العنوان بين النَّدَوَيِّ والبنَّا.. وفاءُ العلماء
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 03-نوفمبر-1998
مشاهدات 76
نشر في العدد 1324
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 03-نوفمبر-1998
كم يسعد الإنسان أن يرى عالمًا يحترم أخاه ومجاهدًا يقدر مكافحًا في سبيل الحق، وداعية يعضد مصلحًا ويشد من أزره، وكم يبتئس الإنسان ويأسى ويأسف لعالم يسب آخر، أو يقع في عرضه، أو يحاول تشويه سمعته، أو غمزه ولمزه، وكم يفجع الإنسان في دعاة يغمطون الحق ويتعامون عن الصواب، ويحاولون هدم رجال ناصبوا الباطل العداء، وكافحوه حتى هوى أو كاد، وطاردوه حتى رحل أو باد، وهذا الصنف المتدني البائس قد كثر في أيامنا هذه كثرة الذباب، وانتشر في الأمة انتشار الوباء، حتى كاد أن يلطخ في العصر الحديث كل نبتة خضراء، وكل زهرة فيحاء، ويحرق كل لبنة شماء، وفكرة عصماء، وصفحة بيضاء، وهم في الحقيقة يلطخون وجوههم ويحرقون أنفسهم ويضلون أممهم ويلوثون تاريخهم وكفاح أمتهم.
صادفت يومًا أحد هؤلاء ينتقص من قدر شيخ الإسلام ابن تيمية، ويريد أن يقع في عرض الشيخ محمد بن عبد الوهاب فأخذتني رعدة الحق ووخذتني صولة الإنصاف، ورددته على عقبه، وأدرت نصله في نحره واعطيته درسًا بليغًا في احترام العلماء وتقدير المكافحين وأهل الفضل.
وكم طربت كثيراً وانتشيت وسررت الرجال عرفوا فضل العلماء وقدروا جهودهم وتضحياتهم وما أروع قول الإمام أحمد بن حنبل - رضوان الله عليه - في ذلك؛ حيث قال: «الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل، بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويحيون بكتاب الله تعالى الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا الوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على كتاب الله وعلى الله وفي الله بغير علم، ويتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتنة المضلين».
وكم سعدت كثيرًا في العصر الحديث أن وجد بقية من هؤلاء الصالحين الذين يقدرون جهد الدعاة والعلماء والمفكرين من هؤلاء الأستاذ أبو الحسن علي الحسني الندوي؛ إذ رأيت الرجل يشيد بجهود العلماء والدعاة ويعرف الفضل لأهله «وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذووه».
يقول الشيخ العلامة أبو الحسن الندوي عن الشيخ البنا في مقدمة مذكرات الدعوة والداعية يتهيب رجل مثلي في قلة بضاعته في العلم والعمل وفي تخلفه في ميدان الإصلاح والكفاح وفي مجال التربية والإخراج، وفي حلبة التضحية والمحنة، أن يتقدم للكتابة والتعليق على كتاب للشيخ البنا رحمه الله، ثم يقول: هذه الشخصية التي هياتها القدرة الإلهية، وصنعتها التربية الربانية، وأبرزتها في أوانها ومكانها تدل على رجل موهوب مهيا وليس من سوانح الرجال ولا صنعته بيئة أو مدرسة، ولا صنيعة تاريخ أو تقليد، ولا صنيعة اجتهاد ومحاولة وتكلف ولا صنيعة تجربة وممارسة، وإنما هو من صنائع التوفيق والحكمة الإلهية والعناية بهذا الدين وبهذه الأمة. والغرس الكريم الذي تهيا لأمر عظيم ولعمل جليل في زمن تشتد إليه حاجته وفي بيئة تعظم فيها قيمته.
إنَّ كُلَّ من عرف الإمام البنَّا عن كثب لا عن كتب، وعاش متصلًا به عرف فضل هذه الشخصية التي قفزت إلى الوجود، وفاجأت مصر ثم العالم العربي والإسلامي كله بدعوتها وتربيتها وجهادها وقوتها الفذة التي جمع الله فيها مواهب وطاقات قدْ تبدو مستحيلة في عين كثير من علماء النفس والأخلاق ومن المؤرخين والناقدين؛ لأنها العقل الهائل النابه النير، والفهم المشرق الواسع والعاطفة القوية الجياشة والقلب المبارك الفياض، والروح المشبوبة النضرة، واللسان الذرب البليغ والزهد والقناعة- دون عنت - في الحياة الفردية، والحرص وبعد الهمة - دونما كلل - في سبيل نشر الدعوة والمبدأ، والنفس الولوعة الطموحة والهمة السامقة الوثابة، والنظر النافذ البعيد والإباء والغيرة على الدعوة، والتواضع في كل ما يخص النفس.. تواضعًا يكاد يجمع على الشهادة عارفوه حتى لكأنه- كما حدثنا كثير منهم- مثل رفيف الضياء لا ثقل ولا ظل ولا غشاوة.
وقَدْ تعاونت هذه الصفات والمواهب في تكوين قيادة دينية اجتماعية، لم يعرف العالم العربي وما وراء قيادة دينية وسياسية أقوى وأعمق تأثيرًا، أو أكثر إنتاجًا منها منذ قرون وفي تكوين حركة إسلامية يندر أن تجد- في دنيا العرب خاصة - حركة أوسع نطاقًا وأعظم نشاطًا وأكبر نفوذًا، وأعظم تغلغلًا في أحشاء المجتمع، وأكثر استحواذًا على النفوس منها. هذا وقَدْ تجلت عبقرية الإمام البنا كداع مع كثرة جوانب هذه العبقرية ومجالاتها في ناحيتن خاصتين، لا يشاركه فيهما إلا القليل النادر من الدعاة والمربين والزعماء والمصلحين:
أولاهما: شغفه بدعوته، وإيمانه واقتناعه بها، وتفانيه فيها وانقطاعه إليها بجميع مواهبه وطاقاته ووسائله وذلك هو الشرط الأساس والسمة الرئيسة للدعاة والقادة الذين يجري الله على يديهم الخير الكثير.
وثانيهما: تأثيره العميق في نفوس أصحابه وتلاميذه، ونجاحه المدهش في التربية والإنتاج، فقد كان رحمه الله منشئ جيل ومربي شعب وصاحب مدرسة علمية فكرية خلقية، وقَدْ أثر في ميول من اتصل به من المتعلمين والعاملين، وفي أذواقهم، وفي مناهج تفكيرهم وأساليب بيانهم ولغتهم وخطابهم تأثيراً بقي على مر السنين والأحداث ولايزال شعاراً وسمة يعرفون بها على اختلاف المكان والزمان.
ولقد فاتني أن أسعد بلقائه في مصر وفي غير مصر، حتى كان حادث استشهاده الذي أدمى نفوس ملايين المسلمين، وحرم العالم الإسلامي هذه الشخصية التاريخية الفذة الفريدة، ولا أزال أتحسر على هذه الخسارة التي كتبت لي..
هذا حديث أبو الحسن الندوي الإمام الصادق عن الشيخ البنَّا قد اجتزأت منه ما ذكرت فقلت بعد قراءته، وكم في الشرق من عباقرة وأفذاذ وقمم أكلتهم جدران السجون، أو قضت عليهم المحن أو استأصلتهم أعواد المشانق، أو اغتالتهم على قارعة الطريق قوى الظلام والبغي، وأنكرتهم السنة الزور والبهتان، ولمزتهم أقلام العمالة والارتزاق والإفك ونحن نوقن أنه سيأتي اليوم الذي ينطلق فيه الإصباح، وتنير جوانبه شموس الحقيقة، ويفرح المؤمنون بنصر الله.. نسأل الله ذلك.. أمين.