العنوان بنغلاديش.. حصاد الانفصال ونتائجه المروعة (الحلقة الأخيرة)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أكتوبر-1974
مشاهدات 66
نشر في العدد 223
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 29-أكتوبر-1974
- البحاريون «هؤلاء جنس من مسلمي الهند ومن غير أهل البنغال هاجروا من الهند إلى باكستان حين قيامها دولة».
إن ما يزيد عن المليون من هؤلاء البحاريين كانوا طبيعيًا من المعارضين لدعاة القومية البنغالية وكانوا من المؤمنين بوحدة الأمة الاسلامية ولذا يؤيدون حركة الدعاة إلى قيام دولة باكستان الإسلامية قبل التقسيم.
وقد اضطروا للهجرة إلى باكستان وكانوا يعتبرون في نظر المتمردين على باكستان الموحدة عملاء لباكستان الغربية وقد نكبوا بشر أنواع التقتيل الجماعي في أبريل ۱۹۷۱ وبعد استسلام الجيش الباكستاني في ديسمبر من نفس السنة.
أ- لقد قتل منهم ما يربو على ربع المليون بلا أدنى شفقة حتى كان من بين القتلى النساء والأطفال.
ب- لقد وصل مائتا ألف إلى باكستان الغربية ما بين كانون الثاني «يناير» ١٩٦٩ واذار «مارس» ١٩٧٤.
جـ- لقد ظل أربعمائة ألف من هؤلاء القوم في معسكرات، الحالة السكنية والمعاشية فيها دون مستوى الكائن البشري «حتى البدائي من جنسه» فبقوا محرومين من المأوى والعمل والممتلكات الخاصة والشرف فلم يبق لهم إلا بلغة من صبابة العيش طفيفة يجود بها عليهم جماعة الصليب الأحمر.
عواقب الانفصال الاقتصادية:
إنه لمن المؤسف حقًا أن يساق خمسة وستون مليونًا من المسلمين إلى ما بين فكي أحد أزمة اقتصادية عرفتها هذه الأيام ولما كانت أرض بنغلاديش محوطة جغرافيًا بالأراضي الهندية من كل جانب فقد صارت ولا محالة واقعة وقوعًا كليا تحت رحمة السيطرة الاقتصادية عليها فأسعار الضروريات ارتفعت من خمسة أضعاف الأسعار القديمة إلى عشرة أضعافها كما انخفض الإنتاج الصناعي إلى أربعين بالمائة من حجمه السابق – وإن المنتجات من أمثال الجوت «أنجيش» والأرز والسمك وغير ذلك من المواد الغذائية تهرب إلى الهند بكميات هائلة والهند كما هو معروف تعاني نقصًا مزمنًا في المواد الغذائية وقد ترتب على ذلك أن أحوال المجاعة في المعاش أصبحت تعم البلاد «بنغلاديش» في مدى العام كله على وجه التقريب.
ولم يكتف جيش الهند الغازي بأسر تسعين ألفًا من جنود الباكستان بل أخذ غنيمة ضخمة هي كل المعدات الحربية المهمة كما أخذ أهم الأجهزة من المصانع كثيرة بما في ذلك سيارات النقل والسفن النهرية والبحرية.
وقد أخبرت صحف داكا اليومية بأن الهند أخذت من أموال البنغال استغلالًا وعلى غير وجهة حق ما يعادل الثلاثين ألف مليون روبية في مدى ستة أشهر فقط.
إن معاهدة الصداقة لخمسة وعشرين عامًا الموقع عليها بين الهند وبنغلاديش لا بد من أن تكون وسيلة مباشرة أو غير مباشرة لجعل بلاد البنغال أداة طبيعية لسيطـرة جمهورية الهند عليها «لا يكاد يمر يوم من دون أن ترى صفوفًا من أناس ذوي ثياب بالية خارجة في مظاهرة تسير خلال حارات داكا وتهتف مترنمة بكلمات بنغالية موقعة ضد الجوع والغلاء والفساد عن صحيفة مانشستر غارديان الإنجليزية 5 حزيران ۱۹۷۳
الصحافة الأجنبية في اقتصاد بنغلاديش
إن الحالة اليائسة الفظيعة في اقتصاد بنغلاديش حاليًا قد خيبت آمال الشعب البنغالي بالإضافة إلى المراقبين الأجانب، كما وقد أشارت الجرائد اليومية العالمية والمجلات الأسبوعية وأعطت تعليقات مباشرة حول الحالة الراهنة في بنغلاديش وإلى المصير الذي تتجه إليه الأمة البنغالية.
إن السيد والتر شفارص في مقالة لجريدة الأوبزرفر أرسلها من «دكا» في 6 تموز/ يوليه جاء فيها:
إن بنغلاديش الآن قريبة من حالة الإفلاس بحيث أنها لا تستطيع انتظار أموال النجدة التي حصلت عليها من الأمم المتحدة بناء على جهود سكرتيرها العام الدكتور فالدهايم لمساعدة الأمم المتضررة من أسعار النفط».
وبعد إعطاء صورة عن الحالة هناك كتب قائلًا: «إن القادة هنا «أي في بنغلاديش» زاد اعتقادهم بأن النكبة أساسها من البنغال نفسها حيث أن مليون طن من الجوت ومليونين طن من الرز تقريبًا «وهذا سدس الإنتاج المحلي» تهرب خلال الحدود إلى الهند كل سنة، وهذا لا يمكن أن يكون دون مساعدة رجال من بنغلاديش وخاصة اولئك الذين يشغلون المناصب العالية»
وتحت عنوان «بنغلاديش البلاد التي ماتت اقتصاديًا» كتب السيد كريستوفر دوبسن في جريدة الديلي تلغراف في ۱۷ تموز / يوليه ما يلي: «أن بنغلاديش تتدهور بأقصى سرعة نحو الإفلاس الاقتصادي وأن البلاد تواجه صعوبات جمة وأنها لا تستطيع الوقوف على قدميها وحدها». ففي مقالة: «الطريق إلى الخراب» كتبها السيد طوني كلفتون في مجلة نيوزويك في 15 تموز/ يوليه قال فيا: «في الحقيقة أن الفرق الأساسي بـين بنغلاديش الحديثة وبين شرقي الباكستان القديمة، هو أن الشعب أفقر مما كان عليه قبل الحرب وأنه الآن يعاني ظلم أبنائه البنغاليين بدلًا من ظلم الجندي الباكستاني». ومن الواضح أن الرجل الذي يتحمل المسؤولية كلها مباشرة في هذه الحالة المحزنة هو قائد ومؤسس وأب بنغلاديش الشيخ مجيب الرحمن الذي يترأس حكومة جميع أعضائها ليس لهم القدرة أو الكفاءة أو الخبرة وأنهم من أبناء الطبقة البرجوازية، الخطافين المحتالين».
وأخيرًا يقول: «إن الشيخ مجيب يأخذ الآن بيد الأمة إلى الهاوية مباشرة».
إحياء الشعور الإسلامي أو بعثه
إن الشيخ مجيب قد وعد المسلمين البنغاليين ببنغال ذهبية» ولكن ذلك الوعد أصبح خرافة في نظر الشعب البنغالي.
لقد أخفى ظل الخلافات السياسية والاقتصادية الكثيفة بين شقي باكستان الشرقي والغربي طودًا هائلًا من خصومة عنيفة عمرها ألف عام بين المسلمين والهندوك فلما أدرك البنغاليون أنهم باتوا تحت سطوة الهند السياسية اتضح أن الشعور الإسلامي عندهم يمنعهم من قبول الاشتراك مع الهندوس في قومية موحدة ولذا أصبح من البديهي أن الكراهية المفتعلة للذين كانوا يعملون للحفاظ على وحدة باكستان قد انحسرت أو زالت وقد أظهرت نتائج الانتخابات التي أجريت في المناطق الريفية وفي المدن للمجالس المحلية في كانون الثاني أن أكثرية المنتخبين كانوا من نفس هذه العناصر المذكورة آنفًا.
ومن جراء مطالبة الشعب المتوالية بإظهار ما ارتكبه المحبوسون بسبب معارضتهم للحركة الانفصالية بعد جرائم وعجز الحكومة التام عن الإتيان ببيان شاف عن هذه الجرائم اضطر الشيخ مجيب إلى العفو العام عن هؤلاء المعتقلين في ۳۰ تشرين الثاني «نوفمبر» 1973 مع الوعد بإطلاق سراح خمسة وثلاثين ألفًا آخرين قبل السادس عشر من ديسمبر القادم ولكن لم يطلق سراح أكثر من ٥٠ ٪ من هؤلاء بعد أن امتد الزمن الموعود إلى «آذار» ١٩٧٤.
إن البنغاليين اليوم حريصون أشد الحرص على أن تكون أرضهم الإسلامية مستقلة عن كل نفوذ مناهض للإسلام سواءً من روسيا أو الهند أو غيرهما.
والآن صار الأمل المنشود عندهم أن تقوم دولة بانغلاديش الإسلامية.
ومن الواضح من كل ما ذكرت أن أرض بنغلاديش لم تعد في حكم الأرض التي فقدها المسلمون والإسلام، لأن ثورة الإسلام الروحية الحية فيه ما بقي الناس عليه قد رسخت جذورها في قلوب الناس ولم يزل فرعها في السماء كما انتقل غرسها إلى قلوب المئات والألوف من الشباب المثقف إن الاضطهاد لا يمكن أن يزعزع العقيدة الراسخة بالخوف في قلوب هؤلاء المؤمنين الباقين على العهد، ولكن على عكس ما كان ينتظره الظالمون قد أعان السجن رجالًا من الناس فأصبحوا من عباد الله المخلصين ومن الداعين إلى الله الحق في تفان وإخلاص.
مؤيدو بانغلاديش ينقسمون على أنفسهم:
في خلال ستة أشهر من ميلاد بنغلاديش بدأ الحلف غير الزكي بين القوى المعادية للإسلام بإظهار ما في سريرته من خلاف، فانقسموا إلى فريقين، فريق مع الحكومة والأخر معارض لها.
وبدأ تبادل الاغتيالات المحوطة بالسرية والغموض بين كلا الفريقين مما وسع قوة الخلاف بينهما.
فقد امتنع أكثر رجال العصابات المسلحة وجماعة «موكتي باهيتي» عن تسليم أسلحتهم إلى الحكومة بالرغم من رجاء الشيخ مجيب الملح لهم أن يفعلوا ذلك. والآن يمتلك كل من الرجال الموالين للحكومـة والمعارضين لها أسلحة كثيرة غير مرخص بها.
ولا يقتصر استعمال تلك الأسلحة على الاغتيالات السياسية وإنما تستعمل في تجميع المغانم عن طريق السوق السوداء وقطع الطريق وغير ذلك من السرقات المسلحة والنهب والسلب واختطاف السيارات حتى في قلب العاصمة داكا نفسها، ولم يعد هناك أقل شعور بالأمن بين السكان وحكم القانون وانضباط النظام قد أصبحا أثرًا بعد عين.
وفي النصف الثاني من آذار ١٩٧٤ استعملت الحكومة أسلوب القهر بالقوة المجردة لتكبت أقوى حزب معارض «الحزب الاشتراكي الوطني» الذي تكون في عام ١٩٧٢ من أكثر أتباع الشيخ مجيب الرحمن حماسًا واستعدادًا للتضحية، وقد ألقي القبض على قمة القيادة في الحزب وعلى كثير من العاملين له ولجـأ الأخرون إلى الاختفاء، «أي نزلوا تحت سطح الأرض كما يجري التعبير عن ذلك في اللغات الأوربية» مع أسلحتهم، وكان من البديهي أن تزداد نسبة الاغتيالات.
وإن نفوذ الحزب كبير جدًا بين الطلاب وهم أنشط الفئات على الإطلاق في بنغلاديش- فأصبح الطلبة الموالون لمجيب يقتلون داخل حرم الجامعة.
وفي نهاية أبريل ١٩٧٤ أعلنت الحكومة الحرب الشاملة على أصحاب الأسلحة غير المرخص بها.
وقد استخدم أكثر من مئة ألف من الجند والشرطة ليبحثوا عن الأسلحة غير القانونية وليحبس من توجد عنده، ولكن هذه الحركة لم تنجح لأن من يملكون مثل هذه الأسلحة غير المرخصة بينهم موالون للحكومة.
وفي تموز «يوليه» ١٩٧٤ قررت الأغلبية البرلمانية التابعة للشيخ مجيب تكوين فرقة مسلحة من متطوعي الحزب الذين يحملون السلاح الآن بصورة غير قانونية ويسلبون وينهبون فقد قدم تسعة وزراء ضمنهم جنرال سابق هو السيد عصمانی احتجاجًا على هذا القرار.
إن تأسيس هذه الفرقة المسلحة رسميًا معناه اعتراف بقطاع الطرق والقتلة الذين يحملون السلاح الآن ويعيثون في الأرض فسادًا وذلك بصبغ أعمالهم بصورة رسمية، وسيؤدي هذا بلا شك إلى اصطدام بين المعارضة المسلحة حاليًا وبين أتباع الشيخ مجيب.
القوى السياسية في بنغلاديش
تنقسم القوى السياسية في بنغلاديش في الوقت الحاضر إلى ثلاثة صفوف.
1- قوى مع الحكومة: موالية للهند علمانية وذات نصرة قومية محلية أو إقليمية: موالية لروسيا أحزاب اشتراكية أو شيوعية والهندوك على العموم موالون للحكومة. ويزداد النفوذ الروسي يومًا بعد يوم لأن الروس ما فتئوا يتسللون إلى داخل أجهزة الحكم.
2- إن معظم الأحزاب الجديدة والقديمة معارضة للحكومة الحالية ومع أن أكثرهم تعاونوا مع الهند من أجل انفصال باكستان الشرقية عن الدولة الموحدة إلا إنهم الآن مناهضون للهند لانقلاب الرأي العام عليها.
إن هذه العناصر السياسية متخالفة الألوان والنجار ولكنها كلها تعمل جهارًا نهارًا ضد الحكومة وسرًا أيضًا، ومن بين هذه العناصر علمانيون معادون للهند واشتراكيون قوميون وشيوعيون موالون للصين وهؤلاء الشيوعيون منقسمون إلى أربعة أو خمسة فرق ولكل فرقة زعيمها المنفرد بها وكل واحدة من هذه الفرق تسعى لأن يشتد ساعدها لتقتنص السلطة في الوقت المناسب وبسبب الكبت الذي تمارسه حكومة مجيب بلا أدنى شفقة أو رحمة اتحدت كل هذه العناصر المتباينة لتحارب العدو المشترك باستعمال - الضغط الشعبي ضد ساعية لاستعادة الحقوق المدنية المسلوبة.
3- إن كل الذين يؤمنون بالإسلام على أنه تشريع شامل كامل للحياتين الخاصة والعامة يعتبرون العلمانية فكرًا معاديًا للإسلام ومناصرًا للفكر السياسي الهندي فهم يعارضون مفهوم القومية المشتركة بين الهندوك والمسلمين كما أنهم معادون للإلحاد الماركسي والاشتراكية ويكونون بالتعاون بينهم وبين القوة الثالثة التي تؤيدها الكثرة الساحقة من السكان المسلمين وهم الفئة التي قاومت تدخل الهند في شؤون باكستان وضحوا بكل مرتخص وغال من أجل تماسك دولة باكستان.
ونتيجة للأضطهلة العظيم القسوة الذي سلط عليهم لمدة عامين ونصف وللمحاكمات الغاشمة نجد أن هذه القوة محرومة من القيادة المنظمة- ولأن أغلبية الشعب معادية للشيوعية وللهند كليهما فإن هذه القوة تنتظر، بصبر يكاد ينفد، القيادة الصحيحة المناسبة للظروف الراهنة- ولكن الشخصيات المشهورة البارزة المعروفة بعدائها للهند وللشيوعية وملحقاتهما تعوقهم عوائق تحول دونهم وتأدية واجبهم كاملًا إزاء الجماهير المسلمة فمنهم من يعيش في المنفى، حيث أنهم حرموا من حقهم المدني بصفتهم مواطنين، وبعضهم ما زال مختفيًا خشية التعرض للمحاكمة، أما الزعماء الذين أفرج عنهم بعد أن لبثوا في السجن عامين كاملين، فليس لهم من حق في تكوين حزب سياسي بسند فكرته الشاملة من الإسلام.
وبعض هؤلاء الزعماء قد اعتقلوا مرة أخرى في نيسان «أبريل» ١٩٧٤ وكانت جريمتهم الوحيدة هي أنهم طالبوا بإطلاق سراح أعوانهم الذين اعتقلوا وأدخلوا السجن للمحاكمة، وبدؤا في الاتصال بالناس لأنهم يعتقدون أن من حقهم العمل من أجل مجموع المسلمين، ويبدو أن الحكومة تخاف هذه القوة خوفًا مبالغًا فيه.
ومن ناحية مادية نجد أن هؤلاء الرجال قد بلغ من قلة حولهم أنهم لا يملكون ما به يصلحون أعوانهـم المضامين كما أنهم لا يملكون سلاحـًا يدفعون به عدوان أناس يملكون سلاحًا عن طرق غير مشروعة كما أنهم ليس لهم تأييد خارجي- ولكنهم يمتلكون تأييدًا قويًا من الشعب المسلم فهـم يغتنمون الفرص لتعبئة أعوانهم في الوقت المناسب.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل