العنوان المجتمع الثقافي (1420)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-2000
مشاهدات 84
نشر في العدد 1420
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 03-أكتوبر-2000
إشكالية التراث والحضارة
د. أحمد محمد كنعان
التاريخ- بمنظور الإسلام- هو المختبر الحقيقي لصواب الفعل البشري، وبما أن الحضارة لا تكون من غير صواب، فقد كان استشراف التجربة البشرية عبر التاريخ أمرًا لا بد منه للتعرف على إشكالات الماضي «1» لاستنباط سنن النهوض الحضاري، وسنن السقوط.
ولقد أسس القرآن الكريم أصول الفقه الحضاري في كثير من آياته الكريمات، ومنها قوله تبارك وتعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (سورة الروم: ٩).
ولست أعني بمصطلح «الحضارة» هنا الحضارة بمفهومها المادي الذي يدور في فلكه كثير من الباحثين اليوم في هموم الحضارة، وإنما أعني بالحضارة ذلك «التفاعل الخلاق ما بين الإنسان ورسالة السماء» «2» فالحالة المتولدة من هذا التفاعل هي وحدها التي تستحق- بمنظور الإسلام- وصف «الحضارة» ويستحق الإنسان المتفاعل على صورتها، وصف «المتحضر» لأن سلوكه آنذاك يكون قد انسلك مع الناموس الرباني الذي أراده الله عز وجل ليحكم هذا الوجود وما فيه.
وأما عندما يختل هذا التفاعل فعندئذ تحدث الأزمة، وتبدأ الأمة مرحلة السقوط، ثم لا تلبث أن تغيب عن الساحة.. وهذا الغياب قد يكون ماديًا كما حصل لكثير من الأمم التي بادت واندرست، ولم تحفظ سجلات التاريخ إلا بعض رسومها! وقد يكون غيابًا معنويًا، فيظل الإنسان اللحم والشحم والدم، فيما يغيب الإنسان: الفكرة والفعل والعطاء، وهذا ما هو حاصل اليوم في ديارنا الإسلامية المترامية كالجزر النائية فوق هذا الكوكب!
اصطياد..
ولقد حاول «بعضهم!» أن يستغل هذا الغياب الحضاري لأمتنا الإسلامية، فجاء يصطاد في الماء العكر، زاعمًا أن الخلل راجع إلى المبادئ التي جاء بها الإسلام، ومن ثم فقد أصبحت الحاجة ملحة- في زعمه- للبحث عن بديل!!
وإن لنا أن نسأل هؤلاء الصيادين سؤالاً واحدًا فنرى ما يجيبون به فنقول: إن كان الأمر كما زعمتم، فما الذي جعل ذلك البدوي الذي عاش حياته على النهب والسلب يغير من سلوكه، ويرقى بأخلاقه، ويستبدل بسيفه الظالم راية التوحيد، وينطلق في الآفاق ناشرًا في أرجائها العلم والخير والصلاح؟ أو ليست هي المبادئ ذاتها التي تتهمونها؟
بلى.. إنها هي.. وإنها هي نفسها التي ما تزال اليوم بين أيدينا فليست أزمتنا إذن أزمة مبادئ.. ولكنها أزمة «تفاعل» مع المبادئ التي وهن تفاعلنا معها، فتوقف تفاعل تلك المبادئ مع واقع الحياة، وكان من نتيجة هذا التوقف هوة واسعة باتت تفصل تراثنا عن العصر.. وإن أخشى ما نخشاه أن يطول بنا التوقف، فيحصل الانقطاع، وتكون الكارثة!..
قصة الفتية:
ولقد لفت القرآن الكريم انتباهنا كيلا نقع في مثل هذا المأزق من خلال عرضه المتميز لقصة الفتية الذين آمنوا بربهم فزادهم هدى، فإن أولئك الفتية عندما حاصرتهم موجة العصر الملحد، وخافوا على دينهم، فروا إلى «الكهف» رمز الانعزال والانسحاب من معترك الحياة.. وهناك ضرب الله عز وجل على آذانهم سنين عددًا، فلما قاموا كانت المفاجأة الرهيبة، فقد وجدوا الناس غير الناس، والدنيا غير الدنيا، والعصر غير العصر.. وعندئذ لم يجدوا بدًا من العودة إلى الكهف!
ولقد توقف القرآن الكريم وقفة ذات مغزى عميق عند نهاية القصة، فإن هؤلاء المؤمنين بعد تلك السنين الطويلة التي انقطعوا فيها عن المجتمع لم يعودوا قادرين على معايشة المجتمع الجديد على الرغم من أنه تحول إلى الإيمان إذن: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾(سورة الكهف: ٢١) وعندئذ لم يجدوا مخرجًا غير العودة إلى الكهف، لا ليناموا هذه المرة، بل ليستسلموا للموت، بعد أن أخفقوا في إعادة الاتصال مع الواقع!!
ويوحي ما في هذه القصة الواقعية من رمز أن التوقف عند مرحلة معينة من التاريخ لا يحل المشكلة، بل يزيدها تعقيدًا، لأنه يفقد الأمة قدرتها على التفاعل مع مستجدات العصر الجديد، ويقطع عليها الطريق إلى المستقبل!
وليس من العسير- على كل من يؤرقه هم أزمتنا الحضارية الراهنة- أن يدرك هذه الحقيقة، وهي أننا ما زلنا نعيش الماضي أكثر مما نعيش الحاضر.. علمًا بأن طبيعة ما يجري اليوم من حولنا تحتم علينا أن نعيش المستقبل أيضًا.
وتستوجب هذه الحال «إعلان حالة الطوارئ» وإعداد العدة الكاملة للمواجهة.. ونعتقد أن أول خطوة في هذا السبيل ينبغي أن تبدأ من عودتنا إلى التراث، لا لنتمسك بحرفية هذا التراث كما فعل بعضهم «3»، بل لنعيد قراءاته قراءة واعية، على ضوء التحولات العميقة التي أصابت الدنيا منذ أن توقفت عقارب تراثنا عن الدوران، وحتى اللحظة الراهنة.
الفرق بين النص.. والاجتهاد البشري في فهمه:
ما التراث؟ وينبغي قبل إقدامنا على هذه المهمة الصعبة أن يكون واضحًا لنا تمامًا أن «التراث» وآخر الأمر لا يعدو أن يكون إنجازًا بشريًا.. صحيح أن تراثنا الإسلامي قد قام أساسًا على رسالة السماء، إلا أن التراث ليس هو الرسالة، كما أن الرسالة ليست هي التراث.
بمعنى آخر فإن «النصوص» التي تؤسس تراثنا تبقى بمثابة مواد القانون التي يستنبط منها أهل القانون أحكامهم، ثم يمضونها على الناس.. فمن الواضح إذن أن الأحكام ليست هي القانون، وإنما هي صور تطبيقية لمواد القانون، كان للعامل البشري فيها نصيب.. وكذلك هو تراثنا .. فهو لا يعدو أن يكون إحدى الصور التطبيقية الممكنة لتفاعل المسلمين مع مبادئ دينهم، ضمن ظروف تاريخية معينة.
وتعتقد أن معظم اللبس الذي يحصل عادة عند الحديث عن «التراث» يعود إلى خفاء هذه الملاحظة على الدارسين الذين يخلط أكثرهم ما بين حقيقة «النص» الذي يؤلف الرسالة، وبين الاجتهاد البشري في فهم النص، وتنزيله على أرض الواقع.. ونحن حين نتحدث عن التراث فإنما نتحدث عن هذا الجانب الاجتهادي من المسألة.
ومن هنا.. فإننا عندما ننادي بإعادة قراءة تراثنا قراءة معاصرة على ضوء التحديات التي باتت تواجهنا فإننا لا نقصد بذلك: الإسلام، وإنما نقصد تحليل ودراسة الظروف التي أنتجت تراثنا حتى وصل اليوم إلى صورته الراهنة.. وهذا أمر مشروع لا أحسب أن أحدًا ينشد الحكمة يجادل فيه.. وذلك لأن الممارسة البشرية تبقى عرضة للصواب والخطأ، حتى وإن كان الذين مارسوها خير «القرون» وقد أكدت النصوص الكثيرة هذه الجبلة البشرية، كما جاء في قول الحق تبارك وتعالى في الحديث القدسي «کل ابن آدم خطاء..» فهذه هي سنة الله في خلقه أن يصيبوا وأن يخطئوا.. ولكن «خير الخطائين التوابون» أي الذين إذا أدركوا أنهم قد أخطأوا عادوا إلى الصواب، وصححوا المسار من جديد!
ولقد حدثت خلال مراحل إنتاج تراثنا «إشكالات» عديدة تعتقد أنه قد آن الأوان لكي نقتفي آثارها، فنحدد نقطة بدئها، ثم نتابعها عبر تطورها التاريخي، لنعرف أي طريق سلكت حتى وصلت إلينا في صورتها الراهنة.. وبهذا نأمل أن نعيد لتراثنا الإسلامي تألفه وقدرته على أن يفعل في حياتنا كما فعل في حياة الذين صنعوا حضارتنا الزاهية، فيأخذ بأيدينا كما أخذ بأيديهم.
الهوامش:
1- شكل الأمر، وأشكل، واستشكل: القيس- واستشكل في القضاء أي أورد ما يستدعي وقف التنفيذ حتى ينظر وجه الاستشكال- وفي بحثنا هذا سوف نستخدم لفظ «الإشكال» للتعبير عن قضايا التراث التي خالطها شيء من اللبس يوجب إعادة النظر فيها.
2- هناك آراء ونظريات مختلفة حول تعريف الحضارة إلا أن المؤرخين والباحثين يكادون يجمعون على أن للعامل الديني تأثيرًا أساسيًا في تشكيل الظاهرة الحضارية «انظر مثلًا: أرنولد توينبي- مختصر دراسة في التاريخ ١٥٢/٣، وانظر: مالك بن نبي- شروط النهضة، ص ٥٢ وما بعدها- دار الفكر- الطبعة العربية ١٩٦٠م وانظر د. أحمد محمد كنعان- أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق- رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية- قطر ١٤١١هـ».
3- كما فعلت مثلًا إحدى الحركات الإسلامية المعاصرة «حزب التحرير الإسلامي» إذ حددت مدة ١٣ عامًا من تاريخ تأسيسها «أسسها الشيخ تقي الدين النبهاني في عام ١٩٥٢م» للوصول إلى الحكم، وذلك تأسيًا بسيرة النبي ﷺ الذي ظل ١٣ عامًا في مكة قبل الهجرة إلى يثرب وتأسيس الدولة فيها.. وحين أخفق الحزب في تحقيق غايته اضطر إلى تعديد الفترة حتى ٣٠ عامًا مراعاة للظروف؟! لكنه مرة أخرى لم يستطع تحقيق هدفه بالرغم من التعديد الثاني «انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة- الندوة العالمية للشباب الإسلامي، الرياض ۱۹۸۹م».
قصة قصيرة
عندما تذوب الثلوج
أسامة أحمد البدر
«هيا يا جدي.. هيا أرجوك... تحمل قليلًا من أجلي.. المسافة ما تزال بعيدة، ويجب ألا يغيب النهار ونحن في العراء.. هيا .. هل تريدني أن أحملك؟!...».
لكن ذراعاه تيبستا من الرفض.. ومضى متحاملًا على تعبه.. مطرقًا.. تتتابع أنفاسه بصعوبة.. ويخرج الدخان الأبيض من أنفه من شدة الثلج.
اقتربت منه مشفقًا وسألته: «أما كان الأولى أن تبقى في بيتك يا جدي.. لقد وعدونا بالأمان!».
رمقني بنظرة غضبى وبصق وقال: وهو يشير إلى طائرة تزعق من فوقنا: «هؤلاء؟! أتتوقع أن لهم عهدًا معنا؟! انظر.. إنهم يبحثون عن الإرهابيين.. يحرقون بيوتنا.. وكأن المجاهدين سينامون فيها..!».
قلت له: «ولكنهم لا يكرهوننا.. نحن المدنيين، أليس كذلك؟!..».
صاح في وقال: «كذابون.. إنهم يريدوننا هناك ليصنعوا من أشلائنا سلمًا لبطولاتهم المنكسرة بعدما خسروا كل معاركهم.. أولئك الشقر ذوو العيون الزرقاء.. ما بقيت لهم إلا ساحاتنا يستعرضون فيها قوتهم، وبيوتنا ليفرغوا فيها حقدهم وصديد أمعائهم.. أكلهم الخراب من داخلهم فقالوا نشغل الغوغاء بحرب لا خير لهم فيها ولا مصلحة، يا ويحهم، يتسلون بالحرب.. ويتعلمون بالخراب.. هذا إذا تعلموا...».
دنوت منه وأنا أحس بالثلج يأكل أطراف قدمي وسألته: «ولكنك لست متعبًا كثيرًا يا جدي.. أليس كذلك.. ليس كثيرًا...؟!».
هز رأسه وقال: «لا بأس.. لا بأس.. فهناك من هم أكثر إنهاكًا مني مهما يكن... فسأصل إلى المخيمات ولو بعد حين.. أما أولئك- أحبابي وأبنائي- فلهم الله... ليتني أستطيع أن أكون معهم، ترى كيف يعيشون.. وماذا يأكلون.. وأين ينامون.. لقد رحلوا إلى أعلى.. إلى الجبال ليدافعوا عن اسمنا.. عن وجودنا.. في وجه أولئك الأوغاد...».
أخذتني الدهشة.. يتذكرهم وهو بهذه الحالة من السوء.. إلا أنني سألته «تعرفهم يا جدي؟!.. تعرف أحدًا منهم..؟..».
نظر إلي باستغراب وقال: «أعرفهم؟! أعرف كل واحد منهم.. أعرف عمك الذي كان بين جنود شامل الكبير.. أنت لا تعرفه.. لكنه ولدنا البار... روحنا التي تجسدت فيه بكل شموخها وعنادها ورفضها للقياصرة قديمهم وحديثهم.. أواه يا ولدي.. عندما جاءني عمك مستأذنًا للجهاد.. دفعت به من كتفه وصرخت فيه «ويحك أتستأذني.. وتحسب أنني أمنعك.. ونترك الأرض والحدود والنهر والسهوب لأبناء الخنا.. هيا اغرب عن وجهي أيها المتثاقل...»، واستشهد عمك.. كان يجب أن يفعل.. لا بد من الشهداء إذا رفضنا ذل العبيد يا بني.. وها هم اليوم.. هناك في الجبال.. منهكون مقرورون لكنهم أقوياء ولن يتخلى الله عنهم إن شاء الله».
شدتني صرخة من خلفنا، لاهثة حارة.. آه.. إنها امرأة على وشك أن تلد .. أهذا وقته الآن، ولكن لا بأس، ولا بد من فعل شيء.. هرولت باتجاهها.. كانت النسوة متحلقات حولها يسترنها بعدما وضعن شالاتهن الخفيفة تحتها.. ورأيت رجلًا يدور في لهفة، لا بد أنه زوجها.. إنه يبحث عن شيء... أجل.. نار.. لا بد من بعض النار والماء الساخن للمولود الجديد.. ركضت مثله، أعددنا ما استطعنا من نار وماء، هدأت من روعه ما استطعت، كل شيء سيكون على ما يرام بقدر المستطاع.. وغاب عنا الثلج قليلًا أو برودته، بينما استمرت حمحمة وقليل من الهمس هناك... حول المرأة.. والخطوات تلتفت وتتسارع كأنها تريد أن تبث الدفء فيمن حولها، وأصوات تنادي على شيء ما.. وتسكب شيئًا ما.. وتهتف: «لا تخافي.. ستهون.. قليلًا من الصبر وتهون.. شدي أكثر يا بنتي.. أكثر .. أجل.. أجل.. آه!!».
وانطلقت في الجو صرخة محببة، وقهقهات فرحة، بينما زعقت طائرة من فوقنا كأنها تستطلع خبر تجمعنا لعلنا لا نتهامس عنها بسوء!... لكنه- المولود الجديد- يصرخ فرحًا- ربما- وهو يتلقى قبلات المهنئين! لم أدر بعدها كيف وصل إلينا جدي من مكانه المتقدم- وما شعرت إلا وهو يصيح في انفعال:
«شامل.. شامل.. إنه شامل الجديد».. فانفجرت بعيدًا- في ديارنا- قنبلة ضخمة، وانفجرت بقربنا صيحة جماعية تتقاذف المولود إلى أعلى وهي تهتف «أوه.. شامل.. شامل..».
وضحك جدي بكل ما فيه وقال: «دعهم يفجرون في البيوت الخاوية كل حقدهم المكبوت... دعهم يلفظون كل ما تحمل أمعاؤهم من عفن سنواتهم السبعين الماضية.. دعهم يمارسون «ساديتهم».
لكنهم لن يحطمونا.. لن يمزقوا كبرياءنا.. أو يشتتوا جمعنا هذا، وحبنا هذا، ولهفة نسائنا عند الأزمات.. اسمع يا ولدي.. لا أحد ينكر أنهم يملكون أسلحة ليست لنا.. ولكنهم يفتقدون الكثير، يفتقدون ذواتهم وإنسانيتهم.. وغدًا.. غدًا عندما تذوب الثلوج فسيعودون ليفاوضونا.. لن نقتلهم أو ننتقم منهم لكننا سنستعيد منهم دیارنا، وذاتنا ووجودنا الكريم، ولن ننسى ما فعلوه بنا، ولا ما يريدونه بنا»!
ومضينا من جديد، أحمله على ظهري هذه المرة، وأرنو إلى الركب المتعب الطويل من حولي.. وإلى ديارنا التي أخرجنا منها وخربوها.. بينما.
بين القصص القرآني.. والواقعية السحرية
حسين علاوي «*»
لا يستطيع أحد أن ينكر الأهمية الكبيرة للقصة كشكل إبداعي أدبي، تستقطب الإنسان کمستمع أو قارئ.. ينصرف إليها بكل حواسه وجوارحه وذلك لما تحفل به من عناصر التشويق والجذب... تحمله على أجنحة الخيال... فتشبع خيال الإنسان النهم... وتشحذ الانتباه والتركيز الواعي العميق إلى أحداثها.. وشخصياتها وأفكارها ومعانيها.
جاء في قاموس لثريه: «القصة إما رواية واقعية حقيقية، وإما مصطنعة أو حكاية ملفقة تستهدف استثارة الاهتمام بتصوير العواطف والمثل الأخلاقية، أو بغرابة أحداثها.. وقد تتناول الحياة الريفية.. أو حياة البطولة.. وقد تكون أخلاقية أو نقدية أو فلسفية أو تاريخية، وقد تتناول المغامرات الغريبة والحكايات العجيبة فتثير الخيال..».
أما القصة في القرآن الكريم فهي جزء من نسيجه الديني، بمعنى أن القصة في القرآن ليست عملًا فنيًا مستقلًا في موضوعة وطريقة عرضه وإدارة حوادثه.. شأن القصة الفنية الحرة.. إنما ترد القصة في القرآن لغرض ديني.
وقد يتوقع البعض أن تخلو القصة القرآنية من الشروط الفنية، لكن ما يثير الدهشة العميقة أن نجد في القرآن قصصًا تحمل دعوة مباشرة وهي في الوقت نفسه عمل فني معجز.
ولعل هذه أول إشارة لافتة لإعجاز القرآن وكونه من عند الله تعالى.
الملاحظة الثانية أنه يستحيل على كاتب قصة بشري، مهما كانت درجة كفاءته ونبوغه ككاتب.. أن يحكي لك القصة ثلاث أو خمس أو عشر مرات، ثم يحتفظ بنفس مستواه في المرات العشر.. غير أنك تنظر في قصص القرآن، فيروعك أن ترى القصة مقدمة عشر مرات، بالمستوى نفسه، وبتأثير مختلف.. ويظل مستوى القصة الذروة رغم تكرارها.. ويتغير تأثيرها وإيحاؤها بكلمة تُضاف أو جزء يحذف أو عبارة جديدة أو جملة.. أو مجرد ظل لخاطر نفسي لأحد أطراف القصة، لم يقدم قبل ذلك.
قصص القرآن، أبطالها من البشر.. كلماتها قالها البشر.. أحداثها وقعت في تاريخ البشر.. كل ما فيها بشري.. غير أن فيها شيئًا غیر بشري.. الرؤية التي تتناولها.. الطريقة التي تقدم بها.. الأسلوب الذي تُحكى به، ترتيب هذا الأسلوب هو الشيء الإلهي فيها.. مزية قصص القرآن، أن الكلمات لا تحكى لك إنما تتحرك داخلك أشخاصًا مجسدة، تستطيع أن تصغي إليها وتشاهدها، أن تكتشف أنها جزء من واقع الحياة المتجدد.
هناك عناية بالمعنويات.. وتركيز كثير على الرقي المادي.. وأسباب القوة.. وبيان لأسباب الهلاك التي يمكن أن يصيب الأمم والجماعات والأفراد.. وتفصيل عن الترف والطغيان.. والبطش والظلم.. والغزو الفكري.. والإرهاب.. والسخرية.. والرضا بالذل.. إلى غير ذلك من الأسباب الكثيرة المبثوثة في هذه القصص.
وأما القصص غير القرآنية فيختلط فيها الخيال بالحقيقة.. وتبتعد فيها آفاق التصوير.. ويحمل وقعه في النفوس بمقدار بعده عن الواقع والحقيقة.
ومما يلفت النظر أن القصة في القرآن أكثر حداثة من الناحية الفنية من القصة الحديثة، وخاصة «الواقعية السحرية» التي تنسب للقاص الكولومبي الحائز على جائزة نوبل للأدب ١٩٨٦م «غابريل غارسيه ماركيز» على روايته المشهورة «مائة عام من العزلة»، فهذه الرواية التي استخدم كاتبها أحدث وسائل التكنيك في الرواية العالمية.. انسيابية من دون ذكر أسماء الأشخاص.. وعدم تحديد الفواصل.. والعودة بالأحداث إلى قرون خلت.. واستخدام الحوارات والسخرية المؤدية.. والديالوج «الحوار الخارجي» والمونولوج «الحوار الداخلي»، والرمز.. والأزمنة.. الرؤيا.. الواقع.. الموروث.. واللغة الشفافة المشبعة بالموسيقى.. وهذه الأدوات الفنية موجودة في القرآن الذي نزل على نبينا ﷺ، قبل أكثر من ١٤٠٠ عام.. ولم يكن عالم الأدب قد اكتشف قواعد القصة.. ويمكنك أن تسير متنقلًا متأملًا متهاديًا بين قصص القرآن ومعانيه، لتدرك فصاحة الأسلوب.. وبلاغة العبارة.. وجمال التصوير الفني.. وسمو المعنى والمفهوم.. وثراء الفكر والمضمون.
الإسلام على شبكة الإنترنت
مایکل بوید «*»
في تحول نوعي عن تداول الأخبار المعهودة عبر الفضاء الإلكتروني عن آخر مليونير على الشبكة، أدخل أحد الأكاديميين بالمملكة المتحدة بعدًا روحيًا مستحبًا باستحداث ما أسماه «البيئات الإسلامية الإلكترونية».
وقد وضع كتاب جديد بعنوان: «مسلم في الواقع الافتراضي: التواصل بوساطة الحاسوب والبيئات الإسلامية الإلكترونية» صادر عن جامعة كارديف في ويلز، بقلم الدكتور: كاري بانت، الأستاذ المحاضر في الدراسات الإسلامية في جامعة ويلز في لامبيتر، فقدم أول مسح موسع عن طريقة استعمال المسلمين في أنحاء العالم شبكة الإنترنت، والأثر المتوقع لها على مستقبل الإسلام.
والدعوة هي أحد أول الأسباب الكامنة وراء وضع الكتاب، واستحداث المواقع على الشبكة بطريقة متدنية الكلفة وسهلة لأداء هذا الواجب.
يظهر ذلك جليًا في صفحة موجودة على الشبكة للدكتور لياقت علي خان، مدير مدرسة الريان الوطنية في أبو ظبي، الذي قال: «مر زمن كنا فيه نتحسر لندرة الأدب الإسلامي الموجه إلى غير المسلمين بهدف نزع الأفكار الخاطئة التي تطول الإسلام، وإضفاء الصورة الحقيقية على رسالته، غير أن هذا الوضع شهد انقلابًا جذريًا في العقدين السابقين: فالشبكة والسرعة التي تتنامى فيها أمنتا للعالم الإسلامي فرصة ذهبية لنشر رسالة الإسلام، إنه لمن المشجع أن ترى التنامي السريع لأعداد المواقع الإسلامية على الشبكة العالمية».
كما أن من شأن شبكة الإنترنت تعزيز وعي المسلمين لتنوع وجهات النظر واختلافها في أنحاء العالم.
ومن مزايا الكتاب المهمة أنه يحوي أيضًا لائحة بعناوين أبرز المواقع الخاصة بالإسلام على الشبكة، ومنها موقع مركز الدراسات الإسلامية في لامبيتر الذي يتولى فيه الدكتور بانت مهام التدريس، وما انفكت دراسة الإسلام منذ سنين تحتل مكانة مهمة بين المواد الأكاديمية التي تدرسها الجامعات البريطانية.
كما يقدم المركز فرصًا للتعمق في دراسة مختلف أوجه الإسلام والمسلمين على الصعيدين التاريخي والمعاصر، وشأنها شأن الميادين الأكاديمية الأخرى، تطبق الدراسات الإسلامية المقاربتين التحليلية والنقدية في المواد المتعددة الاختصاصات أو البين اختصاصية.
كما تتوافر جملة من الاختيارات تتيح إتمام دراسات متخصصة في مجالات مثل مصادر الإسلام الأولى، والشريعة الإسلامية، والفلسفة الإسلامية، والعربية، والحوار بين الإسلام والنصرانية، والإسلام في العالم المعاصر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل