العنوان بيتان..الفرنسي لم يذهب إلى برلين..وبيتان العرب؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-نوفمبر-1977
مشاهدات 16
نشر في العدد 376
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 29-نوفمبر-1977
اسم الماريشال بيتان معروف في فرنسا، وخارج فرنسا، فإقليمه العسكري
الفرنسي الذي عانى قرابة المئة عام شهد أحداثًا كثيرة خلال حياته؛ فقد عايش
الحربين العالميتين؛ في الأولى كان قائداً عسكرياً في معركة قاسية سياسياً، وبينها
شغل العديد من المناصب العسكرية. أصله فلاحي متواضع، من مواليد عام 1856 في إحدى
القرى الريفية الفرنسية، أصبح جنرالاً في العام نفسه الذي اندلعت فيه الحرب
العالمية الأولى، هذه الحرب - المجزرة التي كان يتم تسميتها "بالحرب
الكبرى" حتى فجر هتلر مجزرة أكبر جعلت المؤرخين يدخلون الأرقام في الرجوع إلى
هذه المجازر الكونية، وكانت فرصة الجنرال بيتان؛ الذي خاض الحركة تلو الحركة ضد
الجيش الألماني، وتحولت تراجعات وانهيارات وخسائر الجيش الفرنسي الفادحة - خاصة في
معركة فردان التي قادها عام 1916 - إلى انتصارات توجت بالهزيمة النهائية لألمانيا
وحلفائها عام 1918، وبيتان الذي دخل الحرب برتبة جنرال جديدة، خرج منها برتبة
ماريشال؛ الرتبة الأعلى والأعز في الجيش الفرنسي، وأصبح اسم بيتان في الكتب
المدرسية الفرنسية إلى جوار أسماء كبار قادة التاريخ الفرنسي. وجاءت الحرب
العالمية الثانية والماريشال بيتان الذي تجاوز الثمانين عاماً، لا يشغل إلا منصباً
دبلوماسياً متواضعاً كسفير لبلاده في إسبانيا الصديقة من الحزب الإسباني بعد
انتصار الفالانخيين فرانكو، لكن الهزيمة التي مني بها الجيش الفرنسي في مطلع الحرب
جراء الهجوم الألماني النازي الصاعق دفعت بالمسؤولين الحكوميين إلى التذكير بالماريشال
العجوز ليرجع للبلاد في كوارث الحرب، وعاد بيتان ليتسلم رئاسة الحكومة في 16
حزيران 1940، وفي اليوم التالي طلب بيتان توقيع الهدنة مع الألمان. ووافق الألمان،
بعد أن قبل بيتان بشروطهم؛ وعلى رأسها الإقرار بضم مقاطعتي الألزاس واللورين
الفرنسيتين إلى ألمانيا وبقاء الجيش الألماني في جزء كبير من الأراضي الفرنسية،
وأصبح بيتان - الذي تحول إلى رئيس الدولة الفرنسية في 11 تموز 1940 - حاكماً لدولة
يسير في فلكها الواقع تحت منطقة نفوذ وسيطرة لألمانيا النازية، لدولة أراد بيتان
أن يبنيها على شاكلة الأنظمة الفاشية المتسلطة والقمعية تحت شعار "العمل،
العائلة، الوطن" والولاء للقائد (الفظ والظهر الذي أنقذ فرنسا): الماريشال
بيتان. ولم يكتفِ الماريشال بانصياع جماهير دولته لهيئة المحتلين الألمان لا بل
شجع انضواء الشبان الفرنسيين للمحاربة تحت راية العداء للشيوعية في صفوف الجيش
الألماني (فالفرقة المناهضة للبولشفية - كما كانت تسمى - تلقت تهاني وتشجيعات
الماريشال بيتان). وهكذا أصبح اسم الماريشال بيتان الذي فرض فرضًا تزدري به
الأناشيد على أطفال المدارس، أصبح في الوقت ذاته بالنسبة للقوى الفرنسية الوطنية
المعادية للنازية (والتي خاضت غمار حرب مقاومة بطولية دامية)، رمزاً للاستسلام
والخنوع لمشيئة العدو المحتل. وانهارت سيرة القائد العسكري المتميز التي خلفتها
الحرب العالمية الأولى، وأصبح طبيعياً أن يجد الماريشال الذي كرمه بعد الهزيمة
النازيون وإدانه قادة الفرنسيين، أن يجد نفسه في قفص الاتهام، وأن يحاكم، وأن يحكم
عليه بالإعدام، ولكونه شارف التسعين من عمره، خففت عقوبته إلى السجن، ولكنه أعدم
عملياً من تاريخ فرنسا، ليس تاريخ فرنسا الجماهير فحسب، وإنما تاريخ فرنسا
البورجوازية أيضاً. ولم تكن حالة بيتان وحيدة من نوعها في أوروبا وفي العالم الذي
تعرض لاعتداءات الفاشية والعسكرية الألمانية والإيطالية واليابانية، ولكن اسم
بيتان أصبح رمزاً.. رغم أن بيتان لم يذهب إلى برلين ليقر برتبته أمام هتلر في
عاصمته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل