لصعوبة معرفته، والبعض الآخر سر إذ لا يصلح ليحكي الناس عنه علنًا»، ونعتقد بأن كل حكومة حقيقية يجب أن تبقى غير مكشوف عنها وغير مرئية، وواضح أن أفراد كل الأجهزة السرية بما فيها لجنة أمن الدولة يوافقون صاحب الأتلنتيدا الجديدة على صحة كلامه، وليس أفراد الجمعيات السرية المعاصرة، فهؤلاء وأولئك أصحاب صفات مشتركة، وبالدرجة الأولى أنهم يخافون أية علانية، وهؤلاء وأولئك تنقسم البشرية في أعينهم إلى «جماعتنا» وإلى «غرباء»، وإلى «أصحاب أسرار»، و«مغفلين»، وإلى من يحصل على الأخبار الصحيحة والمعارف الحقيقية، وإلى من لا يتلقى غير الكلام الفارغ لملء رأسه وأذنيه .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل