العنوان تأملات في التعددية السياسية من منظور إسلامي
الكاتب عصام أحمد البشير
تاريخ النشر الثلاثاء 03-مارس-1998
مشاهدات 62
نشر في العدد 1290
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 03-مارس-1998
حقائق الكون والتاريخ تشير إلى التعددية بلسان فصيح وإنكارها هو إنكار لواقع تلمسه اليد
رفض التعددية لا يعني إلا استبدادًا بالرأي تجاوزه التطور الإنساني وضرورات الواقع الحــيــاتـي
يسرني أن ألتقيك -أخي القارئ الكريم- على صفحات المجتمع الغراء لنتناول بعض القضايا التي يحتدم حولها الجدال، ويثور فيها الخصام ومن هذه الموضوعات الحية الحارقة موضوع التعددية الذي تناوله بعض الكتاب المعاصرين في عالمنا العربي، وهو -بعد- من الموضوعات التي تناولها الإسلاميون في بلدان مختلفة، ولقد توصلت الحركات الإسلامية بعد أخذ ورد وشد وجذب ومنع وعطاء إلى أن التعددية السياسية أمر حيوي ذو تأثير بالغ.
ويمكننا أن نشير في هذه العجالة إلى بعضها، ففي الأردن أجازتها جبهة العمل الإسلامي، وفي اليمن.. التجمع اليمني للإصلاح، وفي الكويت.. الإخوان، وفي تونس.. النهضة، وفي الجزائر.. حركة مجتمع السلم، وفي مصر.. الإخوان المسلمون، وفي تركيا.. حزب الرفاه، وفي ماليزيا.. حزب بأس.
وعدم الاعتراف بالتعددية، وحق الناس في الاختلاف، وفي تنظيم أنفسهم في شكل من أشكال الجماعات والهيئات والأحزاب والحركات لا يعني إلا استبدادًا بالرأي قد تجاوزه التطور الإنساني، وضرورات الواقع الحياتي، والتجارب المرة التي مر بها الإنسان في أثناء بحثه عن ذاته وحقوقه وعزته وكرامته.
صفحة الكون المشهود
وإذا أجلت نظرك -أخي القارئ- في صفحة هذا الكون المشهود، فإن أول ما يلفت نظرك هذا التنوع البديع والاختلاف البائن بين سائر المخلوقات وهو في حد ذاته آية من آيات القدرة الباهرة، والسطوة القاهرة لله رب العالمين وكم لفت القرآن الكريم إلى تلك السمات الكونية الظاهرة والخصائص الخلقية الرائعة في النبات والناس والحيوان ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُود * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (فاطر:27-28) ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ (الروم:22)، والذي يسعى لتوحيد المختلف خلقًا وطبيعة وفطرة وغريزة يتكلف أمرًا مستحيلًا كالذي يحرث في بحر أو يحاول أن يستخلص جذوة نار من ماء، وكل جهد مبذول في ذلك الاتجاه فإنما هو جهد ضائع طال الزمن أم قصر، وفي تاريخنا المعاصر بعض الشواهد، ويكفي أن نشير إلى التجربة الشيوعية التي حاولت أن تصوغ الناس في قالب واحد ضيق حرج على مدى عقود من الزمان لجأت فيها إلى سياسة الحديد والنار والسجن والتعذيب والنفي والتنكيل فآل ذلك كله إلى هلاك وتتبيب يعلن عنه في كل وقت وحين ﴿إِنَّ هَٰؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف: 139) وهذا جزاء كل خارج عن الفطرة، متمرد على الطبيعة، مصادم لقوانين الكون ونواميسه.
إن الله عز وجل قد خلق الناس مختلفين فكيف يريد لهم بعض المخلوقين أن يكونوا نسخًا كربونية مكررة؟ لقد برهنت التجارب البشرية في التاريخ الإنساني القريب والبعيد، والحديث والقديم، أن محاولة صب الناس في قوالب حديدية وأحذية صينية محاولات يائسة بائسة مصيرها الفشل الماحق ومآلها الهلاك المضمون.
والمجتمع الإنساني قائم بطبيعته على التعدد والتنوع فالناس يتباينون دينًا وعرقًا ولغة، وهذه ظاهرة بشرية أقرها الإسلام في أصوله باعتبار أن التنوع في المفهوم الإسلامي لا يعني التجزئة والتضاد وإنما يعني التآلف والتعارف والتناغم الحضاري المرموق ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13)، وهكذا يجعل الإسلام من انشقاق الناس إلى شعوب، واختلافهم إلى قبائل وسيلة من وسائل التعارف الإنساني، والتواصل الحضاري بين المجموعات البشرية المنبثة في تضاعيف الكون وثناياه.
ولو أخذ الناس بهذا الفهم المتقدم والطرح المتميز لعاشوا في سلام ولما دخلوا في حروب عالمية هوجاء تهلك الحرث والنسل، وتقضي على الأخضر واليابس، وتعيث في الأرض فسادًا.
إن حقائق الكون، وحقائق الحياة، وحقائق التاريخ كلها تشير إلى التعددية بلسان فصيح وإنكار التعددية إنكار لواقع تلمسه اليد، ولا تخطئه العين وهو من البدهيات المسلمات التي يصح فيها قول أبي الطيب المتنبي:
وليس يصح في الإفهام شيء *** إذا احتاج النهار إلى دليل
وخير للناس أن يعترفوا بالواقع، وأن يقروا بالحقائق وألا يدفنوا رؤوسهم في الرمال، وذلك أن إنكار الواقع لا يغير من الواقع شيئًا بل يفضي بصاحبه للعيش في وهم بهيم.
وأول شيء يبدأ به أولو الأبصار وذوو النهى من أصحاب العقول النيرة، والبصائر المستنيرة الاعتراف بالآخرين، وبما لهم من حق في المشاركة في السلطة، وإبداء الرأي واتخاذ القرار، إنك تحتاج إلى صيغة من صيغ التفاهم، وإطار من أطر التناغم ما دمت تعيش في مجتمع يزاحمك فيه آخرون، أما لو كنت وحدك -وهذا لا يكون في واقع حياة الناس- لحق لك أن تذهب في الأرض طولًا وعرضًا، وأن تمشي فيها متبخترًا مختالًا، وأن تنشد مع المنشدين:
خَلَتْ البلاد فسدت غیر مسود *** ومن البلاء تفردي بالسؤدد!
إنك تسبح في بحر فيه عجائب المخلوقات ما فيه من سمك وقرش وتماسيح، فكيف تريد أن تستأثر بالبحر كله فلا يسبح فيه أحد سواك؟
التعددية اعتراف بالآخر، وتعامل معه، ومحاولة لوضع إطار للتعايش والتحاور والتشاور والمجادلة بالحسنى، أما محاولة إلغاء الآخر، ومحوه من الوجود وفرض خيارات عليه، ومعاملته معاملة القاصر، وأن تنصب من نفسك قيمًا له.. ووصيًا عليه تحدد له المسار، وترسم له المنهج، وتنصب له الغاية، فهي محاولة مكلفة أولًا، وميؤوس منها ثانيًا، وفي تجارب الناس في الداخل والخارج ما يغني عن كل شاهد ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق:37). وخير للناس أن يأخذوا الدروس والعبر والعظات من غيرهم فالسعيد من اتعظ بغيره والشقي من وعظته نفسه.
ثم إن العلم المطلق الذي يحيط بكل صغيرة وكبيرة ولا يغادر شاردة ولا واردة إلا أحصاها قد استأثر الله سبحانه وتعالى به، وهو أمر مستحيل في حق الإنسان مهما كانت عبقريته، وعلمه، ومعرفته وتجربته فعلمه علم محدود، وتجربته تجربة قاصرة ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء:85) ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (يوسف:76).
ومن الظلم البين أن يظن إنسان ما فردًا كان أو جماعة، مؤسسة كان أو حزبًا أنه قد امتلك ناصية الحقيقة، وأنه قد حاز العلم من أطرافه واستولى على المدى فهمًا وفقهًا، وما على الناس إلا أن ينتظروا ما يتفضل به سیادته من اجتهاد غير مسبوق تحل به القضايا، وتدرس به المسائل ويخرج به الناس من المأزق والورطات إن مثل هذا الفرد السوبر أو الجماعة العبقرية لا مكان لها في واقع حياة الناس، ولا يمكن لصاحب علم محدود ينظر للحقيقة -وهي ذات أبعاد مختلفة، وزوايا متباينة- من بعد واحد وزاوية مفردة يريد أن يخرج على الناس فلا سبيل إلى الوصول إلى بعضها إلا بالتحاور والتفاهم والاحترام المتبادل ولقد مضى استشهادنا بالقول الكريم الذي يشير إليه اختلاف الألسنة بالقول الكريم الذي يشير إليه اختلاف الألسنة والألوان، وهذا يقتضي ضرورة الاعتراف بالتنوع في الأمور الاختيارية كالمذهب والدين والنظام السياسي والاقتصادي فلا استبداد ثم ولا إكراه ولا قسر بل حرية كريمة واختيار رشيد.
ثم إن كرامة الإنسان نفسها، وهي التي قررها الله في وضوح وجلاء كقوله سبحانه من سورة الإسراء ﴿لَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء:70). هذا التكريم لبني آدم بهذا الإطلاق وبهذه السعة لا يتم إلا تحت ظل من التعدد وريف يستلزم الاعتراف بتعدد إدراك البشر للحقيقة، وبتعدد الرؤى، وبتنوع المصادر المعرفية كما تختلف الثقافات باختلاف المشارب والمجتمعات باختلاف أعرافها وتقاليدها وشرائعها ومناهجها ونظرتها للكون والحياة والأحياء.
ما البدائل المتاحة
ثم ماذا لو أن الناس تنكروا للتعددية، وتنمروا لها وقلبوا لها ظهر المجن؟ ما البدائل المتاحة تلفت ذات اليمين وذات الشمال، وانظر من أمامك ومن خلفك فلن تجد إلا بديلًا واحدًا وهو بديل منكر مجرب، إن البديل للتعددية لا يتمثل إلا في الوحدانية وحدانية الحزب المتأله ووحدانية الرأي المتعنت، ولقد جربنا هذا، وجرب غيرنا، فهل جنينا إلا الشوك والحسك؟ وهل ظفرنا إلا بالأكل الخمط والثمر المر؟ وهل ثمة مقارنة بين تعددية تحفظ للإنسان حريته وكرامته، وتصون ماله وعرضه وبين فردية تستضعف الناس، وتعصف بمكتسباتهم، وتسومهم سوء العذاب؟
رأي الجماعة لا تشقى البلاد به رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها
بالإضافة إلى ما ذكرنا من أن التعددية مسألة فطرية، وضرورة واقعية فإننا نراها ضرورة شرعية لا مناص منها ولا محيص، ونسال أولًا ما السياسة الشرعية وما حدودها وما أبعادها وبم عرفها علماء الأمة نقل ابن قيم الجوزية عن ابن عقيل قال: «السياسة ما كان فعلًا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد من الفساد، وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي، فإذا أردت بقولك « إلا ما وافق الشرع» أي لم يخالف ما نطق به الشرع: فصحيح، وإن أردت لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط، وتغليط للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والتمثيل ما لا يجحده عالم بالسنن ولو لم يكن إلا تحريق عثمان المصاحف، فإنه كان رأيًا اعتمدوا فيه على مصلحة الأمة، وتحريق علي رضي الله عنه الزنادقة في الأخاديد فقال:
لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا *** اججت ناري ودعوت قنبرًا
ونفي عمر بن الخطاب رضي الله عنه لنصر بن حجاج- وهكذا نرى أن السياسة الشرعية باب واسع سعة جلب المصالح ودرء المفاسد عن الناس، فإذا رأينا أن التعددية السياسية من شأنها أن تسد باب شر مستطير من الاستبداد بالناس فإن الشرع يفتح لنا بابها على مصراعيه مناديًا فينا أن دونكم باب التعددية السياسية فلجوه تفلحوا، وهناك قاعدة فقهية دلالتها الأصل في المعاملات الإباحة حتى يأتي ما يدل على التحريم، واتخاذ الأساليب التي من شأنها أن تضع المبادئ الإسلامية موضع التنفيذ من باب العاديات والعقود والأصل فيها الحل فإذا استخلصنا صياغة تعددية تحقق المصلحة العامة وتفي بالحاجة، وتصون الأمة من جور الحكام، وتقيها بطش المستبدين، وتحفظ لها حقها في الرقابة على السلطة التنفيذية وتمكنها من القيام بواجبها في الحسبة إحقاقًا للحق، وإبطالًا للباطل، وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، وجهادًا في سبيل الله، ولم تصطدم تلك الصياغة التعددية المستخلصة بمحكم في الشريعة سواء أكان نصًا جزئيًا أو قاعدة كلية فإن الأصل في هذا كله الحل، وعلى مدعي المنع إقامة الدليل ولا دليل.
ودونك - أيها القارئ الكريم - قاعدة فقهية أخرى تقول: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» وهي القاعدة التي أعملها الفقهاء في كثير من جوانب الحياة العلمية والعملية فهم يقولون مثلًا إن تعلم اللغة العربية واجب وذلك لأنها وسيلتنا لمعرفة مراد الله ورسوله المتمثل في القرآن الكريم والسنة الشريفة ومحاولة تعرف مراد الله ورسوله واجب وهو واجب لا يتم إلا بتعرف اللغة التي نزل بها القرآن الكريم وتكلم بها الرسول الأمين فتعرفها واجب إذن ولو استصحبنا هذه القاعدة الفقهية الجليلة لإعمالها في مجال الحكم والسياسة لوجدنا أن الشريعة الإسلامية تأمرنا بجملة من المبادئ الكلية العامة ولا تلزمنا باتخاذ تكنيك معين أو أسلوب محدد لإنفاذ تلك المبادئ الكلية بل تترك ذلك لأحوال الناس ظرفًا ومكانًا وهذا من حكمة هذه الشريعة السمحة الغراء الصالحة لكل زمان ومكان، وذلك لأن الأساليب التي يتوصل بها إلى الغايات العامة تتغير وتتطور ولا تظل أطرًا ثابتة جامدة لا تتحرك، فالإدارة مثلًا علم متطور وفن يضيف فيه اللاحق للسابق، والشورى يمكن أن تتحقق في المجتمع القبلي البدائي بطريقة مختلفة عن المجتمع المدني الصناعي المتطور، ولأمر ما شاءت حكمة الله عز وجل أن تأمرنا بالشورى التي هي أصل في المجتمع المسلم وليست هي بالأمر الهامشي الطارئ ومن أجل هذا قرنت بالاستجابة لله والصلاة والإنفاق ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (الشورى:38) فكما أن الصلاة خصيصة من خصائص المجتمع المسلم فكذلك الشوري خصيصة من خصائصه، وسمة من سماته، وعنوان من عناوينه ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران:159)، ومما يدلل على عظمة الشورى ونباهة شأنها وجلالة قدرها، أنها مأمور بها في أدق شؤون الأسرة وأدناها ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (البقرة: ۲۳۳) كما أنها مأمور بها في أعلى درجات الحكم وأرقاها:
وبما أن الشورى بتلك المنزلة العالية فقد دعا إليها القرآن الكريم وحرض عليها الرسول الأمين، والتزمها أصحابه الغر الميامين وظل أسلوب تحقيقها وإنفاذها والقيام بها أسلوبًا متطورًا مفتوحًا قابلًا لكل تجربة إنسانية نافعة والحكمة ضالة المؤمن ينشدها أني وجدها فهو أحق بها، ولا يهمه من أي وعاء خرجت، والناظر في الطريقة التي تم بها اختيار الخلفاء الراشدين يجد أنها تختلف من خليفة إلى خليفة مع الحرص التام على مشاورة الناس، وأخذ آرائهم، وسماع مقترحاتهم، ولو عاشوا في زماننا هذا لما شككت في أنهم كانوا سيأخذون بأسلوب الاقتراع والتصويت والذهاب إلى صناديقها لحسم النزاع على السلطة وتداولها تداولًا سليمًا بطريقة رائعة تبهر المراقبين وتسر الناظرين.
وقائع التاريخ البشري
لقد أثبتت وقائع التاريخ البشري استطالة الحكام على من يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر من أفراد الأمة بل إن القرآن يخبرنا في سورة آل عمران كيف أنهم يمدون أيديهم إلى من يأمرون بالقسط من الناس ويبسطونها فيهم قتلًا وتنكيلًا، وقد انتهت التجارب السياسية المعاصرة إلى أن الأحزاب والتكتلات الشعبية الكبيرة أجدى بكثير من الجهود الفردية المتناثرة في مناهضة الظلم ومدافعة الظالمين، وكثيرًا ما تذهب تلك المبادرات الفردية أدراج الرياح فالتنظيمات الحركية والأحزاب السياسية والتكتلات الشعبية أكثر فعالية وأعمق أثرًا وأجدى نفعًا في باب التغيير وإصلاح الأحوال من مبادرات فردية معزولة مضمحلة، ولعلنا نلاحظ أن الخطاب في أحاديث الحسبة خطاب جماعي لا أحادي، وذلك لأن الجماعات تستطيع أن تفعل ما لا يستطيع أن يفعله الإفراد ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:104). إن قيمة الشورى والعدل والحرية والمساواة أمام القانون وحق الأمة في اختيار الحاكم وعزله ومراقبة أدائه وتقويمه إذا أعوج كل هذا وغير هذا من القيم الربانية الرفيعة التي تليق بالإنسان وكرامة الإنسان لا يمكن أن تحقق واقعًا إلا بإنشاء تكتلات شعبية ضخمة تحمي الفرد من عسف السلطان وجوره، أما إذا ظل الأفراد أفرادًا عزلًا معزولين عن جماعاتهم وأحزابهم وهيئاتهم وتكتلاتهم فإنهم مأكولون لا محالة من قبل سلطات جائرة مستبدة لا ترقب في مؤمن إلا ولا ذمة وإن تعجب فعجب لأقوام يحاولون جاهدين إبطال التكتلات الحزبية والسياسية بحجج باهتات واهنات لا تقوم على ساق ولا قدم كزعمهم أن كلمة حزب لا ترد إلا في سياق الذم كقوله تعالى ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (الروم: ۳۲) ولقد نسي هؤلاء أو تناسوا أن مجرد اتخاذ الأحزاب ليس بعيب في ذاته بل قد يكون تكوين الأحزاب ضرورة من الضرورات كما مر بنا أنفًا فإن تكون حزب لخدمة قضية من القضايا العامة أو قيمة من القيم العليا أو هدفًا من الأهداف السامية فأنت في هذا مأجور غير مأزور، أو إذا كونت رابطة لنصرة ضعيف، أو إعانة مظلوم أو إغاثة ملهوف جاك من يقول لك إن تكوين الروابط والجماعات والجمعيات والهيئات والأحزاب أمر مرغوب عنه في شرع الله عز وجل، إنه في إطار المرجعية والشرعية التي لا خروج عنها ولا تمرد عليها يجوز للناس أن يكونوا ما شاءوا من أحزاب سياسية ما داموا ملتزمين بالإطار الشرعي العام الذي يتحركون فيه، لقد رسم الإسلام الإطار، وحد الحدود، وبين المعالم وأبرز الغايات ثم ترك للناس حرية التحرك الكريم الذي يحفظ حقهم ويصون كرامتهم، ويدفع عنهم غائلة المستبدين وسطوة المستطيلين، وصولة الصائلين، ولاشك أن التنظيم قوة، وأن التكتل منعة، وهي قوة ومنعة قد تستغل في الحق وقد تستغل في الباطل، ولذلك فالتحزب من حيث هو أمر مشروع غير ممنوع ولكنه قد يكون تحزبًا في الله ﴿ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (المجادلة:22) وقد يكون تحزبًا في الشيطان ﴿ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (المجادلة:19)
وما دمت ملتزمًا بالخط الإسلامي العام، والإطار الشرعي الكلي فلا عليك أن تخالف فلانًا أو علانًا، وما دمت بعيدًا عن الولاء لأعداء الله فلا عليك إن تخالف زيدًا أو عبيدًا ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: ١٤٨) وقديمًا اختلفوا في الإطار الإسلامي العام وظهر أصحاب المقالات وكانت لهم فرق وأنصار ولم يخرجوا بذلك من دائرة الإسلام، وحتى عندما ألف أبو الحسن الأشعري كتابه فيهم سماه «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» وكان الخلاف بينهم خلافًا في الفهم والفقه ومسائل في السياسة والحكم ثم كانت هناك خلافات لا تقع تحت حصر من أصول الفقه وفروعه ونشأت عشرات المدارس الفقهية والمذاهب الكلامية ولم يزعم أحد أن الخلاف حرام، وأن التعدد مذموم وأن المسلمين ينبغي أن يصبوا في قالب للطوب لا يستطيعون معه قبضًا ولا بسطًا، إنني أقولها بالصوت الجهير العالي إن على المسلمين أن يتفقوا في الإطار المرجعي العام والثوابت الأصولية التي لا يسع فيها خلاف ثم ليختلفوا بعد ذلك ما شاء الله لهم أن يختلفوا ما دام يوأتي بعضهم بعضًا ولا يبرأ أحدهم من أحد مراعين في ذلك أدب الخلاف بينهم، ولا بأس من تعدد في الرؤى واجتهاد في النظر يؤدي إلى تكوين تيارات فكرية وأحزاب سياسية بل اليأس كل اليأس في نظر أحادي يضيق ذرعًا بمخالفيه ويسعى لمحو الآخرين غير مقر لهم بحق ولا معترف لهم بمشاركة وهذا من شأنه أن يقسم المجتمع المسلم -وهو مجتمع الأحرار الذين لا يتخذ بعضهم بعضًاأربابًا من دون الله- إلى سادة لهم حق الأمر والنهي، وعبيد ليس لهم إلا أن يسمعوا ويطيعوا في إذعان لا يعرف رسمًا لحوار ولا وسمًا لجدال، وقديمًا قال دجال من الدجاجلة ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر:29) ولكن عزاؤنا أن لكل فرعون موساه!
خاتمة
إن التعددية تعني تسليمًا بمبدأ الاختلاف وإقرارًا بالتباين واعترافًا بالتنوع وتعاملًا مع الآخر في إطار التعايش والتواصل والتحاور والمجادلة بالحسنى من غير إقصاء له أو فرض خيارات عليه أو معاملته كقاصر يحتاج إلى وصي يحدد له وجهته وخياره والإيمان بأن اختلاف الألسنة والألوان من آيات الله الباهرة يستلزم الاعتراف بالتعددية في كل أمر اختياري كالمذهب والدين والنظام السياسي والاقتصادي.
فهي ضرورة يحتمها واقع المجتمع الإنساني وتؤكدها قواعد الشريعة الكلية ومقاصدها العامة وأحكامها الجزئية كما تهدينا إليها عبر التاريخ الماثلة في تعدد الفرق السياسية والمذاهب الفقهية حيث إجماعهم حجة قاطعة واختلافهم في الفروع رحمة واسعة فهي الداعمة لصياغة الحقوق والحريات العامة والناهضة بمهمة الرقابة أمرًا بمعروف ونهيًا عن منكر ونصيحة في دين ودنيا والحائلة دون وقوع الاستبداد تقتضيها قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وليس ذلك من قبيل التفرق المذموم الذي نعته النصوص - فذلك ما كان واقعًا على أصل الدين.. أما اختلاف الفروع فهو أمر تسوغه النصوص وتحكمه قاعدة: «رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب» وصاحبه بين أجرين في الصواب وأجر الاجتهاد في الخطأ.
ومجمل القول إن التعددية السياسية فرع عن إقرار مبدأ الاختلاف وهي تعددية تنوع لا تضاد متى سلمت فيها المقاصد، وصحت فيها الممارسة. وقوم فيها الاعوجاج، واستقامت بها المسالك وأفضت بمآلاتها إلى تحقيق المصالح المعتبرة كانت ثمرة شهية تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها فإن تعرت عن موجبات رشدها كانت خبالًا ووبالًا غير أن خطأ الممارسة لا يلغي صواب الفكرة وصحة المبدأ والواجب استبقاء الفكرة الصالحة التي غدت ضرورة معاصرة والعمل على تصويب ممارستها وتهيئة مناخ معافى يحقق مقتضياتها لصالح البلاد والعباد.