العنوان تأملات في الفتن ونظرات في واقعنا المعاصر «3 من 3»
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 20-فبراير-2010
مشاهدات 57
نشر في العدد 1890
نشر في الصفحة 35
السبت 20-فبراير-2010
تعرض المسلمون لفتن وصعوبات كثيرة على امتداد التاريخ، وهذا أمر طبيعي يقتضي عزمًا واحتملًا ومقاومة، لأن المسلمين أصحاب رسالة وهداية، يقاومها كل باطل، وقد أشار الأنبياء والمصلحون إلى ذلك، فمثلاً نرى في وصية لقمان لولده ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان: 17). من عداء وفتن وصعاب، جرى هذا في القديم بما لا يخفى ويجري في الحديث بضراوة مع الباطل الذي يمثل حجر الزاوية فيه الصهيونية العالمية وصدق الله ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (المائدة: 82).
كما أنهم هم الذين يحرضونهم على إهلاك الشعوب وبذر الفتن ومطاردة الطاقات الفاعلة في الأمة، وما أظن حصار الفلسطينيين وتجويعهم وبناء الجدار لحبسهم وخنقهم إلا حلقة من حلقات الحرب على الطاقات الفاعلة في الأمة، وهذا يعطي درسًا بليغًا لمعرفة مصادر الشر وينابيع الرذيلة في الأمة التي وصلت إلى التحريض على الأفراد والجماعات المؤثرة في الأمة، هذا وما أشيع عن أزمة في الانتخابات الإخوانية وإن كانت لم تتضح أسبابها الحقيقية بعد، ولكنها لا تلبث أن تتكشف خيوطها قريبًا، وقد مر الإخوان بمثل هذه الفتنة قبل ذلك في عهد الأستاذ الهضيبي أيام فتن عبد الناصر التي حاكها للإخوان بإيعاز آخرين، وقد كانت خطة عبد الناصر مكونة من شقين كما يلي، الشق الأول: الضغط على المرشد للاستقالة، والشق الثاني: احتلال المركز العام لتنفيذ أجندة يريدها أعداء الإسلام.
ولنستمع إلى تلك الخطة من شاهد عيان حضرها وهو الأخ سيد عيد؛ حيث يقول: ذهبت إلى منزل المرشد الإمام الهضيبي فرأيت بعضًا ممن أرسلهم عبد الناصر إلى منزل الأستاذ المرشد يحدثونه بوقاحة عن أمر الاستقالة؛ حيث ذهبوا إليه في منزله، وهنا هم المرشد بمغادرة الحجرة إلى داخل المنزل فقالوا له: حضرتك رايح فين؟ فرد عليهم فضيلته بعد جدال طويل: أنتم الذين بايعتموني وحدكم.. أم أن الإخوان جميعًا هم الذين بايعوني؟ لا يمكن أن أُقدم على الاستقالة حتى يخلع الإخوان جميعًا مني بيعتهم.
ورفض الأستاذ المرشد التوقيع وأعطاهم درسًا قاسيًا.. كما ذكر المرحوم عباس السيسي في كتابه «في قافلة الإخوان المسلمين» ص35.
احتلال المركز العام
وما زال الأخ سيد يتابع حديثه قائلًا: لقد كان الشق الثاني مما دبر هو الاعتصام بالمركز العام حتى تصل استقالة المرشد حسن الهضيبي، وغادرت المكان وذهبت للأستاذ محمود عبده، وعند خروجي التقيت بالأخ عبد العزيز أحمد حسن سكرتير الإمام الشهيد حسن البنا، فأخبرته بما جرى فدخل بيت الأخ محمد فاضل صهر الأستاذ سعيد رمضان، وبدأ الاتصال بأعضاء مكتب الإرشاد والهيئة التأسيسية لإبلاغهم بما حدث، فتركته وعدت لبيت المرشد لأجد الإخوة إسماعيل عارف، وفوزي فارس، وحسن عبد الغني، وسيد الريس من إخوان النظام، وغيرهم يحاولون إقناعه بأن الذين حضروا إلى منزله لم يكونوا متفقين على ما تم، وأن قلة فيهم فقط هم الذين دبروا ذلك، وأن الآخرين خدعوا.. ونحن على مثل ذلك.. فقال لهم: لماذا إذن لم تتكلموا؟ فقالوا: كرهنا أن تحدث مجزرة في منزلك، فطالما لم يتعد الأمر مسألة الكلام فنحن نسكت.. لكن لو تطور الأمر فنحن جاهزون للتصرف.
يا فرحة الصهيونية!
ويمضى الأخ سيد عيد فيقول: وحدث في أثناء انتظارنا قرب منزل المرشد، أن التقينا بالأستاذ سيد قطب الذي كان غاضبًا يردد: يا فرحة الصهيونية والصليبية العالمية..!!
وعندما أتيحت لي الفرصة بعد ذلك- وأنا في السجن- التقيت الأستاذ سيد قطب وسألته وقتها بدهشة: ما دخل الصهيونية والصليبية العالمية في خلاف داخلي بين الإخوان!!
فقال لي: لقد اتصل بي الأستاذ علي أمين الساعة الثانية ظهر يوم الحادث وسألني قائلًا: «أين حاسة الصحفي عندك! الإخوان قايمين على بعض بالسلاح وأنت قاعد في البيت؟!»، فقمت عندها وأخذت سيارة «تاكسي» وذهبت إلى بيت المرشد فلم أجد شيئًا غير عادي.. وذهبت إلى المركز العام فلم أجد شيئًا لافتًا للنظر كذلك.. ثم حدثت بعدها كل الأمور التي حدثت!!
وهذا ما جعل الشهيد سيد قطب يقطع بأن الأمر مدبر من أكثر من جهة وعلم به علي أمين قبل أن يظهر على السطح وقبل أن يكون.
وفي نحو الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، سمعت هتافات خارج المركز العام، فخرجت مع سامي البنا لنرى سيارات تاكسي تحمل عددًا من الإخوة من قسم الوحدات، لم ينتظروا حتى نفتح لهم باب المركز العام فتسلقوا السور ودخلوا المبنى، ومعهم صلاح شادي ونجيب جويفل، وحاول بعضهم الاعتداء علي باعتباري من حراس الفتنة!! ولكن منعهم نجيب جويفل الذي كان يعرف موقفي منهم قبل ذلك.
وفي عصر اليوم التالي، اكتظت الدار بالحشود، وامتلأت الشوارع الموصلة إليها بجموع غفيرة من الإخوان.. وشاهدت منظرًا لا أنساه..
لقد كان الإخوان يفدون من شتى المناطق والشعب، وما أن تطأ أقدامهم أرض المركز العام حتى تخر الجباه لتصلي لله تعالى صلاة شكر!
وبلغ المشهد مداه من التأثر حين صعد الشهيد عبد القادر عودة يرحمه الله يعلو المنصة ويعلن للجميع وفاءه لقائده ومرشده، وأن المؤامرات مهما بلغت فلن ترتفع إلى مواطن أقدام المؤمنين!!
وانتهى المشهد بقبول اعتذار الإخوة علي صديق وفتحي البوز وغيرهما ممن أدرك خطأه بخوض غمار الفتنة.
ولما علم عبد الناصر بصلابة الإخوان وحبهم لدعوتهم ومرشدهم؛ ازدادت حسرته وأصيب بالهلع ودبر حادث المنشية زورًا وبهتانًا للإخوان حتى يتخلص منهم، وصرح بهذا للأستاذ عبد القادر عودة، فقال: كم عدد الإخوان 4 ،5 ،7 ملايين لا يضيرني إذا تخلصت منهم، فقالوا له: اتق الله، أتتخلص من 7 ملايين لتعزز دكتاتوريتك، وتقضي على الشورى والديمقراطية؟!
فقال: نعم، وسأعمل على أن يقوم الناس ويقعدوا إذا ضغط على زر تحت يدي، وقد كان، ولكنه قد مرت الأشخاص ودارت الأيام وعاشت الشعوب وافتضح العملاء والجبناء وهلكوا وذهبوا لعنة في التاريخ هم ومن شايعوهم وآزروهم وناصروهم، ونحن اليوم هل نعلم أن الله غالب على أمره، وأن دعوة الله محروسة، يختار الله لها الأصفياء الأتقياء الأنقياء الأخفياء، ونصيحتي لإخواني في الدرب أن يفتش كل منهم عن قلبه وينقيه، وعن نفسه فيزكيها ويحييها، لأن الله ينظر إلى القلوب لا إلى المناصب والأجساد، ﴿فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (الفتح: 18) والله أسأل أن ينصر دعوتنا ويبارك أخوتنا، إنه نعم المولى ونعم النصير.. أمين.