; بين الحقيقة والإبداع الفني في القصص القرآني | مجلة المجتمع

العنوان بين الحقيقة والإبداع الفني في القصص القرآني

الكاتب حسن علي دبا

تاريخ النشر الثلاثاء 16-أغسطس-1994

مشاهدات 69

نشر في العدد 1112

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 16-أغسطس-1994

لم تكن العلاقة بين التاريخ والأدب، والصدق والكذب، والحقيقة وغير الحقيقة، سوى إحدى القضايا التي تتولد داخل الأعمال الأدبية على مر التاريخ يرتفع صوتها حينًا ويخبو آخر حين وصول بعضهم إلى نتيجة يرتضيها.

في القصص الديني تتنازع فكرة الحقيقة مشكلة هامة تتلخص في مدى تطابق الأحداث التاريخية التي تأتي في سياق هذا القصص مع أحداث التاريخ.

فالتاريخ الذي كتبه المؤرخون قد كتب في مصادر متعددة على امتداد عصور مختلفة؛ فإذا حدث أن اختلف هذا التاريخ مع ما أتى به القصص الديني من إشارات ووقائع وأحداث تاريخية، فأين تكون الحقيقة؟

انشغل بهذه القضية كثيرون في العصر الحديث، وكانت بدايتها في أول هذا القرن الـ 20، وقد تقدم محمد أحمد خلف الله إلى كلية الآداب جامعة القاهرة برسالته لنيل درجة الدكتوراه تحت عنوان: «الفن القصصي في القرآن الكريم»، وحدث أن رفضت الرسالة وقامت حولها المعركة الفكرية المعروفة بين الدارسين والباحثين.


أمين الخولي يدافع عن خلف الله

والرسالة طبقًا لبيان الشيخ أمين الخولي- المشرف على الرسالة- عبارة عن «درس قصص القرآن على المنهج الأدبي. والقصص في هذا المنهج لون من البيان، وأسلوب من أساليب الأداء»، وقد مضى كتاب العربية الأعظم «يقصد القرآن الكريم» ومعجزتها القولية على خطة له، هي التي حاول «خلف الله» تعريفها في رسالته تفصيلًا:

فعرض أول ما عرض لما بين التاريخ والقصص من صلة، وجرى عليه القرآن في هذا، واطمأن أخيرًا إلى أنه ليس قصصًا لتعليم التاريخ، ولا سرد وقائعه مستوفاة لتُعرف منها الحقائق التاريخية، ولذلك لا يلزم أن تكون كل حوادث القصص القرآني قد وقعت بل منها ما هو تصوير، وتمثيل للمعاني.


علة الخلل في فهم «خلف الله»:

والبداية- فيما يبدو لي- لفهم خلف الله الذي اعتمد عليه، ونمَّى بهذا الفهم فكرته هو تصديقه للتاريخ كحوادث مكتوبة تخبر عن وقائع، وعلاقات بين أشخاص وأمم واختلاف ذلك عما رآه من إخبار عن هذه الوقائع، وتلك العلاقات بين الأشخاص والأمم في القرآن الكريم وقصصه؛ فصدق التاريخ، وكذب القرآن وقصصه وحاول أن يجد لذلك مدخلًا فوضع مقولاته في إطار المنهج الأدبي في دراسة القصص القرآني.

ولكن التساؤل الذي يجب أن يطرحه الباحث عن مدى استيحاء القصص الديني للحقيقة هو: «إلى أي مدى يصح لنا الاعتماد على التاريخ لنُحكِّمه في قصص القرآن؟ كان المعقول- فيما يقول الأستاذ أحمد الشايب- أن نتخذ من التاريخ الوثيق مقياسًا نحتكم إليه في بيان القيمة الواقعية الحقة لقصص القرآن، لكن صحة المنهج تقتضينا أن نوثق التاريخ أولًا، وأن ننتهي إلى أنه حق مطلق لا تحريف فيه ولا تبديل، وهنا نسير مطمئنين في ضوء الحق اليقين لنقيس عليه القصص القرآني، ونفصل في قيمته التاريخية ولكن أنَّى لنا هذه الثقة في أخبار التاريخ القديم الذي لم يدون في حينه، ولم تستكشف وثائقه ومصادره، وأن ما يروى منه نتف مضطربة وأساطير تافهة وروايات مختلطة».


خلف الله يفهم النصوص فهمًا خاطئًا

ويبدو لنا أن خلف الله ومن لفَّ لفَّه، قد اعتمد على فهم خاطئ لنصوص وردت في تفسير المنار شجعته على أن يذهب مذهبه يقول التفسير: «يظن كثير من الناس- كما ظن كثير من قبلهم- أن القصص التي جاءت في القرآن يجب أن تتفق مع ما جاء في كتب بني إسرائيل المعروفة عند النصارى بالعهد العتيق، أو كتب التاريخ القديمة، وليس القرآن تاريخًا، ولا قصصًا، وإنما هو هداية وموعظة، فلا يذكر قصة لبيان تاريخ حدوثها، ولا من أجل التفكه بها، أو الإحاطة بتفاصيلها، وإنما يذكر لأجل العبرة».

ويقول في موضع آخر:

«إن القصص جاءت في القرآن لأجل الموعظة والاعتبار، لا لبيان التاريخ، ولا للحمل على الاعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين».

وكما نرى فإن هذه النصوص لا تنفي حقيقة القصص ولا التاريخ الذي أتى فيه وليس معنى أن التاريخ لم يكن الهدف الأساسي للقصص، أن ما جاء بها من تاريخ لا صلة له بالحقيقة، وليس أدل على ذلك من أن الإمام محمد عبده نفسه يقول في تفسير المنار أيضًا:

«إذا ورد في كتب أهل الملة أو المؤرخين ما يخالف بعض هذه القصص، فعلينا أن نجزم بأن ما أوحاه الله إلى نبيه ونقل إلينا بالتواتر الصحيح هو الحق، وخبره الصادق، وما خالفه هو الباطل، وناقله مخطئ أو كاذب».

ثم يضيف التفسير: «ثم إنه يجب الاحتراس في قصص بني إسرائيل وغيرهم من الأنبياء وعدم الثقة بما زاد على القرآن من أقوال المؤرخين والمبشرين، فالمشتغلون بتحرير التاريخ والعلم يقولون معنا إنه لا يوثق بشيء من تاريخ تلك الأزمنة التي يسمونها الظلمات إلا بعد التحري والبحث واستخراج الآثار».

وعن حقيقة وجود هامان زمن موسى وفرعون كنموذج لحقيقة القصص القرآني يمكننا أن نقف عند نص للإمام الرازي حيث يقول: «إن تواريخ موسى وفرعون قد طال بها العهد، واضطربت الأحوال والأدوار، فلم يبقَ على كلام أهل التاريخ اعتماد في هذا الباب فكان الأخذ بقول الله أولى».

ولقد أثبت النقد العلمي الذي نهض به ربانيو التوراة أن التوراة التي بين أيدينا ليست من تأليف شخص واحد، ونتيجة هذا وغيره أن التوراة ليست من الثقة بحيث يحتج بها على قصص القرآن ويحتكم في قيمته إليها.

يقول موريس غوغويل «من علماء فرنسا»: «إن كثيرًا من روايات الإنجيل غير واقعية، بل مطبقة على التقاليد النصرانية تطبيقًا لمجرد الدعاية، أو بحسب الاعتقاد، وأن هذا في واد والتاريخ في واد».

والحقيقة الهامة التي يجب علينا أن نقف عندها هي «أن القرآن الكريم لا يمكن أن يتحاكم إلى التاريخ القديم».

 

الرابط المختصر :