; الإسلام في مجال السياسة والقوة | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام في مجال السياسة والقوة

الكاتب علي رمضان أبو زعكوك

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يونيو-1997

مشاهدات 80

نشر في العدد 1252

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 03-يونيو-1997

أصدرت المجلة الفصلية «هارفرد إنترناشيونال ريفيو» التي يصدرها مجلس هارفرد للعلاقات الدولية في عددها الجديد «ربيع ۱۹۹۷م» ملفًا خاصًا عالجت فيه قضية النشاط الإسلامي في المجالات السياسية، وكان عنوان ملفها «باسم الله: الإسلام في مجال السياسة والقوة». شارك في كتابة أبحاث ومقالات العدد نخبة متميزة من الأكاديميين وأصحاب الخبرة في مجال دراسة الإسلام والعالم الإسلامي بوجه عام، والظاهرة السياسية لدى الإسلاميين بوجه خاص.

 وقد بينت المجلة في افتتاحيتها سبب اختيارها لنشر هذا الملف فقالت إن السمة المميزة للانبعاث الإسلامي اليوم هو التنوع والاختلاف الموجود بين المفكرين الإسلاميين وبين الملتزمين بالإسلام، وفيما بين صناع القرار السياسي في الغرب وبين الأكاديميين.. ويحتد الجدال حول ظاهرة الإسلام السياسي، وحول المنحى الذي يمكن أن تنحاه الحكومات الإسلامية، وكذلك حول مواءمتها مع الطرح الديمقراطي أو حول علاقتها مع الغرب.

وذكرت المجلة أن هناك لغطًا حول المصطلحات المستخدمة لوصف الحركات الإسلامية السياسية ويدور الوصف تارة حول ما يسمونه «الإسلام السياسي» أو «الأصولية الإسلامية»، إلى ما يسمونه بالإسلامية، ويوحي هذا اللغط القائم بصعوبة تعريف الظاهرة السياسية الإسلامية التي وصفتها المجلة بأنها أحد أهم التطورات في هذا القرن.

وبينت المجلة في افتتاحيتها أن تطورت مهمة مرت بالعالم الإسلامي خلال العام ١٩٩٦م منها خروج جماعات إسلامية في المشرق العربي بخطاب يمثل ضاهرة جديدة في المنطقة.. مرورًا بتركيا التي استطاع فيها حزب الرفاه الإسلامي الوصول إلى سدة الحكم عن طريق الانتخابات الديمقراطية، مع تعمده بالمحافظة على الطبيعة العلمانية للدولة، وتعريجًا على أفغانستان الذي تمكنت فيها جماعة الطالبان من التغلب على منافسيها في كابول والاستيلاء على السلطة بها، وإقامة «نظام سلطوي إسلامي» ، ويدخل الإسلام اليوم دائرة الحوارات في المجال السياسي متى ما سنحت له الفرصة بذلك فالنقاش الدائر حول وجهة العالم الإسلامي من الملايو لإيران للجزائر يبين أن التشابه بين حركات الإحياء الإسلامي لا يتعدى استخدام الرموز والشعارات المتشابهات في الخطاب النهضوي، وفي أحيان أخرى يظهر التقاءها في المفهوم العام الذي تعتنقه بأن الدين الإسلامي يجب أن تكون له المرجعية في الدولة وهذا المفهوم يجمع بين خطاب الإسلاميين الإحيائيين في رفضهم للحالة الراهنة. 

وتبين المجلة أن إصدارها لهذا العدد الخاص يقصد منه تسليط الأضواء على بعض الأسئلة الملحة وعلى وجهات النظر فيما يخص الإسلام السياسي، وقد شارك في إعداد الملف عدد من الباحثين والأكاديميين رأينا أن نختار منهم البحثين اللذين كتبا من وجهة نظر غربية وأنصفا الظاهرة الإسلامية، وهما للدكتور جون أسبوزيتو، والدكتور إبراهيم أبو ربيع.

 أما بقية الأبحاث فقد كتب أحدها المستشار المأمون الهضيبي نائب المرشد العام للإخوان المسلمين، كما كتب كل من عبد الله النعيم أستاذ القانون بجامعة إميروي بولاية جورجيا والدكتور الشهابي الأستاذ المشارك  للتاريخ في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجيليس وإدوارد جيرجيان مدير مركز جيمس بيكر لدراسات السياسة العامة والمساعد السابق لوزير خارجية الولايات المتحدة لشؤون الشرق الأدنى والدكتور ريتشارد بوليت مدير معهد الشرق الأوسط بجامعة كولومبيا بولاية نيويورك ومارتن كريمر مدير مركز موشي دايان لدراسات الشرق الأوسط وإفريقيا بجامعة تل أبيب ونحيل القراء إلى الملف لمن أراد الاستزادة.

والمهم في هذال الملف هو انتشار الاهتمام بظاهرة حركة الإحياء الإسلامي والاهتمام بتتبعها ودراستها من العديد من الأكاديمين والسياسيين والمتتبع للكتابات والأبحاث يجد أن هناك عددًا من أصحاب الاهتمام الذين تميزوا بدراسة الظاهرة بمنهج موضوعي، كما يجد أن هناك من تحمله مواقفه السياسية والفكرية للحمل على هذه الظاهرة واتهامها بما ليس فيها.

والمؤمل هو أن تجد ظاهرة الانبعاث الإسلامي دراسات موضوعية جادة في داخل العالم الإسلامي لأنها أي «الحركة/ الظاهرة» تمثل تيارًا مهمًا في مجرى الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية لا ينبغي أن تقتصر دراسته على المؤسسات الغربية.

والمؤمل أكثر أن تجد المجتمعات الإسلامية منهجًا معتدلاً للتعامل مع التيارات الفكرية والسياسية العاملة وصولاً إلى تحقيق التفاهم بين فصائل الأمة وتياراتها الفكرية من أجل انعتاقها من الإسار الفكري والسياسي، ومن أجل انطلاقها لتحمل مشعل الهداية لكثير من الحائرين بحثًا عن سبل الخلاص.

الوسطية الإسلامية

الإسلام السياسي في مرحلة التحول

بدأت المجلة سلسلة المقالات بمقالة لجون أسبوزيتو «مدير مركز التفاهم بين الإسلام والمسيحية بجامعة جورج تاون بواشنطن» والذي يعتبر من الكتاب والأكاديميين الغربيين المهتمين بدراسة الظاهرة الإسلامية، وبين في مقالته ضرورة إعادة النظر في المصطلحات التي تصف ظاهرة الإسلام السياسي وخصوصًا في التسعينيات من هذا القرن والعقد الأخير من هذا القرن العشرين يبين أن ظاهرة النشاط السياسي الإسلامي أصبحت تمثل قوة مهمة وأساسية في منهج سياسات السلطات الحاكمة والفئات المعارضة، كما أن ظاهرة النشاط السياسي الإسلامي انتشرت حتى أصبح الإسلاميون يمثلون رؤساء وزارات ووزراء ورؤساء مجالس نواب وعمد ومحافظين لكثير من المدن والولايات في أرجاء العالم الإسلامي.

كما أن ظاهرة «الإسلام السياسي»، أصبحت تمثل القوة الأساس في التصدي للهيمنة العلمانية في المجتمعات الإسلامية التي تتبنى سياسة التحديث على النمط الغربي.

ويتساءل الدكتور أسبوزيتو في مقاله الذي عنوانه: «الإسلام في الوسط الإسلام السياسي في مرحلة التحول»، بأن الإسلام السياسي وهو يستعد لاستقبال القرن الحادي والعشرين لا يزال ينظر إليه على أنه سبب رئيسي للفوضى في السياسة العالمية «!»، ولا يزال ينظر إليه على أنه المتحدي للنظام القائم في العالم الإسلامي والغرب وهناك أسئلة ملحة- يقول أسبوزيتو- منها هل الإسلام بالضرورة متناقض مع الحداثة؟ ومع الديمقراطية وما هي مواقف الحكومة الإسلامية من التعددية السياسية، ومن حقوق الأقليات وحقوق المرأة وهل يوجد هناك أطراف معتدلة في حركة الإحياء الإسلامية؟

وبين أسبوزيتو أن من أسباب نمو ظاهرة الإسلام السياسي، فشل الحكومات المهيمنة على السلطة في العالم الإسلامي سياسيًا في صراعاتها الخارجية وداخليًا بعدم تمكنها من حل المشاكل الحياتية للمواطنين.

وبين أن فشل النموذج الغربي في التحديث يعتبر من المواضع المنتشرة على طول مساحة النقاش في العالم الإسلامي وذكر بأن عددًا كبيرًا من المسلمين يقولون بأن سبب الأمراض التي تعاني منها مجتمعاتهم يعود إلى تبعية هذه المجتمعات للغرب سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وثقافيًا، ويعتبرون أن عملية التحديث المصاحبة بفرض نظم علمانية على المجتمعات المسلمة تمثل نوعًا من «الاستعمار الجديد»، الذي يقوم الغرب بفرضه على المسلمين ويعينه في تحقيقه عدد من الأتباع الذين تربوا على عينه.

ويلاحظ أسبوزيتو أن المجتمعات التي فرضت عليها النماذج الغربية للتحديث هي المجتمعات التي ظهرت فيها حركات الإحياء الإسلامي ونشطت فيها عناصر الإسلام السياسي ومما يثير الدهشة عنده أن قيادات العمل السياسي الإسلامي الجديدة لم تخرج من بين أوساط العلماء التي كانت تعرف بأنها الركيزة الأولى لقيادات الصراع ضد الاستعمار الأوروبي ولكن القيادات الإسلامية الجديدة خرجت من أوساط المتعلمين في المدارس العلمانية العصرية، كما أن هذه الجماعات قد تطورت في أساليب دعوتها وأصبحت تستخدم وسائل الاتصال والإعلام الحديثة وأسست لنفسها مؤسسات سياسية ومنظمات اجتماعية تستخدم وسائل العصر وتمثل ركائز مهمة للمجتمع المدني المتطور.

كما أنها أسست العديد من المستشفيات والمؤسسات التعليمية والمصارف، وشارك أفرادها في النقابات المهنية والفنية وبرزت عندها قيادات في هذا المجال حتى أن الإسلاميين في مصر أصبحوا يحتلون قيادة نقابات المهندسين، والأطباء والمحامين، وهيئات التدريس الجامعي.

وطرح الدكتور أسبوزيتو في مقاله سؤالين مهمين أولهما إسلام من؟ والثاني أي إسلام؟ 

والسؤال الأول يسأل عن الذي يملك حق تفسير وتطبيق الإسلام، وهناك من يجيب بأن الذي يملك الإجابة عن هذا السؤال هو الهيئات الحاكمة اليوم في المجتمعات المسلمة وهنا يقول الدكتور أسبوزيتو بأن أغلب هذه السلطات الحاكمة لم تأت عن طريق اختيار الشعوب لها.

وآخرون يقولون بأن الذي يملك الإجابة عن هذا السؤال هم العلماء النخبة المتعلمة كما هو الحال في إيران وقد كان العلماء يقومون بدور المستشارين للنخب الحاكمة وكانوا يمثلون الفئة التي تملك حق تفسير الإسلام، وقد تبين أن حركة الإحياء الإسلامي المعاصرة لم تعد تقتصر قياداتها على العلماء بل إن أغلبهم قد جاء من غير طريق المؤسسات الدينية التقليدية، وهم يقومون الآن باجتهادهم في تفسير الخطاب الإسلامي بما يرونه مناسبًا لأطروحاتهم.

أما السؤال الثاني الذي يقول أي نوع من الإسلام فإنه يطرح قضية مهمة هل تتم عملية أسلمة المجتمعات والدولة عن طريق إعادة النظم التقليدية أم عن طريق عملية إصلاح شاملة؟ وهناك من ينادي بدولة إسلامية حسب المتعارف عليه تاريخيًا وحسب كتابات العلماء في المجال السياسي والسلطة.

 وآخرون يطالبون بإعادة النظر في نموذج الدولة حسب متطلبات العصر ويقولون بأنه لا يوجد نموذج لدولة إسلامية يمكن اتباعه اليوم كما هو بتفصيلاته، ومن أهم النقاط التي يدور حولها الجدل اليوم هو الحوار حول الديمقراطية ويقول الدكتور أسبوزيتو إن قضية المشاركة السياسية والديمقراطية في المجتمعات المسلمة ليست بالأساس قضية عقدية «أي ترتبط بعقيدة المسلم» ولكنها جزء من الثقافة السياسية، وأن الفشل في تقوية المجتمع المدني والمشاركة السياسية يسهم في زيادة أخطاء نمو الاتجاهات السلطوية الدينية والعلمانية.

ويقسم الدكتور أسبوزيتو الفئات المتحاوره حول الديمقراطية إلى ثلاث فئات الأولى ويسميها فئة العلمانيين وهؤلاء يطالبون بديمقراطية تفصل بين الدين والدولة، والفئة الثانية يطلق عليها لفظ «الرافضون»، وهؤلاء يقولون بأن للإسلام نظامه الخاص به والذي لا يتماشى مع الديمقراطية، وهذا الموقف تجد من أنصاره حكامًا وحركات.

 والفئة الثالثة أطلق عليها لفظ «الموفقون» وهم يقولون بأن المفاهيم الأساسية كالشورى والاجتهاد والإجماع يمكن أن تطور لتصبح جزءًا من منظومة إسلامية معاصرة للمشاركة الشعبية والديمقراطية. ويتساءل الدكتور أسبوزيتو في مقالته عما إذا كانت الحركات الإسلامية في حالة وصولها للسلطة ستسمح بالتعددية وبمعايشة الرأي الآخر؟

ويقول بأن تجارب معينة مثل باكستان وإيران والسودان وأفغانستان تلقى ظلالاً على أن التعددية لا زالت غير مقبولة وأن تحديد النشاط السياسي والديني للمعارضين لا زال قائمًا وفي حالة الفصل بين الرجال والنساء بطريقة تحد من دور المرأة في المجتمع، ويبين الدكتور أسبوزيتو أن تجربة نجاح الإسلاميين في حزب الرفاه بتركيا قد بينت بأن الحزب لم ينجح فقط بأصوات أعضائه والمتعاطفين معه... ولكنه نجح لأنه حصل على أصوات العديد من الناخبين الذين اقتنعوا بنظافة مرشحي حزب الرفاه ويبعدهم عن الفساد وجديتهم في العمل التي عكستها قيادتهم لعدد من المدن التي تولوا إدارتها.

وهذا يبين أن للإسلاميين قدرة على استقطاب أصوات الناخبين لسجلهم الأخلاقي النظيف ولسجلهم العملي المميز في إنجاز وعودهم للناخبين وفي التعامل الصادق معهم.

ويقول أسبوزيتو إن هناك ظاهرة انتشرت في المجتمعات المسلمة التي تحكمها حكومات غير منتخبة وهي ظاهرة «التطرف العلماني» ويقول إن هذه الحكومات تستخدم شعار التخويف من «التطرف الإسلامي» كمبرر لها في استمرارها لسياسة القمع ضد شعوبها ولتعلق الغرب علها تجد آذانًا لها تسمعها.

ويذكر الدكتور أسبوزيتو أن هذه الحكومات مع من يساندها في الغرب تعمل على زرع الخوف من الإسلاميين بأنهم يمثلون العدو الجديد المواجه للغرب بعد أن انهارت الشيوعية ويزعم أن هناك تنسيقًا بين الحكومتين المصرية والإسرائيلية في تغذية مثل هذه الأوهام في الأوساط الغربية.

 وقد أضاف إليها الدكتور هانتنجتون بمقالته التي تنبأ فيها بأن الصراع المستقبلي هو صراع حضارات وأن الحضارة الغربية المرتكزة على أصولها اليهودية النصرانية ستجد نفسها في مواجهة الإسلام وهناك من يعتقد بين المسلمين بأن حروب البوسنة والسودان ولبنان وأذربيجان تمثل في حقيقتها انعكاسًا للصراع بين المسيحية والإسلام.

ويختم الدكتور أسبوزيتو مقالته بأن التحدي الذي يواجهه المتابعون لهذه القضية هو أن يتخلصوا أولاً من عقدة الصورة النمطية لإسلام واحد في عالم نصراني يهودي أو الصورة النمطية التي ترسم المسلم الملتزم بأنه إنسان عنيف لا يعرف سواه وسيلة للتحاور أو لحل قضاياه.

وعلى دارسي الإسلام السياسي اجتناب الوقوع في هذه الصورة النمطية للعالم الإسلامي وعليهم دراسة كل حالة على حدة فالعالم الإسلامي غني بالبشر والثروات والأفكار المتعددة التي لا يمكن وضعها في صورة نمطية واحدة.

في الحلقة القادمة سنناقش بحث الدكتور إبراهيم أبو ربيع، حول الأصول العقدية لحركة النهوض الإسلامي والتصدي للتحديث.

دون سابق اتفاق

التساؤلات التي أثارها جون أسبوزيتو أجاب عنها المستشار المأمون الهضيبي- نائب المرشد العام للإخوان المسلمين- دون سابق اتفاق في المقالة التي نشرتها المجلة في العدد ذاته، وكانت المجلة قد طلبت من الهضيبي المساهمة بمقال عن الإسلام والحكم في مصر من وجهة نظر الإخوان المسلمين، وقد رفض الهضيبي في مقاله إطلاق مسميات الأصولية والإسلام السياسي على الحالة الإسلامية، ثم عرج على موقف الإخوان المؤيد للتعددية السياسية وحق الغير في التنظيم والتعبير وحقوق المرأة السياسية بدءًا من المشاركة السياسية إلى تولي الوظائف العامة.

الرابط المختصر :